الدرس في كتاب البيوع 2، ألقاها
تناول آراء الفقهاء حول كيفية انعقاد البيع، واختلافهم بين اشتراط اللفظ أو الفعل. كما ناقش شروط صحة البيع في الإسلام.
شرح الحديث النبوي "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" وأوضح شروط خيار المجلس في البيع والشراء، وتناول مسألة خيار الشرط.
يشرح أهمية الصدق والبيان في البيع والشراء، ويحذر من الكذب والغش في المعاملات التجارية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، مضى معنا في الأمس ذكر بعض الأمور المتعلقة بكتاب البيوع، و ذكرنا آخر ما ذكرنا الشروط، وذكرنا قبلها أن حكم البيع جائز بالكتاب والسنة والإجماع، وكذا القياس، وقد ذكرنا ذلك بالحكمة من شرعية البيع. وأيضا قبل أن ندخل في الدرس الجديد، عندنا ها هنا قاعدة نستطيبها في هذا الباب، قاعدة نستطيبها في هذا الباب، أي في باب البيوع، وهي أن الأصل في المعاملات الحل إلا ما دل الدليل على تحريمه. هذه قاعدة نستطيبها في جميع المسائل المشكلة، في جميع المسائل المشكلة نستطيب هذه القاعدة، وهي أن الأصل في المعاملات الحل إلا ما دل الدليل على تحريمه. لذا ربنا جل وعلا، كما ترون، ذكر في كتابه الكريم آيات عامة تدل على حل البيع، ولم يقيده بماذا؟ بغير، وجاء في آيات أخرى بيان بعض البيوع المحرمة، بعض البيوع المحرمة، سواء في كتاب الله جل وعلا أو في سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فما ثبت حرمته بالدليل الشرعي فإنه المحرم، وما لم يكن كذلك فإنه من ماذا؟ فإنه الحلال. وما بين ذلك من الأمور المشتبهات، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث النعمان بن بشير: «الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس». لا يعلمهن كثير من الناس. فالحلال بين، أي واضح جلي، بينه الله جل وعلا في كتابه، وكذلك بينه نبيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بما أوحاه الله جل وعلا له من الوحي. والحرام كذلك بين، وبينهما أمور مشتبهات، الأمور المشتبهات المتجاذبة متشابهة بين الحل والحرمة. النبي صلى الله عليه وسلم قال ماذا؟ قال: «لا يعلمهن كثير من الناس»، ولكن يعلمهن ماذا؟ مفهوم الحديث يعلمهن بعض الناس. قول «لا يعلمهن كثير من الناس» في إشارة إلى أن بعض الناس يعلم هذه المشتبهات بردها إلى ماذا؟ إلى المحكم. بردها إلى المحكم، وهذا هو السبيل والطريق الذي عليه أهل العلم الراسخين في العلم، فإنهم هم الذين يميزون في المسائل المشتبهات الحل من الحرام بإلحاق بعض الأشياء ببعض، أي المشتبهة يلحقون ماذا؟ الأشياء المشتبهة بالمحكم، فيتضح حكمها إما حلا وإما ماذا؟ وإما حرمة. إما حلا وإما حرمة. والأصل في هذا كما سمعتم أن الدليل إذا لم يدل على الحرمة فالأصل فيه أنه ماذا؟ في الشيء وفي المعاملة وفي البيع بأنه ماذا؟ بأنه حلال. إذا لم يدل الدليل على تحرمه فالأصل فيه بأنه ماذا؟ بأنه حلال. طيب، بقي قبل أن ندخل في أحاديث الباب، هل يشترط لانعقاد البيع ألفاظ معينة، أو قل: بماذا ينعقد البيع؟ بماذا ينعقد البيع؟ ذكرنا فيما مضى معنا شروط البيع، وذكرنا المتعاقدين وما شابه ذلك، لكن بماذا ينعقد البيع؟ ذهب الشافعي، وهو رواية عن أحمد، وهي رواية كذلك عن أحمد، أنه لا يصح البيع إلا بالألفاظ، إلا بالألفاظ، الإيجاب والقبول بالألفاظ، الإيجاب والقبول، مثلا: «تبعني، بيعني»، هذا فيقول: «بعتك»، أو «قبلته»، أو «خذ»، فيقول: «قبلته»، أو قال: «أتشتري مني هذا؟» فيقول: «نعم»، أو ما شابه ذلك. فألفاظ الإيجاب والقبول هي التي يتم بها البيع. فهؤلاء يشترطون في البيع لابد أن يكون باللفظ، ولفظ ماذا؟ الإيجاب والقبول. بمعنى أن الإنسان إذا أخذ شيئا بالفعل دون لفظ الإيجاب والقبول، فإن البيع لا يصح. مثلا رجل يقول: على سبيل المثال يقول: «هذا الكيس من البر بخمسة آلاف ريال يمني»، واضح. جماعة يقول: «الكيس البر بخمسة آلاف يمني». يأتي مشتري يضع خمسة آلاف ويأخذ الكيس البر. فأيش حكم هذا عند هؤلاء؟ هل يصح البيع أم لا؟ لا يصح البيع. لماذا؟ لأنه لا بد من ألفاظ، لا بد من ماذا؟ من ألفاظ. هذا قيمته كذا، يقول لهم: «تبيعني؟» يقول له: «نعم»، تشتريه؟ يقول له ماذا؟ ماذا؟ «نعم»، واضح. جماعة لا بد من ألفاظ، لا بد من ألفاظ. وبأي لفظ كان المقصود، يقول ماذا؟ يحصل بأي لفظ كان المقصود من ألفاظ الإيجاب والقبول، بأي لفظ من ألفاظ الإيجاب وماذا؟ والقبول. قالوا: لأن الرضا في البيع شرط، كما تقدّم معنا. قالوا: والرضا أمر باطن، الرضا أمر باطن، فلا نستطيع أن نعرف حصول التراضي بمجرد الفعل، فقد يكون سكوت البائع لذهول فيه أو هزل، أي كان على سبيل الهزل أو ما شابه ذلك. قالوا: لأجل هذا المعنى، فلا يصح. واضح هذا. جماعة، يعني مثلا على سبيل هزل، رجل يقول: «هذا الكيس بخمسة آلاف»، وهو يضحك، ما يريد البيع. فآخر يضع خمسة آلاف ويمشي. يقول: «هذا البيع لا يتم». لماذا؟ لأن الرجل قد يكون هازلا، لم يرد البيع، ولكن يريد مثلا يعرك سلعة، هل ستأتي له بخمسة آلاف أم لا؟ أو ما شابه ذلك. فالحاصل أن هؤلاء يعللون بهذا التعليل. وذهب ابن حزم إلى نحو هذا القول، ولكنه رحمه الله تعالى جمد على ظاهريته كالعادة، فقال: لا يصح البيع إلا بلفظ «بعت» و«اشتريت»، أي لا بد من لفظ أن يقول هذا: «بعت»، والآخر يقول ماذا؟ «اشتريت». إذا كان بغير هذا اللفظ فلا، بغير هذا اللفظ لا. مثلا الرجل قال له: «بكم قيمة هذا الكيس من البر؟» فقال التاجر: «خمسة آلاف». فقال له الرجل: «نعم»، خذ هذه الخمسة آلاف. الآن، على قول الشافعي، ايش حكم هذا البيع؟ صحيح. على قول ابن حزم، ايش حكمه؟ ليس بصحيح. لماذا؟ لأنه ما قال: «بعتك»، والآخر يقول ماذا؟ «اشتريت». واضح. جماعة، ملا طيب. وابن حزم رحمه الله تعالى يقول: أو بلفظ «تجارة»، أو بلفظ «تجارة». قال: ويجوز أن يكون بغير لفظ العربية، يجوز أن يكون بغير لفظ العربية، بأن يتخاطب أناس بغير لغة العرب، لكن بألفاظ يعبر بها عن البيع. إذا كان في غير لغة العرب، أناس لا يستطيعون اللغة العربية، صح بيعهم بماذا؟ بألفاظ البيع في لغتهم، بلفظ البيع في لغتهم. واضح. جماعة، كأنه تفطن الإلزام. ابن حزم رحمه الله، كأنه تفطن الإلزام، وكأنه وقع في خاطره: أن قال لك القائل: إذا كان إنسان لا يحسن العربية، لا يستطيع أن يقول: «بعت» و«اشتريت»، فماذا يصنع؟ يقول: يتكلم بلغته، لكن بألفاظ البيع. واضح. جماعة، يتكلم بلغته، ولكن بألفاظ ماذا؟ بألفاظ البيع. طيب، وذهب أبو حنيفة، وهو قول كذلك في مذهب الإمام أحمد، بأنها تصح البيوع بالفعل دون اللفظ فيما يكثر فيه البيع بالأفعال، وقيدوا بالمحقرات، أو بالمحقرات. هؤلاء، أبو حنيفة، وهو قول في مذهب أحمد، يقول: تصح البيوع بالفعل دون اللفظ فيما يكثر فيه البيع بالأفعال، أجازت العادة البيع فيه بماذا؟ بالأفعال. مثل ماذا؟ بالاشياء المحقرة، المحتقرة. وما هو ضابط الشيء المحتقر؟ هذا يرجع إلى العرف، هذا يرجع إلى ماذا؟ العرف. فقد يكون شيئا محتقرا، أي قيمة محتقرة في مكان دون مكان، لحاجة الناس إليه أو لعدم حاجتهم إليه. فحاصل قول هؤلاء أنهم يقولون: يجوز البيع بماذا؟ بالفعل، بالفعل، ولو لم يكن بلفظ. لكن في أشياء ما؟ لا، في الأشياء المحتقرة. مثلا لعبة أطفال، العاب أطفال، أشياء صغيرة، قلامات، وما شابه ذلك. يقول: مثلا الرجل المشتري أو البائع يقول البائع: «بكم هذا القلام؟» يقول: «بمئة ريال يمني». فيضع المال ويأخذ القلام. «بكم هذه العلبة؟» مثلا الصلصة الطماط، يقول مثلا: «بمئة ريال». يضع المئة ريال ويمشي. واضحة. جماعة، يقول: هذا بالفعل يصح، هذا بالفعل ماذا؟ يصح. واضحة. جماعة، أم لا؟ لكن الأشياء إذا كانت كبيرة، غالية، ثمينة، فلا يصح. أشياء إذا كانت غالية، ثمينة، فإنه ماذا؟ لا يصح. مثلا ذهب، ذهب. دخل سوق ذهب، أو دخل عند أشياء ثمينة، أشياء ثمينة. كم ها العلب، الكيس مثلا البر؟ يقول: «بخمسة آلاف». لابد أن يقول له: «تبيعني؟» «تبيعني؟» فإذا قال: «نعم»، دفع خمسة آلاف. واضحة. جماعة، لابد من ماذا؟ من لفظ. في الأشياء الثمينة، الأشياء المحتقرة يكتفى فيها بماذا؟ بالفعل. يكتفى فيها بالفعل. وهذا كذلك قول في مذهب، أو هذا وجه في مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى. وهنا قول كذلك في المسألة، وهو القول الثالث، وهو قول مالك رحمه الله تعالى، وقول لأحمد، بأن البيع ينعقد بكل ما يعده الناس بيعا، من قول أو فعل، وسواء كان متعاقبا أو متراخيا. لأن الله تعالى لم يرد أن يتعبد، أن يتعبد العباد، بألفاظ معينة. الله جل وعلا لم يرد أن يتعبد العباد، القاضي معين، أي بلفظ البيع: «بعت»، أو تقول: «اشتريت»، أو ما شابه ذلك. وإنما القصد الدلالة على معنى، القصد الدلالة على معنى، أي القصد الدلالة على معنى البيع والشراء. وبأي لفظ دل عليه، حصل المقصود. بأي لفظ دل عليه، حصل المقصود، أي حصل مقصود البيع. وهذا اختيار الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وابن القيم، والصنعاني، والشوكاني، وهو كذلك قول أئمة العصر: ابن باز، والألباني، والعثيمين، والوادعي، رحم الله الجميع. وهو الراجح، لأن الأصل في المعاملات الحل. الآن نرجع، الأصل ايش عندنا؟ الأصل في هذا الباب، الأصل في المعاملات الحل. فمن اشترط شيئا، أو حرم شيئا، طُولب بالدليل. طُولب بالدليل. لماذا؟ لأن هؤلاء باقون على الأصل، والخارج عن الأصل هو الذي يطالب بماذا؟ بالدليل. ولا دليل هنا، ولا دليل هنا على ما ذكر أو لا. وأيضا عندنا ها هنا أيضا قاعدة فقهية أخرى، وهي: أن العادة محكمة، أن العادة محكمة، أي فيما لم يأت الشرع بحدها، وكذا لم يأت في اللغة. فيرجع فيه إلى العرف، فيرجع فيه إلى العرف، كما هو الحال ها هنا. الله جل وعلا أحل البيع، أطلق البيع، وكذا رسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يحد له ألفاظا معينة. وكذلك في اللغة لم تأت ألفاظ معينة تحد البيع، بل دل العرف على أن كل ما وقع معنى البيع فيه، فإنه يصح فيه البيع، من قول أو فعل، من قول أو فعل. واضح. جماعة، ملاك ماذا؟ كان الفعل، كأن يقول الرجل، كما سمعت: يقول: «القطعة مثلا عنده أشياء كثيرة»، يقول: «أو مسعرة، الكيس البر بخمسة آلاف، الكيس الروج بسبعة آلاف»، المسعرة عندهم. فالرجل ينظر: «بكم هذا؟» قال له: «خمسة آلاف». وضع الخمسة آلاف وأخذ الكيس البر. يصح هذا أم لا؟ يصح هذا. يصح عليه معاملة الناس اليوم، وعليه معاملة الناس اليوم. بمعنى أن الرجل يسأل عن السعر، فإذا قال له كذا، ما يقول: «لو قبلت؟» أو «نعم»، أو «اشتريت»، أو ما شابه ذلك. وضع الثمن وأخذ، أو الرجل يقول: «لو تشتري مني هذا بكذا وكذا؟» الرجل على طول يأخذ المال، يخرج المال ويضع المال في يد البائع، ويأخذ البضاعة ويمشي. هذا معلوم. يا جماعة، على الأشياء الصغيرة، والاشياء كبيرة، حتى الذهب، سوق الذهب. يذهب الرجل: «كام الذهب؟» يقول: في مثل أيام هذه، ما أدري كم: «عشرة آلاف»، إن لم يكن في ارتفاع. مثلا أخذ مثلا حلقا أو خاتما أو ما شابه ذلك. قالوا: «قيمته عشرة آلاف». وزنه: «كم وزن هذا؟» قاله: «كذا وكذا جرام»، وقيمته عشرة آلاف. الرجل أخرج المال، وضع المال، وعلى طول أضع الخاتم وخرج، دون أن يقول له: «قبلت»، أو «بعت»، أو «اشتريت». واضح. جماعة، فالمعاملات، معاملات الناس على هذا. فكما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى: أن البيع يتم بأي صورة من صور البيع، إذا كان معنى البيع فيه، إذا كان معنى البيع فيه. طيب، هذه كما يقال: بعض الأشياء التي نحتاجها قبل الدخول في مسائل الكتاب. فندخل في أحاديث الكتاب. أن الله جل وعلا قال... كتاب البيوع. عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «إذا تبايع الرجلان، فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا، وكانا جميعا، أو يخير أحدهما الآخر. فإن خير أحدهما الآخر، فتبايعا على ذلك، فقد وجب البيع. وإن تفرقا بعد أن تبايعا، ولم يترك واحد منهما البيع، فقد وجب البيع». طيب، هذا الحديث الأول من أحاديث البيوع. فيه أن ابن عمر رضي الله عنهما يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا تبايع الرجلان». ولفظ «تبايع» من تفاعل، من تفاعل، وهذا يدل على أن المبايعة تحصل من ماذا؟ من طرفين. تحصل من طرفين. وقوله: «الرجلان»، هذا الأغلب. وإلا لو تبايعت المرأتان، فالحكم هو الحكم، أو المرأة والرجل، كذلك الحكم هو الحكم. ولكن يأتي بالأغلب بذكر الرجال في مثل هذه المقام، لأن أكثر البيع يكون في حق الرجال. قال: «إذا تبايع الرجلان، فكل واحد منهما بالخيار». فكل واحد منهما بالخيار، ومعنى كل واحد منهما بالخيار، أي بالخِيَرة، أي له الاختيار في أن يفسخ البيع أو أن يتم البيع. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما لم يتفرق، وكانا جميعا». أو يخير أحدهما الآخر. واضح هذا. جماعة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا تبايع الرجلان، فكل واحد منهما بالخيار، ما لم يتفرق. ما دام في مكان واحد، في مقام واحد، لهم أن يتراجعا، لهما أن يتراجعا. وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى: أن البيع كان قبل الإسلام يتم بمجرد اللفظ، بمجرد اللفظ. معنى أن الإنسان إذا اشترى الشيء، كم مثلا هذا الكيس من البر؟ قاله: «بخمسة آلاف». أخذه، دفع الخمسة آلاف، تم البيع. لا يجوز له الرجوع، لا يجوز له الرجوع، في عرف، في العرف قبل الإسلام. فلما جاء الإسلام، وضع هذا الحكم، وضع هذا الحكم، هو ماذا؟ هو الخيار. فالإسلام قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرق، وكانا جميعا». وقول «وكانا جميعا» أي كانا جميعا، لم يتفرقا. هذا التأكيد لماذا؟ كالتأكيد لعدم التفرق. كالتأكيد لعدم التفرق. فللبائع أن يرجع عن بيعته، ولا غضاضة عليه في ذلك. وكذا للمشتري أن يرجع في ذلك. لماذا؟ لهذا الحديث، وما جاء كذلك في الحديث الذي يليه: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، وكانا جميعا». وسأتي معنا بإذن الله جل وعلا بماذا يثبت أن التفرق، وبماذا لا يثبت. بماذا يثبت التفرق؟ إن العلماء رحمهم الله تعالى اختلفوا في هذا الباب، في خيار المجلس، بماذا يكون؟ فمنهم من قال: بالالفاظ. ومنهم من قال: بالأبدان. ومنهم من ذكر إلى أن ذلك يعود إلى العرف. سأتي الكلام على هذه المسألة بإذن الله جل وعلا. قال: «أو يخير أحدهما الآخر». ما معنى «أو يخير أحدهما الآخر»؟ أي أن أحد المتبايعين، سواء المشتري أو البائع، يقول لاخيه الآخر: «أنت بالخيار في هذا البيع»، إما أن يخيره مدة قليلة أو كثيرة. يقول له: «أنت بالخيار مدة يوم، يومين، ثلاثة أيام، مدة أسبوع، مدة شهر». ما دام أن أحدا خير الآخر، فالمدة ماذا؟ مفتوحة، ولو تفرقا جميعا. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما لم يتفرق، وكانا جميعا، أو يخير أحدهما الآخر». إذا خير أحدهما الآخر، فيكون الخيار لمن كان له الخيار. يقول: «الخيار لمن كان له الخيار». أنا عندي سيارة مثلا، بعت السيارة لشخص مثلا باثنين مليون، اثنين مليون يمني. طيب. يا جماعة، فالرجل جعل يقلب السيارة، هو ينظر، وكذا أقوله: «يا فلان، السيارة سيارتي، خذها، ولك مثلا أسبوع، أو لك ثلاثة أيام، انظر في السيارة». إن عجبتك، الحمد لله. إن ما عجبتك، ردها. سيارة وسيارة ملكي. واضح. جماعة، يسمى ماذا؟ خيار. خيار. خير أحدهما الآخر. قد يكون العكس، قد يكون ماذا؟ العكس. مشتري أتى إلي، يقلب سيارتي. أخي، تبيعني سيارتك؟ أقوله: «نعم»، بكام؟ قال مثلا: «بثلاثين مليون». بعد أن باعني، رأني أنظر إلى السيارة هكذا، يمين الشمال. قال: «يا فلان، السيارة لك مثلا ثلاثة أيام، أنت بالخيار». إن أحببت أن تنفذ البيع، انفذه. وإن لا، فماذا؟ وإن لا، فلك الرجوع. السيارة لمدة ثلاثة أيام. إن تاب لي خيار في اتمام البيع أو عدم اتمامه. إن بدا لي أنا خلال هذه الثلاثة أيام، استرجاع السيارة، وأعطائه ماله، وجب عليه ماذا؟ القبول. واضح. جماعة، منه، والرد. وإن لا، وإن لا، فلا. بمعنى أنه إذا مضت ثلاثة الأيام، وما تكلمت معه بشيء، فالسيارة تصير ماذا؟ ملكا له. ولا خيار لك في ذلك. واضح هذا. جماعة، أم لا؟ فاشترط أن تكون بمدة، إما من البائع، إما من ماذا؟ إما من جهة المشتري، وإما أن تكون من جهة البائع. يعني يكون الخيار من أحدهما، كما قال نبي صلى الله عليه وسلم: «أو يخير أحدهما الآخر». سواء كان البائع أو المشتري. قال: «فإن خير أحدهما الآخر، فتبايعا على ذلك». كما تقدم. تبايعا على ماذا؟ الخيار. قال: «أو له هو أنت بالخيار مدة يوم، مدة ثلاثة أيام، مدة أسبوع». وهذا يحصل إلى يومنا هذا بحمد الله. إنسان يشتري الشيء، فيقول: «خذ هذا الجهاز، تليفون، هذا الأيام، جوالات». هذه: «قل امعك أربعة وعشرين ساعة، قلب الجهاز، وانظر فيه». إن اعجبك، خذهم. وإن لم يعجبك، فماذا؟ فرده. فقال: «فتبايعا على ذلك، فقد وجب البيع». أي فقد وجب البيع على من؟ على من جعل الخيار للآخر. هو الآخر بماذا؟ بالخيار. فإن انتهت مدة الخيار، وجب البيع من جهة الطرفين. واضح. جماعة، أم لا؟ قال: «وإن تفرقا بعد أن تبايعا». وإن تفرقا بعد أن تبايعا، ولم يترك واحد منهما البيع، فقد وجب البيع. واضح هذا. جماعة. رجلان، كما ذكرنا، جاء أحدهما الآخر إلى المعرض، إلى المعرض متى؟ معرض سيارات. اشترى سيارة، دفع المال، كتبوا العقد، أخذ هذا العقد والاوراق، وذلك أخذ المال، ركب السيارة، خرج من المعرض. واضح. جماعة، خرج من المعرض. ما شاء: دقيقتين، أو خمس دقائق. الآن، ثم رجع. هل له أن يرجع في البيع؟ جماعة، الجواب: أن الرجوع ليس أو لا يجب. على البائع أن يرجع، أن ماذا؟ أن يرجع له المال. لكن تكون ها هنا باب الإحسان والفضيلة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أقال نادما، أقال الله عثرته يوم القيامة». واضح. جماعة، أم لا؟ يعني بمعنى أنه إذا خرج، ولف حتى خمس دقائق، خرج للشارع ومشى خمس دقائق، ثم نظر إلى السيارة، قال: «أنا محتاج إلى المال في أمر آخر». رجع إلى البائع، قال: «يا أخي، أنا ما أريد السيارة». يقول إلى البائع ماذا؟ تم البيع، انتهى الأمر. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «البيع عن بالخيار ما لم يتفرقا». وقد تفرقنا، خرجت من ماذا؟ من المحل. صورة أصغر من هذا: رجل مثلا اشترى من البقالة، هذه أي بقالة هنا نهب إليها. اشترى شيئا: علبة حليب، اشترى كيس رز، أو بر، أو ما شابه ذلك. أخذه، خرج من المحل، مشاه دقيقتين، ثلاث دقائق. بعد أن خرج من المحل، قال: «أنا ما أحتاج» مثلا «كيس بر أربعين كيلو»، أو «رز أربعين كيلو». «كفيني هذي الشهر عشرين كيلو». رجع إلى صاحب البقالة، قال: «يا فلان، أريد أرجع في الرز، ما أريد أربعين رز». هل يجب على صاحب البقالة أن يقول له: «الأمر أمرك، وشور شورك»؟ أم له أن يتم البيع؟ الجواب له أن يتم. خيرا، ويعين أحدهما الآخر. وهذا يدخل في باب ماذا؟ الندامة. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من أقال نادما، أقال الله عثرته يوم القيامة». واضحة. جماعة، أن يكون باب الإحسان، الإرجاع ها هنا يكون من باب الإحسان والفضل، لا من باب لا من باب الإجابة. لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «وإن تفرقا بعد أن تبايعا، ولم يترك واحد منهما البيع، فقد وجب البيع». فقد وجب البيع. أن البيع واجب، نافذ. معنى واجب: أي نافذ. واضحة. جماعة، أن في باب البيوع تكون أمور ماذا؟ حل وحرام، ونفوذ. تكون ماذا؟ نافذ. بماذا؟ أن أحدهما أن كل واحد منهما يتملك ما تبايع عليه، ذلك الثمن، والآخر ماذا؟ المثمن. أحدهما البضاعة، السلعة، والآخر ماذا؟ المال. قال رحمه الله تعالى: عن حكيم بن حزام رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا». البيعان بالخيار ما لم يتفرقا. قال: «حتى يتفرقا، فإن صدقا وبينا، بورك لهما في بيعهما». وإن كتما وكذبا، محقت بركة بيعهما. قوله رحمه الله تعالى: عن حكيم بن حزام رضي الله عنه وأرضاه، وهو أحد الصحابة، وهو يعد من أكابر قريش، من حيث النسب. وهو رضي الله عنه وأرضاه ممن أسلم متأخرا. وعمر ويقال بأنه عمر نحو مئة وعشرين سنة. ويقال كذلك بأنه ولد في جوف الكعبة، ولد في جوف الكعبة الكعبة. وكان بعد إسلامه رضي الله عنه وأرضاه خيرا دينا، صينا. رضي الله عنه وأرضاه. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا». أو قال: «حتى يتفرقا». كما تقدم معنا. أن معنى «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا»، أي أنهما لهما حق الخيار، ولهما حق الرجوع، ما دام في ماذا؟ ما دام في المجلس. ما دام في المجلس، ما لم يتفرقا. فإذا تفرقا، فلا حق لأحدهما على الآخر. وإنما هو باب الفضل والإحسان، باب الفضل والإحسان، كما تقدم. قال: «فإن صدقا وبينا، بورك لهما في بيعهما». البيعان إن صدقا وبينا، بورك لهما في بيعهما. وهذا في حث من النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم على الصدق في البيع والشراء. فإن صدقا وبينا، بورك لهما في بيعهما. مثلا هذا عنده دار، وهذا عنده سيارة. هذا عنده دار، وهذا عنده سيارة. يقول له: «تبيعني بيتك أو دارك بدارك بسيارتك». فيقول آخر: «نعم». يندر السيارة مثلا قيمتها مثلا في هذه الأيام مثلا قيمتها مثلا من النوع الغالي قيمتها 5 مليون. مثلا ودا ودا قيمتها 5 مليون. وهذا يعرف أن سيارة تسوى 5 مليون. فيقول: «تبيعني دارك بسيارتي». أو الآخر يقول: «تبيعني سيارتك بداي». فيقول: «نعم». فيقول: «نعم». فمثل هذا كما سمعتم، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «فإن صدق وبين». أي صدق كل واحد منهما في بيان سلعته. هذه سلعة، وهذه سيارة نظيفة، ليس فيها ماذا؟ شيء. فإن صدق الآخر يقول: «هذا داري بحمد الله عز وجل، انظر الجدران جديدة، السقف ما زال جديدا، وانظر إلى الأرض أيضا جديدة، ما فيه شيء يحتاج ماذا؟ إلى عمل». وكذلك قال: «وبينا». ومعنى «بَيَّنا»: أن يبينا كل واحد منهما ما يحتاج إلى بيانه، ما يحتاج إلى بيانه من العين، من العيب. السلعة. والعلماء رحمهم الله تعالى يقسمون العيب إلى قسمين: عيب خفي، وعيب جلي. إلى قسمين: إلى عيب خفي، وإلى عيب جلي. قالوا: والواجب في العيب، الواجب أن يبين له العيب الخفي، إن كان يعلمه، إن كان يعلمه. مثلا يعلم أن في سيارته فيها مثلا في مكان صدمة، أو في المكينة شيء، أو إذا سارت سريعا حصرت لها مثل رجة، أو ما شابه ذلك. فيقول له: «يا أخي، شوف سيارتي فيها كذا وكذا». هذا للبيان. الآخر يقول له: «يا أخي، شوف بيتي مثلا فيه عيب، ما هو هذا العيب؟» مثلا فيه شيء كذا وكذا. عيب يكون خفيا، يكون خفيا. وأما