كتاب البيوع 61

الدرس في كتاب البيوع 61، ألقاها

شروط صحة الهبة والقبض

تناول المقطع شروط صحة الهبة والقبض، وناقش آراء العلماء حول اشتراط القبول والإيجاب في الهبة ومدى كفاية المعاطاة والأفعال الدالة على الإيجاب والقبول. كما تطرق إلى مسألة اشتراط القبض في صحة الهبة ونفاذها.

حكم الرجوع في الهبة بعد القبض

ذهب الجمهور إلى تحريم الرجوع في الهبة بعد القبض، بينما ذهب النخعي والثوري وأصحاب الرأي إلى جواز الرجوع في الهبة لذي رحم. واستدلوا بآثار وأحاديث مختلفة، ولكن الراجح هو قول الجمهور لثبوت الأحاديث في تحريم الرجوع في الهبة.

تفاصيل حكم الرجوع في الهبة ومسألة الإثابة

يتناول حكم الرجوع في الهبة ومسألة الإثابة، حيث يرى بعض الفقهاء أن الهبة لا تقتضي ثوابا، بينما يرى آخرون أنها قد تقتضي ثوابا في بعض الحالات. ويختلف الفقهاء أيضا في حكم الرجوع في الهبة إذا طلب المهدي ثوابا ولم يعطه المهدى له.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه، من يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، كانت آخر مسألة معنا، أو مرت معنا في الدرس الماضي، أنه ليس عليه التسوية بين سائر أقاربه، ولا إعطاؤهم على قدر واحد، فإنما التسوية كما مر معنا في الأولاد خاصة. طيب، ها هنا مسألة كذلك تتم لهذه المسألة، وهي أن الأمة كالأب في المنع من المفاضلة بين الأولاد، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم»، وهذا يعم الذكرة والأنثى، أي الأب والأم. طيب، مسألة أخرى، قال العلماء رحمهم الله تعالى: الهبة لا بد فيها من القبول والإيجاب، لا بد فيها من القبول والإيجاب. قال ابن رشد: عند الجميع، أي عند جميع العلماء. قال ابن قدامة رحمه الله: والإيجاب أن يقول: وهبتك، أو أهديتك، أهديت إليك، أو أعطيتك، أو هذا لك، ونحوه من الألفاظ الدالة على هذا المعنى. قال: والقبول أن يقول: قبلت، ورضيت، أو نحو هذا، فهذا معنى القبول والإيجاب. قالوا: واشترط بعضهم القبول والإيجاب في الهبة، وهذا قول أكثر أصحاب الشافعي، وبعض الحنابلة، يشترط التلفظ، التلفظ في ماذا؟ بأن يقول: وهبتك، أو أهديت إليك، أو ما شابه ذلك، والآخر يقول: قبلت، أو لفظ يدل على هذا المعنى، أو رضيت. والصحيح أن المعاطاة والأفعال الدالة على الإيجاب والقبول كافية، ولا يحتاج إلى لفظ، المعاطاة: إن أعطاه الشيء وبفعل من الأفعال دل على الإيجاب والقبول، فإنه يكفي ولا يحتاج إلى لفظ. مثلا يقول: هذه سيارة، ويعطيه في يده ويمشي، قل الله فتح الله عليه ومشى، فهو عبارة أو أفعال دلت على أنه وهبه هذا الشيء، وهبه هذا الشيء، فإنه يجزئه. وهذا كما هو واضح، الصحيح من أقوال الحنابلة، وهو اختيار ابن عقيل منهم، وكذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. وقالوا: بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يهدي ويهدى إليه، ويعطي ويعطى، ويفرق الصدقات، ويأمر سعاة بتفريقها وأخذها، وكان أصحابه يفعلون ذلك، ولم ينقل عنهم في ذلك إيجاب ولا قبول، ولا أمر به، ولا تعليمه لأحد، ولو كان شرطا لنقل عنهم نقلا مشهورا. وهو كذلك اختيار ابن قدامة رحمه الله في المغني. قال ابن عقيل: إنما يشترط الإيجاب والقبول مع الإطلاق وعدم العرف، وهذا تبيين لهذه المسألة. يقول ابن عقيل: