الدرس في كتاب الحج 9، ألقاها
يتناول هذا الفصل شروط محاذاة الحجر الأسود أثناء الطواف حول الكعبة، حيث يرى بعض الفقهاء أنه يجب محاذاة الحجر بجميع البدن، بينما يرى آخرون أنه يكفي محاذاته بجزء من البدن أو القصد.
ناقش هذا الفصل حكم الطواف راكبًا أو حاملًا لغيره، حيث اتفق العلماء على أن طواف الماشي أفضل، لكن اختلفوا في صحة طواف الراكب، وذهبوا إلى آراء متعددة حول صحة طواف الحامل والمحمول.
هذا الفصل يتناول حكم الاضطباع والرمل في طواف القدوم، حيث استحب الفقهاء الاضطباع والرمل، ورأوا أنهما ليسا بواجبين، واستدلوا على ذلك بأقوال الصحابة والتابعين.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، ذكرنا بالأمس بعض المسائل المتعلقة بالطواف، ومن تلك المسائل المذكورة أن الإنسان يبتدئ طوافه بالحجر الأسود وينتهي به أيضًا. وها هنا مسألة تتم لهذه المسألة. قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: حينما تكلم على الحجر الأسود أنه يبتدئ الطواف منه، قال: «ويحاذي الحجر بجميع بدنه». ومعنى يحاذي: أن يوازيه بجميع بدنه. قال: «فإن حاذاه ببعضه، احتمل أن يجزئه؛ لأنه حكم يتعلق بالبدن، فأجزأه فيه بعضه، كالحد». قال: «ويحتمل أن لا يجزئه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم استقبل الحجر واستلمه». وظاهر هذا أنه استقبله بجميع بدنه. قال: «ولأن ما لزمه استقباله لزمه بجميع بدنه، كالقِبلة». قال: «فإذا قلنا بوجوب ذلك، فلم يفعله أو بدأ طوافه من دون الركن، كالباب ونحوه، لم يحتسب له بذلك الشوط، ويحتسب بالشوط الثاني وما بعده». قال: «ويصير الثاني أوله؛ لأنه قد حاذى فيه الحجر بجميع بدنه، وأتى على جميعه». قال: «فإذا أكمل سبعة أشواط غير الأول، صح طوافه، وإلا لم يصح». والإمام النووي رحمه الله تعالى كذلك في المجموع، نحو من هذا الكلام، أي أنه يشترط المحاذاة للحجر الأسود. بل قد ذكر رحمه الله تعالى، كما في المجموع شرح المهذب، أنه إذا خشي اللي، وحاذى، فلا بأس أن يستقبل الحجر من جهة الركن اليماني، أي من جهة الركن اليماني قبل أن يصل للحجر، ثم يبقى مستقبلًا له حتى يكون مستقبلًا له بجميع قصده. قال: «فيبتدئ بيمينه وينتهي بشماله». وحينها يكون قد حاذى الحجر الأسود بجميع قصده. وكذلك علامة العثيمين رحمه الله تعالى ذكر هذا، أي أنه اشترط المحاذاة، بناءً على ما كان في بعض النسخ من الشرح الممتع. ففي بعض النسخ من الشرح الممتع، والذي هو في طبعة آسيام سنة 1416، ذكر هذا ولم يذكر ترجيحًا. ثم رأينا بعد ذلك في بعض الطبعات، في طبعة بيت جوزي للشرح الممتع، أن الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى قال: «فلابد أن يحاذي الحجر الأسود بكله». والتحديد بهذا الحد في النفس منه شيء؛ لأن ظاهر فعل الصحابة رضي الله عنهم أنهم إذا حاذوا الحجر، سواء بكل البدن أو بالجانب الأيمن من البدن أو الأيسر، أن الأمر سهل. ولكن على كلام الفقهاء، لابد من هذا. قال: «وعليه، فيشكل كثيرًا فيما سبق: كيف تكون هذه المحاذاة الدقيقة؟». ثم قال رحمه الله: