الدرس في أداء الحقوق 17، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ المقطع الأول بالحديث عن أهمية بذل المعروف وكف الأذى في الإسلام، مشيرًا إلى ضرورة البدء بذوي القربى والأرحام. يُستشهد بآيات قرآنية وقصة طلحة بن عبيد الله لتوضيح ذلك.
يُناقش المقطع الثاني والرابع أولويات الصدقة، مؤكدين على ضرورة بدء المسلم بذوي قرابته مثل الوالدين والأبناء والأخوة، ثم ينتقل إلى عامة المسلمين مع مراعاة الأقرب فالأقرب.
يتناول المقطع الثالث أحكام صرف الزكاة، مستدلًا بحديث معاذ على أن الزكاة تؤخذ من أغنياء البلدة وترجع إلى فقرائها، مع الإشارة إلى فعل الأشعريين في المواساة والتكاتف كأخلاق حميدة.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا إخواني في الله في مثل هذه المقامات نتذاكر وإياكم أهم الحقوق التي ينبغي أن يؤديها المسلم لإخوانه المسلمين، وذكرنا أن هذه الحقوق تكتنف حقين اثنين، ألا وهما بذل الندى وكف الأذى، واقتصرنا في أول حديثنا على بذل الندى، ما يتعلق بمعنى الندى، وهو المعروف. وأن الإسلام أراد أن يربي من المسلم أن يكون عامل بناء، يوصل خيره ويوصل منافعه لإخوانه المسلمين. وذكرنا إخواني في الله أن هذا الحق يتأكد كلما ابتليت الأمة بالأزمات والإرهاصات، وأصابها القحط والجدب والجفاف. ورأينا كيف كان نبينا عليه الصلاة والسلام في كثير من الحالات يستنفر الناس جميعًا، يخطب بأصحابه، يحثهم على الصدقة، ويلزمهم بالمعونة، وذلك متى ما ابتليت الأمة في زمنه بهذه المصائب. وكذلك مما يتعلق بهذا الموضوع إخواني في الله، ما يتعلق ببذل الندى، ما يتعلق به أولى الناس بهذا الحق. صحيح لا شك ولا ريب أن المسلمين جميعًا هم أولى بكل معروف، لكن هناك من هو أولى من غيره، بأنك تقف إزاءه، تقف بجواره، تمد له يد العون، تسأل عن حاله. وهؤلاء يشملهم ذوو القربى وذوو الأرحام. فهؤلاء عليك يا عبد الله، إن كان لك معروف تريد أن تبذله لأحد، فابدأ بقرابتك، فابدأ بأهلك، فابدأ بذويك. والأدلة العامة والخاصة تدل على ذلك. قال ربنا جل في علاه: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾. وقال جل في علاه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾. تجد أن الأدلة القرآنية تبدأ أول ما تبدأ بتأدية الحقوق إلى ذوي القربى، وأنك تؤدي إليه حقه. ومن أعظم الحق الذي ينبغي أنك توصله إلى قرابتك وإلى أهلك يا عبد الله، أنك تعينهم، أنك تبذل لهم الخير والمعروف والبذل والعطاء والجود، خاصة إذا كانوا محتاجين إلى ذلك. وكذلك مما يدل على ذلك ما وقع في الصحيح في قصة طلحة بن عبيد الله رضي الله تعالى عنه، وكان من أكثر الأنصار مالًا وأراضي، وكان له بستان معروف في المدينة يسمى بيرحاء. وكان هذا البستان لعذوبة مائه ولكثرة ثماره وظلاله، كان عليه الصلاة والسلام بين الفينة والأخرى يتعاهد هذا البستان ويدخل إلى داخله ويشرب من مائه. فلما نزل قول ربنا جل وعلا: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، يرشد إلى أن ربنا جل وعلا عباده إلى درجة البر، وأن هذه المرتبة البر لا ينالها أحد إلا من بذل خير ماله. فذهب