إنما يشترط الإيجاب والقبول مع الإطلاق وعدم العرف القائم بين المعطي والمعطى له، لأنه إذا لم يكن عرف يدل على الرضا، فلابد من قول دال عليه. أما مع قراءة الأحوال والدلائل، فلا وجه لتوقيفه عن لفظ. ألا ترى أن اكتفينا بالمعاطاة في البيع، وكذلك ذكر الإجارة وغيرها من المعاملات، واضح هذا. فالمسألة فيها كالمسألة في البيع، أنه يكون باللفظ أو بالفعل، أو قل بكل ما يدل على الإيجاب والقبول، كل ما يدل على الإيجاب والقبول، هذا هو الصحيح، والله أعلى وأعلم. طيب، مسألة: هل القبض شرط في صحة الهدية؟ ليوضح هذه المسألة، فلان من الناس قال لفلان: أهديتك هذا الكتاب، أو هذه السيارة، أو هذه الدار، أو غير ذلك، أهدى له شيئا، ولكن لم يقبضه، واضح، هل تكون الهدية نافذة؟ أم لا بد من القبض في نفاذها؟ ذهب أكثر العلماء إلى اشتراط القبض، وممن ذهب إلى هذا القول: النخعي، والثوري، والحسن بن صالح، والشافعي، وأصحاب الرأي، وأحمد في رواية عنه. وفي رواية أخرى عنه: أن القبض إنما يشترط في المكيل والموزون دون ما سواها. وذهب مالك، وأبو ثور، وأحمد في رواية ثالثة عنه: أن الهبة تصح بالعقد، وليس القبض من شرطها أصلاً، لا من شرط صحة، ولا من شرط تمام، وهو قول أهل الظاهر. وروي هذا المعنى عن علي، وابن عباس، أو عن علي، وابن مسعود: أنهما قالا: الهبة إذا كانت معلومة فهي جائزة، قبضت أم لم تقبض. وعمدة من لم يشترط القبض في الهبة: تشبيهها بالبيع، يعني كما أن البيع يتم بماذا؟ بمجرد العقد وإن لم يحصل قبض، قالوا: فكذلك الهبة، إن قال: أهديتك، فإنها نافذة، قبض أم لم يقبض. قالوا: وأن الأصل في العقود: ألا يكون القبض مشترطا في صحتها، حتى يقوم الدليل على اشتراط القبض، واضح. طيب، وعمدة القول الأول، أي القول باشتراط القبض: أن على هذا الشرط، إجماع الصحابة رضي الله عنهم جميعا. قال ابن قدامة رحمه الله: ولنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم، فإن ما قلناه مروي عن أبي بكر، وعمر رضي الله عنهما، ولم يعرف عنهما، أو لم يعرف لهم في الصحابة مخالف. قال المروذي: اتفق أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي على أن الهبة لا تجوز إلا مقبوضة. روى مالك في الموطأ عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: «إن أبا بكر بن الصديق كان نحلها جادا» ومعنى الجاد: بمعنى المجدود، أي نخل يجد منهما يبلغ مئة وسق، كما ذكر ذلك صاحب النهاية ابن الأثير في النهاية. قالت عائشة: أن أبا بكر الصديق كان نحلها جادا عشرين وسقا من ماله بالغابة. قالت: فلما حضرت الوفاة، قال: والله يا بنيتي، ما من الناس أحد أحب إلي غنى بعدي منك، ولا أعز علي فقرا بعدك، وإني كنت نحلتك جادا عشرين وسقا، فلو كنت جددته واحتزتيه كان لك. واضح، أشهد منهم. قال: ولو كنت جددته واحتزتيه كان لك، إبواء لو حزتيه كان ملكا لك. وهذا يدل على أن بالقبض يكون ماذا؟ تتم الهدية وتنفذ. قال رضي الله عنه: وإنما هو اليوم مال وارث، وإنما هما أخواك وأختاك، فاقتسموه على كتاب الله. إلى آخر الأثر، والأثر إسناده صحيح. وصلى الله عليه وسلم. بالثقات وروى ابن أبي شيبة وغيره بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن عبد القارئ أنه قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «ما بال أقوام ينحلون أولادهم، فلا ينحلون أولادهم فتى، فإذا مات أحدهم، قال: ما لي في يدي، وإذا مات هو، قال: قد كنت نحلته ولدي. قال: لا نحلة إلا نحلة يحوزها الولد دون الوالد». والشاهد منه ماذا؟ الحوز، أنه لابد من الحوز والقبض، وإسناده صحيح، كذلك صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى في الإرواء. هو الأثر السابق، أثر أبي بكر، وأثر عمر. وروى وروي عن أبي موسى الأشعري، يعني كذلك ثبت عن أبي موسى الأشعري بإسناد صحيح، قال: قال عمر بن الخطاب: «الإنحال ميراث ما لم يقبض»، واضح، الإنحال مير، ميراث ما لم يقبض. وإسناده صحيح، وهذا فيه أن أبا موسى الأشعري ينقل عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وهذا يدلنا على أن الصحابة كانوا يتعاملون بهذا، أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتعاملون بهذا. وخير الهدي هديه صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه صحابته وخلفاؤه الراشدون رضي الله عنهم وأرضاهم، واضح هذا الأمر أم لا؟ فهذا يدلنا على أن القبض شرط للإجماع، والآثار الثابتة عن أبي بكر الصديق، وعمر رضي الله عنهم أجمعين، وغيرهم من الصحابة. فإن قيل لنا: ما تقولون في أثر علي، وأثر ابن مسعود؟ وعلي من الخلفاء الراشدين، وقد خالف أبا بكر وعمر. فالجواب: أنه لم يثبت أثر علي، وابن مسعود. لم يثبت. رواه عبد الرزاق في مصنفه، ومن طريقه ابن حزم في المحلى، وفيه جابر الجعفي، وهو ضعيف، بل كذبه بعضهم، وفيه كذلك انقطاع. وكذلك روي بلفظ مغاير، بلفظ الصدقة، بدلا من هبة، بمعنى أنهم قالوا: الصدقة إذا كانت معلومة فهي جائزة، قبضت أم لم تقبض. وفرق بين الصدقة والهبة، فرق بين الصدقة والهبة. فإذا الراجح هو القول الأول: أن القبض شرط في الهبة. فمن أهدى لإنسان شيئا، ثم بدا له أن يتراجع قبل أن يقبضه، أي فله ذلك، ولا يكون عائدا في هبته، لا يكون عائدا في هبته. لكن يكون فيه معنى من معاني خيانة المروءة، وإخلاف الوعد، إلا أن يكون لمعنى رده، فلا شيء عليه، والله تعالى أعلى وأعلم. طيب، مسألة: ما حكم الرجوع في الهبة بعد القبض؟ تقدم أن قبل القبض له أن يرجع، وأن القبض شرط في صحة ونفوذ الهدية. بقي بعد القبض: هل إنسان إن أهدى لإنسان هدية وقبضها ذلك الإنسان، أن يرجع فيها؟ يعني تصور مسألة: إنسان أعطى إنسانا كتابا، قال: هذا يا فلان كتاب لك هدية، فأخذ المهدى له الكتاب، فصارت في حوزته، هل للمهدي أن يقول: تراجعت عن هديتي أعطي لك الكتاب؟ الجواب: سؤال الكلام على هذه المسألة، وهل يشترط فيه خيار؟ الجواب: لا يشترط فيه الخيار، لأن مسائل الهبة ليست كمسائل البيوع. طيب، فحكم المسألة، أي حكم الرجوع في الهبة بعد القبض: ذهب الجمهور إلى التحريم، إلى تحريم الرجوع في الهبة بعد أن تقبض، إلا هبة الوالد لولده، فإنه يجوز للوالد أن يرجع في هبته لولده. وذهب النخعي، والثوري، وأصحاب الرأي إلى أن من وهب لغير ذي رحم، فليس له الرجوع. من وهب لغير ذي رحم فليس له الرجوع. وتتمته: ومن وهب لذي رحم، فله الرجوع. قالوا: وروي ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. واحتجوا بما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرجل أحق بهبته ما لم يثب منها». رواه ابن ماجة. وهذا الحديث