الجلي، قالوا: فإن كان يدركه، إن كان يدركه المشتري، أو يدركه كل واحد، فلا يحتاج إلى ذلك. مثال ذلك أن يرى مثلا في السيارة مثلا صدمة من خلف، أو من أمام. لا يحتاج أن يقول له: «هذه صدمة». لأنه يراها. أو يرى في جدار تكسير. يدخل البيت، فيرى في جدار مثلا ملوحة. ما يحتاج أن يقول لك: ينظر بالملوحة، مدام قد رأىها. لا يحتاج. وإن بينها، هذا كذلك حسن. لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «وبين». فإن كان الأمر الظاهر قد يخفى على البائع، أو على أحد المتبايعين، لعدم خبرته، أو لجاهله في مثل هذه البيوع، فيجب عليه كذلك أن يبين، إن كان فيه ضرر، إن كان فيه ضرر، وإخلال كذلك بالسلعة، إخلال بالسلعة. مثلا السلعة قيمتها خمسة مليون. إن لم يكن فيها هذا العيب، فإن كان فيها هذا العيب، ينقص ثمنها إلى متى؟ إلى أربعة مليون ونصف، إلى أربعة مليون. يجب عليه أن ماذا؟ أن يبين. يجب عليه أن يبين. والبيان لا يزيد الثمن إلا بركة. البيان لا يزيد الثمن والمال إلا بركة. لأن يبيعه الإنسان يبيعه بغش وخداع مثلا بخمسة مليون. سيارة يبيعه خمسة مليون غشا فيها شيء معاب، فيها عيب. ويبيعها مثلا بأربعة مليون ونصف. ولكن مع البيان والصدق، يبارك الله جل وعلا بهذه أربعة مليون ونصف. بالبالأربعة مليون، ما لم يبارك في الخمسة مليون. وكما يقال: والواقع خير شاهد. والواقع خير شاهد. التاجر الذي مبنى تجارته، بل الإنسان، ولو لم يكن تاجرا، لو باع في الأشياء اليسيرة، مع البيان والصدق، يرى من البركة ما الله جل وعلا به عليم. والآخر بالعكس. لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وإن كتما». العيب، فلم يبيناه. وكذبا فيما، لك ترويج السلعة، ترويج السلعة. هذه ثمينة، وهذه النأمة غوبة. وهذا الناس يتارعون إلى شرائها. وما شابه ذلك. قال النبي صلى الله عليه وسلم: طبعا، والأمر على خلاف ذلك. والأمر على خلاف ذلك. «إن كتما وكذبا، محقت بركة بيعهما». محقت بركة بيعهما. تجد البيع ممحوق، البيع ممحوق. يأتي بالمال فيذهب يمنة ويسرة، لا يدري أين ذهب ذلك المال. بسبب ماذا؟ بسبب الكذب، وبسبب الغش. بسبب الكذب، وبسبب ماذا؟ الغش. ففي هذا الحديث حث على الصدق في التجارة، وفي البيع والشراء، في البيع والشراء. وكذلك فيه حث على الأمانة، بأن يبين الإنسان ما له وما عليه، أن يبين الإنسان ما له وما عليه. وليعلم أن بالصدق والأمانة بركة ووفرة للمال، بركة ووفرة للمال. وبالكتمان والكذب والغش، والغش محق للمال. فلا يبقى معه المال، ولا يتمتع بذلك المال إن وجد. انظر إلى حال المرابي، يكاثر المال، ولكن ما له ماذا؟ ممحوق. قال الله جل وعلا: «يمحق الله الربا»، وماذا؟ قال: «ويربي الصدقات». قال ابن عباس: كغال بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه. وجاء مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «ما نزل إنسان من الربا إلا كان عاقبة إلى قلة». إلا كان عاقبة إلى ماذا؟ إلى قلة. اليوم يرى الأموال والملايين، ما يدري بالأيام إلا وقد انتكب على وجهه، وخسر دنياه وأخراه، إلا ما يتغمده الله جل وعلا برحمته. والله تعالى أعلى وأعلى. وسبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.