أبو طلحة إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، فقال: يا رسول الله، إني عندي هذه البيره بيرحاء، وهي من أحب الأموال إلي، وإنها صدقة لله ورسوله، أضعها بين يديك، فتصرف بها كيف تشاء. فقال نبينا عليه الصلاة والسلام: «ذلك مال رابح، ذلك مال رابح». قالوا: إني أرى أن تضعها في ذوي قرابتك، أن تضعها في ذوي قرابتك، هم أحوج الناس إلى خيرك وإلى معروفك وإلى بذلك. فقال الراوي: فقسمها بين قرابته وبين أبناء عمه. ولا شك ولا ريب أن من أعظم ذوي القرابة يدخلون معك يا عبد الله في هذا العنوان، هم الآباء، يدخل الوالدان والزوجة والأبناء، وكذلك الأعمام والأخوال. لكن الوالدان هم بالدرجة الأولى، عليك أن تحسن إليهم، ليس من العقل وليس من الشرع يا عبد الله أن يكون عندك خير، وأن خيرك يصل إلى جهات عديدة وإلى جهات بعيدة، وهؤلاء من ذوي قرابتك حرموا من خيرك. لربما يتكففون الناس ويسألون الناس لما ألم بهم من حاجة، وأنت عندك الخير تعطي للجهات البعيدة لأناس هم بعيدون، وإن كانوا من المسلمين، لكن ليس هذا يا عبد الله من ترتيب الحقوق. الحقوق أنك تبدأ بذوي قرابتك، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾، تبدأ يا عبد الله بقرابتك. إذا كان ربك يسر بذوي قرابة وهم في غنى عن صدقاتك وعن إعانتك، فحين تبدأ بمن بعدهم. وقد مر معنا ما جاء في حديث طلحة المحاربي، عندما دخل المدينة، فوجد نبينا عليه الصلاة والسلام يخطب على المنبر، وهو يقول: «يد المعطي العليا، وابدأ بمن تعول، أمك وأباك وأختك وأخاك، ثم أدناك فأدناك». تبدأ بذوي المحارم، وتبدأ بالقربة أولًا، هو على هؤلاء الآباء والأمهات، وبعد ذلك الأخوة والأخوات. كذلك إذا ربك جعلك من الصلة أن عندك أخوات، سواء كن في بيتك أو كن حتى خارج بيتك، قد تكونن متزوجات، لكن الله ابتلاهن بالفقر، بالضيق، على قلة ذات اليد، فلا تنساهن، لا تقول: هؤلاء عندهم أزواج، فتعطيهم، تبذل لهم. قال نبينا: «يد العليا يد المعطي، وابدأ بمن تعول، أمك وأباك وأختك وأخاك». حتى أخ لك، أخ عزيز، وإن كان عاملًا، وإن كان يشتغل، لكن تجد أن هذا العمل وهذا الشغل لا يكفيه، ولا يغنيه، لا زال في ديون، لا زال في هموم، لا زال في غموم. كذلك لو حق عليك حق القرابة تعطيه مما أعطاك الله جل وعلا، وبما فتح الله عليك، أمك وأباك وأختك وأخاك، ثم أدناك فأدناك، ثم تترى الرحم يا عبد الله إلى من هو دون ذلك. وهكذا إذا انتهيت من ذوي القرابة، تنتقل إلى عامة المسلمين. ومع التنبيه أن من كان من أهل بلدك هم أولى بالمعروف ممن هم خارج بلدك. صحيح الأمة الإسلامية أمة واحدة، ونحن بلد واحد في الحقوق، لكن إذا كنت أنت في بلدة، فأهل بلدتك الذي أنت فيه هم أحوج، هم أولى بمعروفك ممن هم خارج البلاد. قد تجد من أهل الخير والتجارة، أو رجل ينفق هنا وهنالك، تجد أن أمواله ليس بالموضوع بالأموال، بل غير الأموال، كل ما كان فيه بذل وعطاء، أن هذا العطاء يخرج إلى الخارج. وأن من كان من أهل بلده، ولو لم يكن من أرحامه، من أهل بلده، من عشيرته، من قبيلته، من من يسكن في قريته، في مدينته، هؤلاء فيهم من الضنك، وقلة المعيشة، وشدة