فذكر مسألة وتكلم على أن المملكة في بداية الأمر عملوا خطين، ثم عملوا خطًا، واستحسنه الشيخ رحمه الله. ثم قال رحمه الله: «وعلى كل حال، وعلى كلام المؤلف، يجب أن يحاذي بكل بدنه». قال: «والصواب، وكما تقدم معنا، أن معنى المحاذاة الموازاة، أجزاء الحجر الأسود بجميع قصده، بمعنى أنه إذا حاذاه بجزء قصده، لا يصح منه ذلك». فيقول الشيخ رحمه الله: «وعلى كلام المؤلف، يجب أن يحاذي بكل بدنه». قال: «والصواب أنه ليس بواجب، وأنه لو حاذاه ببعض البدن، فهو كاف». قال: «واختاره شيخ الإسلام». قال: «ولا حاجة إلى أن يحاذي بكل البدن». نعم، إن تيسر فهو أفضل، ولا شك فهو أفضل. والكلام كما سمعتم، هذا الكلام الأخير ليس موجودًا في طبعة مؤسسة آسيام. فالحاصل من هذا أن الشيخ، كما ترون، يذهب إلى أن المحاذاة بجميع القصد لا تجب، ويكفي من ذلك بجزء القصد. واضح هذا يا جماعة، إذا وازى هذا الحجر الأسود ببعض قصده، صح منه ذلك. قال المرداوي رحمه الله تعالى في كتاب الإنصاف: «قال: إذا حاذى الحجر الأسود بجميع بدنه، أجزأ قولًا واحدًا، أي لا خلاف في إجزائه». قال: «وإن حاذى بعض الحجر بكل بدنه، أجزأ أيضًا قولًا واحدًا». هذا بعض الحجر، أي واجزاء بعض الحجر، بكل قصده أيضًا أجزأ. سواء كل الحجر أو كان جزءًا من الحجر، ما دام أنه حاذى الحجر، يقول: يجزئه ذلك. قال رحمه الله: «ولكن قال في أسباب الهداية: وليمر بكل بدنه». واضح يا جماعة، ذكرنا أنه يبدأ من جهة شرقه الأيمن، يحاذي الحجر الأسود، وينتهي بشرقه الأيسر، ثم يمشي، ويبدأ طوافه بما هو المعتاد، يكون يساره من جهة القبلة، ويمشي ويطوف على البيت. فالحاصل أنه قال: «ولكن قال في أسباب الهداية: وليمر بكل بدنه». وإن حاذى هذا الحجر أو بعضه ببعض بدنه، قال: «فالصحيح من المذهب أنه لا يجزئ ذلك الشوط». وذكر رحمه الله أن صححه جماعة، قال: صححه فلان وفلان في الفروع، كان ابن مفلح وغيره، صحح هذا القول. واضح هذا يا جماعة، يقول: إن مر بالحجر الأسود، سواء بكل الحجر الأسود أو ببعض الحجر الأسود، لكنه حاذاه ببعض قصده، ما حاذاه بكل قصده، حاذاه ببعض قصده، وما حاذاه بجميع بدنه، يقول: المذهب، أي عند الحنابلة، يقول: أنه لا يجزئه ذلك الشوط، ملغى، على أن يأتي بشوط مكان ذلك الشوط. قال رحمه الله: «وقيل: يجزيه». قيل: يجزيه. قال: «اختاره جماعة من الأصحاب، أي من الحنابلة». قال: «منهم الشيخ تقي الدين، أي ابن تيمية». واضح يا جماعة، قال: «وصححه ابن رزيم في شرحه». قال: «وأطلقهما في المغني والمحرر ابن قدامة رحمه الله تعالى، في المغني والمحرر، أطلق الخلاف». كما مر معنا في النقل عن ابن قدامة، أنه قال: «يحتمل كذا ويحتمل كذا». واضح هذا يا جماعة. وعلى هذا النقل، أو هذا النقل عن هؤلاء، إما رحمة الله تعالى عليهم، فإننا نقول: بأن المحاذاة للحجر الأسود أو بعضه بكل الجسد، أحوط وأحرى، ولا شك ولا ريب، أحوط وأحرى، ولا شك ولا ريب، وأبعد عن الخلاف. لكن إن حصل أن بعض الناس طاف واستقبل الحجر ببعض قصده، واستقبل الحجر ببعض قصده، أو حاذى الحجر ببعض قصده، لا