ضعيف، أي الذي رواه ابن ماجة ضعيف، فيه إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، ضعيف، بل تركه بعضهم، وفيه كذلك انقطاع بين عمر بن دينار وأبي هريرة، فإنه لم يسمع منه، فيما قالوا: البيهقي. وأيضا ذكر البيهقي رحمه الله تعالى أن المحفوظ إنما هو عن عمر بن دينار، عن سالم، عن أبيه، أي عبد الله بن عمر، عن عمر، قال: «من وهب هبة فلم يثب فهو أحق بهبته، إلا لذي رحم». قال البخاري: أو قال البيهقي. وقال البخاري: هذا أصح. وقد روي هذا الحديث من حديث سمرة، وابن عباس، أي مثل حديث أبي هريرة، روي من حديث سمرة، وابن عباس. أخرجها الديلمي، والبيهقي من إسنادين ضعيفين. فإذا لا يصح الحديث مرفوعا، وإنما صح موقوفا عن عمر رضي الله عنه. فالراجح، والله أعلى وأعلم: قول الجمهور، أنه يحرم الرجوع في الهبة مطلقا، إلا الوالد لولده. وبشروط سيأتي ذكرها بإذن الله جل وعلا، لحديث الباب. وقد جاء في بعض ألفاظه: «ليس لنا مثل السوء العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه». ولحديث ابن عمر، وابن عباس رضي الله عنهم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لرجل أن يعطي العطية ثم يرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده. ومثل الذي يعطي العطية ثم يرجع فيها، كمثل الكلب أكل حتى إذا شبع قاء، ثم عاد فيه». والحديث رواه الخمسة بإسناد حسن، رواه الخمسة بإسناد حسن. أشياء منهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحل»، معناه إيش؟ صريح في الحرمة، «لا يحل»، أي أنه حرام. وأيضا في قوله: «إلا الوالد فيما يعطي ولده»، كما يقول العلماء: الاستثناء معيار العموم، الاستثناء معيار العموم، ففيه دلالة على أن العائد في هبته لا يجوز له العود والرجوع في هبته، إلا الوالد مع ولده. لهذه الأحاديث قالوا: وكذلك لحديث عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما مرفوعا: «لا يرجع في هبته إلا الوالد لولده. والعائد في هبته كالعائد في قيئه». هذا الحديث رواه كذلك الخمسة إلا أبا داود، والترمذي بإسناد حسن أيضا. قالوا: ولأن الهبة تمليك صحيح للموهب للمهب له إذا قابضه، فلا يحل له الرجوع بعدما ملكه إياه، لأنه يصير ملكا له، ولا يتصرف في المال حتى يسترده، واضح هذا الأمر، أي لما أعطاه الهدية صارت الهدية ملكا للمهدى له، فلا يجوز له أن يأخذ مال أخيه إلا بطيب من نفسه. طيب، قالوا: أما الحديث إذا تقدم، حيث أبي هريرة، فضعيف. وأما أثر عمر رضي الله عنه، قالوا: فيحمل على الهبة التي يقصد ويشترط منها الإثابة، أي الجزاء والمقابل والعوض. ويوضح هذا سياقات أثر عمر رضي الله عنه، فقد رواه البيهقي في المعرفة بإسناد صحيح إلى مروان بن الحكم: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «من وهب هبة لصلة رحم، أو على وجه صدقة، فإنه لا يرجع فيها. ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد الثواب، يرى أنه إنما أراد الثواب، الثواب، فهو على هبته يرجع فيها إن لم يرض منها»، واضح. فيه أنه ماذا؟ أن أثر عمر رضي الله عنه وأرضاه يحمل على من أعطى الهدية لأجل الإثابة، أي لأجل الجزاء والمقابلة، بقصد الإثابة، أي بقصد الجزاء والمقابلة. قال البيهقي رحمه الله: ورواه سالم بن عبد الله عن أبيه عن عمر بلفظ: «من وهب هبة يريد ثوابها»، واضح، نص يريد ثوابها، معنى يريد ثوابها: أي لجزاء والمقابل والعوض عنها، فإنه يرجع فيها إن لم يرض منها. وهذا المعنى قد رواه، يعني قد ثبت مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد رواه الإمام أحمد، يعني معنى الإثابة. روى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن أعرابيا وهب للنبي صلى الله عليه وسلم هبة، فأثابه عليها، قال: رضيت. قال: لا. قال: فزاده. قال: رضيت. قال: لا. قال: فزاده. قال: رضيت. قال: نعم. الشاهد منه ماذا؟ الإثابة، معنى الإعطاء المقابل، إعطاء مقابل هدية، كأنها صورتك صورة البيع، أعطيك، بأعطيك على أن تعطيني، فإن لم تعطيني ما أرضاه، فلأن أرجع في هديتي، واضحة. جماعة، فيحمل أثر عمر على هذا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بعدا». قال: نعم. فقال رسول الله: «لقد هممت أن لا أتهب هبة إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي». واضح هذا الأمر. ومسألة الهبة المطلقة: هل تقتضي الثواب أم لا؟ سيأتي الكلام عليها قريبا. فالراجح: أن الرجوع في الهبة محرم، محرم إلا هبة الوالد لولده، والله أعلى وأعلم. طيب، مسألة: هل الهبة المطلقة تقتضي ثوابا، أي مقابلا؟ يعني المراد بالثواب: المكافأة. قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وأقله ما يساوي قيمة الهدية، يعني أقل المكافأة ما يساوي قيمة الهدية. وأكثر ما يكون أعلى. في المسألة خلاف، يعني هل الهبة المطلقة تقتضي ثوابا أم لا؟ يعني صورة المسألة: صورة المسألة رجل إذا أهدى الإنسان هدية مطلقة، هل يجب على المهدى له أن يثيبه، أي أن يعطيه مقابل تلك الهدية أم لا؟ ذهب الحنابلة إلى أنها لا تقتضي ثوابا، سواء كانت من الإنسان لمثله، أو دونه، أو أعلى منه، لمثله أن يكون بنفس المستوى، أو دونه: غني يعطي لفقير، أو أعلى منه: فقير يعطي لغني. وبهذا قال أبو حنيفة. قول حنابلة، وقول أبي حنيفة. وقال الشافعي: في الهبة لمثله أو دونه لا ثواب فيها، الشافعي موافق لأحمد وأبي حنيفة، إن كانت صدقة لمثله أو دونه: أنهم لا ثواب فيها. قال: وإن كانت لأعلى منه، ففيها قولان، أصحهما قولان للشافعي. أحدهما: أنها تقتضي ثوابا، وهو قول مالك، لقول عمر رضي الله عنه: «ومن وهب هبة أراد بها الثواب، فهو على هبته يرجع فيها إذا لم يرض منها»، واضح، وقد تقدم الكلام على هذا الأثر. قال المهلب بن أبي صفرة في شرحه للبخاري، عند حديث عائشة رضي الله عنها في البخاري، قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها». قال: الهدية على ضربين، قال: الهدية على ضربين: فهدية للمكافأة، وهدية للصلة والجوار. قال: فما كان للمكافأة كان على سبيل البيع، أي أعطى الهبة لأجر ماذا؟ المكافأة، لأجر الثواب، المقابل، الجزاء. فيقول رحمه الله: فهي على سبيل البيع، وطريقه، ففيه العوض، أن يكون حكمه كحكم البيع. قال: ويجبر المهدى إليه، يعني على سبيل العوض، أن يعطي ماذا؟ أن يثيب. قال: وما كان لله، أو لصلة، فلا يلزم عليه مكافأة، لا يلزم عليه مكافأة، وإن فعل فحسن، أي إن كافأهم عند نفسه فحسن. والصحيح: أنها لا تجب مطلقا، أي الإثابة. وفعل النبي صلى الله عليه وسلم المجرد غايته أن يفيد الاستحباب، للوجوب، أي كون النبي صلى الله عليه وسلم يقبل هدية ويثيب عليها، يفيد الاستحباب للوجوب. وبنحو هذا أجاب الشوكاني رحمه الله تعالى في النيل. ومعنى مطلقا: أنه يعني سواء كان الهدية لأجل المكافأة أم لا. طيب، فليس له، يعني لا يجب عليه أن يثيبه. طيب، ها هنا أيضا مسألة متعلقة بهذه المسألة، وهي: اختلف الفقهاء فيمن وهب هبة ثم طلب ثوابها، وقال: إنما أريد ثوابا، واضح هذا الأمر، يقول: أنا أهديته هذه الهدية، ما أريد إلا الثواب، أي المقابل. فإن لم يعطه، فهل له الرجوع فيها بعد القبض؟ بعد القبض. طيب، فقال مالك: ينظر فيه، يعني إن أعطاه وقال: أنا إنما أردت الإثابة. قال مالك: ينظر فيه، فإن كان مثلهم ممن يطلب الثواب من الموهوب له، فله ذلك. قال: مثل الفقير للغني، وهبة الرجل لأميره، ومن فوقه. وهو أحد قولي الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يكون له ثواب إذا لم يشترطه، إذا لم يشترطه، يقول أبو حنيفة: لا يكون له ثواب إذا لم يشترطه، بمعنى أنه إذا اشترطه فله الثواب، يعني يقول: سأهديك هذا الكتاب، أو هذه السيارة، بشرط يريد ثوابا مقابلا لها، فإن قبل. يقول: يرجم بماذا؟ بأن يعطيه ما اشترط. وهو قول الشافعي الثاني. قال الشافعي: والهبة للثواب باطلة، والهبة للثواب باطل لا تنعقد، لأنها بيع بثمن مجهول، واضح. الشافعي يقول: لا تنعقد لماذا؟ لا تنعقد، يقول: لأن في الحقيقة بيع، وبيع لماذا؟ لثمن مجهول، فإذا كان بيعا لثمن مجهول فلا يصح. واحتج أبو حنيفة بأن موضع الهبة التبرع، فلو أوجبنا فيها العوض، لبطل معنى التبرع، وصار في معنى المعاوضات، إذا لا يمنع أبو حنيف لأجل هذا المعنى. قال: والعرب قد فرقت بين لفظ البيع، ولفظ الهبة، فجعلت لفظ البيع واقعا على ما يستحق فيه العوض، والهبة بخلاف ذلك. وعن أحمد، إمام أحمد رحمه الله تعالى يقول: إن شرط في الهبة ثوابا معلوما صح، ثوابا معلوما، كان يقول مثلا: سيارة بسيارتك، سيارتك بشرط ماذا؟ سيارتك، أو بشرط تعطيها لبيتك، أو ما شابه ذلك. فإمام أحمد يقول: إن شرط في الهبة ثوابا معلوما صح، قال: لأنه تمليك بعوض معلوم، فهو كالبيع، فهو كالبيع، يكون شبيها بالبيع. قال: وحكمها حكم البيع، في ضمان الدرك، وثواب الخيار، وثبت الخيار، وشفعة إلى آخر ما ذكر. وهو مقارب لقول أبي حنيفة. والصواب: وعن الشافعي أيضا قول: أنه لا يصح، لأنه شرط في الهبة ما ينافي مقتضاها، لأن مقتضى الهبة ما هو؟ التبرع، وكونه يشترط العوض المقابل يناقض ماذا؟ يناقض معناها. فالأظهر، والله أعلى وأعلم: أنه أن يقال: إن دلت قرينة على صحة دعواه أنه إنما أعطى الهبة لأجر ماذا؟ الإثابة، أو اشترط لفظا: سأعطيك، سأهديك هذا، لكن بشرط كذا وكذا. فالموهوب له بالخيار: إما أن يثيبه، أو يرد عليه هديته، واضح هذا الأمر أم لا؟ إما أن يقول: قبلت بالشرط، وإما أن يرد عليه هديته. وعليه يتنزل أثر عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، وما جاء عن غيره من الآثار في هذا الباب، تحمل عليه. لأن في أثر عمر ماذا؟ قال: يعني في أثر عمر متقدم، قال: «من وهب هبة أراد بها الثواب، فهو على هبته يرجع فيها إذا لم يرض منها»، واضح هذا الأمر. ومنه نعلم أنه له الرجوع إذا لم يحصل له الثواب على الوصف المذكور، واضح هذا، والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على