بكله، وطاف وانتهى طوافه، فإنه نقول: لو يرجى أن يكون قد صح طوافك، بناءً على أقوال هؤلاء الأئمة رحمهم الله تعالى، الذين أجازوا مثل ذلك. واضح هذا يا جماعة، من فعل ذلك، نقوله: أجزأك ذلك. أي قد انصرف رجل طاف، وانصرف، جاء فقال: أو سمع هذه مسألة، وقال: طفت، ولكني وازيت البيت ببعض قصده، وازيت البيت، أي عند الابتداء، والمراد بالموازاة: معنى عند ابتداء الطواف، وازيت البيت ببعض قصده، هل أجزأني ذلك أم لا؟ نقوله: إن شاء الله، يكون قد أجزأك ذلك. واضح يا جماعة، من بناءً على ماذا؟ بناءً على فتوى هؤلاء الأئمة رحمهم الله تعالى. وإن ابتدأ، وإن كان الرجل يريد أن يبتدئ الطواف، يريد أن يبتدئ الطواف، ما ابتدأ الطواف بعد، نقوله: استقبله، استقبل الحجر بكل ماذا؟ جسدك، وحاذه بكل جسده. واضح هذا يا جماعة، لا فإنه أحوط وأحرى، وأبرأ للذمة، أحوط وأبرأ للذمة. واضح هذا يا جماعة. فهذا القول الذي ينبغي أن يكون هو الأقرب للصواب، والأبعد عن الإشكال. هذا أمر، وأمر آخر أيضًا، نبه عليه الإمام المرداوي رحمه الله تعالى، في ذلك الكتاب، وهو والكتاب يعد من أفضل الكتب الذي ينبه على المسائل الدقيقة، ينبه على كثير من المسائل الدقيقة. قال رحمه الله تعالى: ذكر فائدتين بعد أن ذكر هذه المسألة، فذكر من هاتين الفائدتين، الأولى، قال: «يستحب استقبال الحجر بوجهه، على الصحيح من المذهب». قال: «الشيخ تقي الدين، هو السنة». قال: «وهو ظاهر الخرق، أي ظاهر قول الخرق». قال: «وهو ظاهر ما قطع به في المغني والشرح، أي ما قطع به الإمام ابن قدامة أيضًا». قال: «فإنه ما قال: فإن لم يمكنه استلامه وتقبيله، قام بحذائه». والحذاء هذا، كما سمعتم، شرط في ماذا؟ شرط في الطواف، أن يقوم بحذاء الحجر الأسود. وكما تقدم، هل يكون بجسده كله أم يجزئه بعض جسده؟ تقدمت المسألة، واضحة يا جماعة. قال رحمه الله تعالى: قال في المغني: «فإنه ما قال: فإن لم يمكن استلامه وتقبيله، استلام الحجر الأسود وتقبيله، قام بحذائه، كما ذكرنا، موازيًا له». قال: «واستقبله بوجهه، وكبر وهلل». لكن هذا مخصوص، لكن هذا مخصوص في ماذا؟ في من لم يستطع أن يستلمه بيده، أن يستلمه بعصا، فإن لم يستطع، يقول: يستحب له أن يستقبله بماذا؟ بوجهه. قال رحمه الله: «وقيل: لا يستحب». وقيل: لا يستحب أيضًا، من مذاهب الحنابلة، لا يستحب استقباله بالوجه، إذا ما صعب استلامه بالتقبيله، استلامه باليد، استلامه بعصى، يقول: لا يستحب ماذا؟ استقباله بوجهه. وذهب بعضهم، قال: «وقيل: يجب، أي يجب استقباله بالوجه». قال: «وإلى هذا ذهب القاضي، وإلى هذا ذهب القاضي، القاضي أبو يعلى، من الحنابلة، أنه قال: لا يجوز أن يبتدئه غير مستقبل له». لا يجوز أن يبتدئه غير مستقبل له. واضح يا جماعة، عمله. فهذه مسألة أخرى، وصورة أخرى، هل يجب استقبال الحجر الأسود بالقصد كله، هل يجب أم لا؟ كما ترون، ما ذهب إليه الشيخ السلام، وتيمية رحمه الله تعالى، أن هذا من السنن، وليس من الواجبات، من السنن وليس من الواجبات. فالواجب هو ماذا؟ المحاذاة، بل الشرط في الطواف أن يكون ماذا؟ محاذيًا. إن استقبله، فهو مستحب وسنة، وإن لم يستقبله، يقولون: لا شيء عليه، إلا القاضي أبو يعلى، فإنه يقول: ماذا؟ يجب ذلك. ها هنا مسألة أخرى، وهي حكم الطواف، حكم الطواف راكبًا، حكم الطواف راكبًا، أي هل على من طاف راكبًا شيء أم أن طوافه صحيح؟ نقل الماوردي إجماع العلماء على أن طواف الماشي أولى من طواف الراكب. هذا كما ترون باتفاق، أن الماشي القادر أولى وأفضل من ماذا؟ من الراكب القادر، بخلاف المريض، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. قال النووي رحمه الله: «فلو طاف راكبًا لعذر أو غيره، صح طوافه، ولا دم عليه عندنا في الحالين». ولا دم عليه عندنا في الحالين، أي لا في حال الصحة، ولا في حال السقام، أي في حال العذر. قال: «وهذا هو الصحيح من مذهب أحمد، وبه قال داود، وابن المنذر». وقال مالك، وأبو حنيفة: «إن طاف راكبًا لعذر، أجزأه، ولا شيء عليه». قال: «وإن طاف راكبًا لغير عذر، فعليه دم». قال أبو حنيفة: «وإن كان بمكة، أعاد الطواف». أي اتفقا بأن عليه دم، وأبو حنيفة زاد: أن عليه إن كان في مكة أن يعود ماذا؟ الطواف. ومعنى هذا أنه إذا كان خارج مكة، فلا شيء عليه إلا الدم. واحتجا بأنها عبادة، احتجا بأنها عبادة تتعلق بالبيت، فلا يجزئ فعلها على الراحلة، كالصلاة. واضح يا جماعة، استدلوا بأنها عبادة، وإذا كانت عبادة، فلا يجزئ فعلها على الراحلة، كالصلاة. واحتج الأولون بما رواه مسلم عن ابن عباس، بل هو متفق عليه عن ابن عباس، قال: «طاف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف في حجة الوداع على بعير، يستلم الركن بمحجن». واضح هذا يا جماعة، يقول ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف في حجة الوداع على بعير، يستلم الركن بمحجن. وفي مسلم أيضًا عن جابر، قال: «طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبيت في حجة الوداع على راحلته، يستلم الحجر بمحجنه؛ لأن يراه الناس، وليشرف، وليسألوه». فإن الناس غشوه. وبنحوه عن عائشة رضي الله تعالى عنها. وهذا كما ترون، أحاديث في الصحيحين، وفي مسلم، عن هؤلاء الصحابة، كلهم يحكون أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف على بعير، على أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف على بعير. وهذا كما ذكر ابن القيم رحمه الله: أن ذلك كان في طواف الإفاضة؛ لأنه في طواف القدوم رمل ثلاثًا. والرمل: السير كما سمعتم، ومر معنا سريعًا، بمشاء، أو بخطى متقاربة. فدل على أنه في طواف القدوم مشى على قدميه، وفي طواف الإفاضة ركب على ما ذعى البعير. ودل على أن الكل جائز، هذا جائز، وهذا ماذا؟ جائز. وكما سمعتم أنه نقل الإجماع على أن الطواف بالبيت ماشيًا أولى منه راكبًا، أولى منه راكبًا. طيب، فالحاصل، هذا قد جاء في سنن أبي داود، قد جاء في سنن أبي داود: أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف على بعيره شاكيًا. ولكن الحديث لا يصح. ولكن الحديث لا يصح، سدل به أصحاب أبي حنيفة ومالك على أن طواف النبي صلى الله عليه وسلم بالبعير، إنما كان لأنه شاكيًا. والصحيح، والحديث كما سمعتم، رواه أبو داود، ولكنه ضعيف. فعلى ما سمعتم، من طاف على بعير، وذكر بعض أهل العلم كذلك، من طاف محمولًا، فلا شيء عليه، ولكنه خلاف الأولى. يكون طوافه صحيحًا، ولا دم عليه. طيب، مسألة أخرى، من طاف حاملًا لغيره، من طاف حاملًا لغيره، هل يصح الطواف منهما؟ كانا محرمين وطافا جميعًا، هل يصح الطواف منهما أم لا؟ قال بعض أهل العلم: بأنه يصح من الحامل، الحامل دون المحمول، يصح طواف الحامل دون المحمول. وبعضهم عكس، قال: يصح طواف المحمول دون الحامل. الأول عللوا بماذا؟ عللوا بأن هذا هو الطائف حقيقة، أن الطائف الحامل هو الذي يطوف حقيقة. وأما الآخر، فإنه محمول. والطرف الثاني الذي قالوا: أن يصح على المحمول، ولا يصح على الحامل، قالوا: لأن الحامل إنما طاف بالمحمول، إنما طاف بالمحمول، فيكون الطواف للمحمول. وذهب فريق ثالث إلى أنه ماذا؟ إلى أنه يصح منهما، منهما جميعًا، إذا نويا جميعًا الطواف، كل واحد عن نفسه، الحامل نوى أن يطوف عن نفسه، والمحمول نوى أن يطوف عن نفسه، صح منهما جميعًا. ومنهم من قال: لا يصح منهما جميعًا. ومنهم من قال: لا يصح منهما جميعًا. والأقرب، والله تعالى أعلى وأعلم، القول الثالث؛ لأنه طواف صحيح، أحدهما ناشز، والآخر محموله، في حكم الراكب. وكذلك قد نوى جميعًا، كل واحد منهم، والطواف عن نفسه، فيصح. فيكون حكمك حكم ماذا؟ كحكمه من حمل طفلًا مميزًا، مميزًا، فيصح عنه وعن ماذا؟ وعن من حمله. وعن من حمله. والله تعالى أعلى وأعلم. طيب، مسألة أخرى من مسألة كذلك المتعلقة بالطواف، ما حكم أو حكم الاضطباع، حكم الاضطباع في طواف القدوم، حكم الاضطباع في طواف القدوم. ومعنى الاضطباع: أن يجعل وسط الرداء تحت كتفه اليمنى، ويرد طرفيه على كتفه اليسرى، ويبقي كتفه اليمنى مكشوفة. قالوا: وهو مأخوذ من الضبع، وهو مأخوذ من هذا من الضبع. قالوا: وهو عضد الإنسان، افتعال منه الضبع، هذا الذي هو الكتف في أعلى الكتف، أو هو الكتف. طيب، قالوا: ويستحب الاضطباع في طواف القدوم؛ لما روى أبو داود وغيره، أبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم، عن يعلى بن أمية: أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف مطبعًا ببرد أخضر. وحسنه الألباني. وأيضًا جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من الجعرانة، قال: فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، قد قذفوها على عواتقهم». رواه أبو داود كذلك، وصححه العلامة الألباني. وبهذا القول، أي قول بالاستحباب، باستحباب الاضطباع، قال الإمام مالك، قال الإمام الشافعي، وأحمد، وكثير من أهل العلم، وكثير من أهل العلم. وقال مالك: «ليس الاضطباع بسنة». وقال: «ولم أسمع أحدًا من أهل العلم ببلد، لا يذكر أن الاضطباع سنة ببلده». أين؟ بلده المدينة، أن أهل المدينة لا يقولون بأنه سنة. قال ابن قدامة رحمه الله: «وقد علمت أنه قد ثبت عن نبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولنا فيهم أسوة». ذكر كلامًا، هذا معناه واضح يا جماعة، أي أن الصواب ما ثبت عن نبي صلى الله عليه وسلم، وما ثبت عن أصحابه من الاستحباب، وسنية الاضطباع لمن للقادم. قال رحمه الله: «قال العلماء: وإذا فرغ من الطواف، سوى رداءه». واضح يا جماعة، انتهى من الطواف سبعًا، بعد أن ينتهي من الطواف سبعًا، ما الذي يسوي رداءه؟ يجعله على ماذا؟ على عاتقه. قالوا: «سوى رداءه؛ لأن الاضطباع غير مستحب في الصلاة؛ لأنه بعد أن ينتهي بعد أن ينتهي من الطواف، ما الذي يصنع؟ سيذهب ويصلي ركعتين عند مقام إبراهيم، والصلاة لا يستحب فيها كشف الكتف، يستحب بل يجب فيها ترطية الكتفين». نقول: النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد، ليس على عاتقه منه شيء». كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وقد تقدم الكلام على هذه المسألة في مسائل الصلاة. وقال الأسرم: «إذا فرغ من الأشواط التي يرمل فيها، سوى رداءه». أي يقول أسرم: إذا انتهى من الثلاثة الأشواط التي هي أشواط الرمل، يقول: يسوي ماذا؟ رداءه. فالاضطباع يقول: مع الرمل، فإذا فرغ من الرمل، أعاد أعاد الثوب إلى محله. قال ابن قدامة: «والأول أولى». ما معنى الأول أولى؟ أنه يرجع الثوب على عاتقه بعد أن يفرغ من جميع الأشواط السبعة، بعد أن يفرغ من جميع الأشواط من الأشواط جميعًا. طيب، السبعة، قال ابن قدامة: «والأول أولى؛ لأن قوله: طاف مطبعًا، ينصرف إلى جميعه، ينصرف إلى جميع لم يقل عند الرمل، لم يقل عند الرمل». والأصل في المطلق أن يبقى على إطلاقه، فلا يقيد إلا بماذا؟ إلا بدليل. قال: «ولا يطبع بغير هذا الطواف، أي بغير طواف القدوم». إنما يشرع في طواف القدوم، القادم سواء كان معتمرًا أو كان قارنًا أو ما شابه ذلك، إذا دخل في طواف القدوم، فيشرع له أن يفعل هذا. أما في بقية الطواف، كطواف الإفاضة، وكطواف الوداع، فإنه لا يستحب ذلك، لا يستحب أن يكشف عن ماذا؟ أن يكشف عن كتفه. وإنما ذلك خاص في طواف القدوم، وإنما ذلك خاص في طواف القدوم. قال: «ولا يطبع بغير هذا الطواف، ولا يطبع للسعي». ولا يطبع كذلك للسعي. قال: «وقال الشافعي: يطبع في السعي». الإمام الشافعي يرى أيضًا أنه يشرع له أن يطبع في السعي. والصواب أنه لا يشرع، أو لا يستحب ذلك. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «ما سمعنا فيه شيئًا»، أي ما سمعنا أحدًا يقول: أو هناك دليل على أنه يستحب الاضطباع في السعي. وإنما يستحب الاضطباع في طواف القدوم. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: «والقياس لا يصح، والقياس لا يصح». القياس الطواف على السعي لا يصح. قال: «إلا فيما عقل معناه». قال: «وهذا تعبد محض». وهذا تعبد محض. فالحاصل من هذا أنه كما ذكر، أنه كما ذكر، من أن الاضطباع إنما يشرع في طواف القدوم فقط. وبعد أن يفرغ من الأشواط السبعة، فإنه يعيد الرداء على عاتقه، ثم يصلي ركعتين عند المقام، كما سيأتي بإذن الله جل وعلا. طيب، مسألة أخرى، هل أو ما حكم الرمل؟ ما حكم الرمل؟ وهل يلزم من ترك الرمل شيء؟ تقدم معنا أن الرمل هو الإسراع في المشي، مع مقاربة الخطى، مع مقاربة الخطى. فهل من ترك الرمل في طواف القدوم، فهل على من ترك الرمل في طواف القدوم في الأشواط الثلاثة الأولى شيء؟ قال ابن قدامة: «لا شيء عليه». إنما كان كذلك؛ لأنه هيئة، لأنه هيئة، فلا يجب بتركه إعادة هيئة، أي من هيئة الطواف، هيئة من هيئات الطواف. قال: «فلا يجب بتركه إعادة». قال: «كهيئات الصلاة». قال: «وكالاضطباع في الطواف». ولو تركه عمدًا، لم يلزمه شيء أيضًا، لم يلزمه شيء أيضًا، ترك الاضطباع أو ترك ماذا؟ الرمل، فإنه لا يلزمه شيء. قال ابن قدامة: «وهذا قول عامة الفقهاء». وهذا قول عامة الفقهاء. قال: «إلا ما حكي عن الحسن، والثوري، وعد الملك الماجشون: أن عليه دم». قالوا: «لأنه نسك». قال: «وقد جاء في حديث، وقد جاء في حديث عن نبي صلى الله عليه وسلم: من ترك نسكًا، فعليه دم». هؤلاء الحسن ومن معه، يقولون بأنه واجب، ومن تركه، فعليه ماذا؟ فعليه دم، من ترك الرمل، فإنه ماذا؟ فعليه دم. واستدل بهذا: «من ترك نسكًا فعليه دم». والحديث رواه مرفوعًا ابن حزم، وضعفه. وكذلك قال علامة الألباني في الإرواء: ضعيف مرفوعًا. وثبت موقوفًا، أي علامة ابن عباس رضي الله عنهما، قال: أخرجه مالك عن أيوب بن أبي تميمة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: «من نسى من نسكه شيئًا أو تركه، فليهرق دمًا». فالحاصل أن هذا الأثر موقوف على من؟ على ابن عباس. وعلى ابن عباس، وهذا الأثر قد يستدل به، إن سلمنا أن هذا ماذا؟ أن طواف القدوم من النسك، أو أن الرمل في طواف القدوم من ماذا؟ من النسك. أما إذا قيل: أنها إنما هي هيئة، هيئة في النسك، وليست من النسك، فهذا كما ترون، لا شيء عليه. قال ابن قدامة: «ولنا: أنه هيئة غير واجبة». ولنا: أنه هيئة غير واجبة، فلم يجب بتركها شيء، كالاضطباع. قال: «والخبر إنما يصح عن ابن عباس». وقد قال ابن عباس: «من ترك الرمل، فلا شيء عليه». ثم قال: هو مخصوص بما ذكرنا. ثم هو مخصوص بما ذكرنا. قال: «ولأن طواف القدوم لا يجب بتركه شيء». ولأن طواف القدوم لا يجب بتركه شيء، فترك صفة فيه أولى أن لا يجب فيها؛ لأن ذلك لا يزيد على تركه. واضح يا جماعة، ابن قدامة رحمه الله تعالى يقول: من ترك طواف القدوم، من ترك طواف القدوم، يقول: طواف القدوم أصلا ليس بواجب، وإنما هو ماذا؟ مستحب. فمن ترك شيئًا في هذا الشيء الذي أصله ليس بواجب، فمن باب أولى أن لا يكون عليه ماذا؟ شيء. وخلاصة ما يقال: أن هذا الأمر كما قال: أنه مستحب وليس بواجب، أن الرمل مستحب وليس بواجب. وأقوى ما يستدل به في هذا الباب، ما رواه البخاري عن عمر، ما رواه البخاري رحمه الله تعالى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه قال للركن، أي الحجر الأسود، قال: «أما والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم استلمك، ما استلمتك». فاستلمه، ثم قال: «فما لنا وللرمل؟ إنما كنا رأينا به المشركين، وقد أهلكهم الله». ثم قال عمر: «ثم قال: شيء صنعه النبي صلى الله عليه وسلم، فلا نحب أن نتركه». فلا نحب أن نتركه. وهذا كما ترون، يدل على استحباب الرمل. وقد نص عليه كما ترون أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في حجته، دون نكير. وكذلك نص عليه كذلك، نص عليه ابن عباس رضي الله عنهما، كما في سنن أبي داود. وقال: ونص أنه ليس بسنة. ونص أنه ليس بسنة، أي ثبت عن ابن عباس ذلك. قال: «أن الرمل ليس بسنة، وإنما فعله النبي صلى الله عليه وسلم حينما بلغه أن المشركين قالوا: يأتي محمد وأصحابه، وقد وهنتهم حمى يثرب». إلى آخر ما ذكر. فالحاصل أن هذا كما ترون، قد ثبت عن عمر رضي الله عنه وأرضاه، على مشهد ومسمع من الناس. وكذلك ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما، ولا مخالف لهما من الصحابة. فالقول قولهما. والله تعالى أعلى وأعلم. والله تعالى أعلى وأعلم. قال الطبري رحمه الله تعالى: قال الإمام الطبري: «قد ثبت أن الشارع، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم رمل». قال: «ولا مشرك يومئذ بمكة»، أي أنه رمل النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، رمل النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع. قال: «ولا مشرك يومئذ بمكة»، يعني في حجة الوداع. قال: «فعلم أنه من مناسك الحج، إلا أن تاركه ليس تاركًا لعمل، ليس تاركًا لعمل، بل لهيئة مخصوصة». فكان كرفع الصوت بالتلبية، فمن لبى، فمن رفع صوته، لم يكن تاركًا للتلبية، بل لصفتها، ولا شيء عليه. فهذا هو الحاصل، وهذا هو الخلاصة، من أن الرمل مستحب في حق الرجال، مستحب في حق ماذا؟ في حق الرجال. مسألة أخرى، أو تنبيهات تحت هذه المسألة، التنبيه الأول: أنه ليس على النساء رمل باتفاق، ليس على النساء رمل باتفاق، أي لا يشرع للمرأة أن ترمل كما يرمل الرجال؛ لماذا؟ لأنه لأن رمل المرأة يسبب لها ولغيرها الضرر والافتتان بها. ثم المعنى الذي لأجله رمل النبي صلى الله عليه وسلم، كذلك غير موجود في النساء، غير موجود في النساء. وهذا كما سمعتم باتفاق. وهذا باتفاق. التنبيه الثاني: من نسي الرمل في الأشواط الثلاثة، فلا يجزئه أن يقضيها في بقية الأشواط. رجل بدأ الطواف، الطوافة الأولى، ثم الطوافة الثانية، ثم تذكر، قال: «الله المستعان، ما رملت». ماذا أصنع؟ الجواب: لا يشرع له ذلك. إنما يشرع له الرمل في الأشواط الأولى، في الأشواط الثلاثة الأولى. واضح هذا يا جماعة. فمن نسيها، فلا شيء عليه، ولا يقضي ما نسيه من الرمل. طيب، رجل مثلا نسي الرمل في الشوط الأول، ثم تذكره في الشوط الثاني، فماذا يصنع؟ الجواب: أنه يرمل بالأشواط التي تذكرها، الشوط الثاني والثالث. واضح هذا يا جماعة، أي إذا تذكر في الشوط الثاني، فإنه يرمل في الشوط الثاني والثالث فقط. إن تذكر في الشوط الثالث، فإنه يرمل في الشوط الثالث فقط. وهكذا. واضح هذا يا إخوان. وهذا تنبيه الثاني. وتنبيه الثالث: أن الرمل لا يشرع إلا في الأشواط الثلاثة الأولى، من طواف القدوم أو طواف العمرة، بمعنى أن طواف الإفاضة، وطواف الوداع، لا يستحب فيه الرمل، لا يستحب فيه الرمل. والله تعالى أعلى وأعلم. إلهنا سبحانك الله بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.