المؤونة، ما الله به عليم. فليس من الشرع أنك تذهب للبعيد وتنسى من هم حولك، ممن هم من أهل بلدك. والأدلة كذلك العامة والخاصة تدل على ذلك. ما جاء في الصحيحين على سبيل المثال، قوله عليه الصلاة والسلام لمعاذ: «إنك تأتي قوم أهل كتاب»، ثم قال نبيه في تمام الحديث: «واعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم». استدل الكثير من العلماء، وجمهور العلماء استدلوا بهذا الحديث، وبهذه الألفاظ خاصة، على أن الأصل أن الزكاة تأخذ من أغنياء البلدة، وترجع إلى فقراء نفس البلدة. مثل هذه البلاد يؤخذ أموال من الأغنياء، أي أن تصرف ترجع إلى فقرائها، إلى منطقة أخرى تؤخذ الأموال من أغنيائها، وإن تأتي الأموال إلى فقراء البلدة. وهكذا تجعل الأموال ترجع إلى فقراء لأنهم أولى، وهذا العقل يدعو إلى ذلك أنهم أولى. لا تأتي بالزكوات إلى خارج، ومن ثم تم التنازل من العلماء، وإن كان الكل يرى أن الأولى للمال أن يبقى في البلد، لكن اختلف العلماء هو أعظم من ذلك. هل هذا مجزئ لو أنك خالفت؟ يرى بعض الفقهاء لو أن عندك مال زكاة، وهذا المال أخرجته للخارج، وعندك فقراء هنا بجنبك، يرى بعض المال هل المال هذا يجزئ أو أنه لا يجزئ؟ فمن قال بعدم الإجزاء، يرى أنك تخرج الزكاة مرة ثانية وتجعلها لأهل بلدك خاصة. ومما يؤيد مذهب الجمهور على هذه المسألة، ما جاء كذلك عند أبي داود بسند صحيح، أن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه أرسل لجمع أموال الزكاة في بعض النواحي، فذهب ثم رجع وما أتى بشيء. فقال له: أين المال؟ أين الذي أرسلت لجمع الأموال؟ أين المال؟ قال: ألم المال أرسلتني أخذناه كما كنا نأخذه على عهد نبينا عليه الصلاة والسلام، ووضعناه حيث كنا نضعه. قال: أخذناه كما كنا نأخذه على عهد رسول الله، ووضعناه حيث كنا نضعه. أي قال: هذه السنة التي تعلمنا من نبينا أن نذهب إلى تلك الأنحاء نأخذ الأموال من أهلها ونرجعها إلى أهلها. فما أتى بشيء. حتى تصدق صاحب عون المعبود معلقًا على هذا الحديث، قال: وفيه دليل على أن الأموال ترجع إلى فقراء أهل البلدة، وكراهة إخراجها إلى غيرهم. وهذا يدلك يا عبد الله على تأصيل هذه القاعدة، على أن البذل، بذل الندى يا عبد الله، ينبغي أن يكون للأقرب فالأقرب. وليس فقط الأرحام، انتهيت من أرحامك يا عبد الله، تنظر إلى أهل بلدك، فهم أولى بكل معروف. ولا ننسى إخواني في الله ما كان من فعل الأشعريين رضي الله تعالى عنه، وهم من أهل اليمن، كانوا إذا أرملوا، أي أصابهم الفاقة، أو قل طعام بلادهم، طعام عيالهم، ماذا فعلوا؟ كانوا يجمعون ما عندهم في ثوب واحد، يأتي بفرش، وكل يأتي بما عنده، بالصاع، نصف الصاع، بمد، بصاع، بأمداد، على اختلاف الأوزان، كل يأتي بما عنده في ثوب واحد. فإذا اجتمع، ماذا يفعلون؟ يقسمونه بالسوية على كل بيت، يقسمونه بالسوية. فكان نبيا يعجب، معجب بهذا الفعل، فقال: «الأشعريون هم مني وأنا منهم». لأن هذا الفعل من فعل ماذا؟ من صنيعه، من أخلاق الأنبياء، المواساة والتكاتف والتآلف، وخاصة من كان من أهل عشيرتك، من كان من أهل بلدك خاصة. فإخواني، فلا علينا تأمين مثل هذا المقام، وهو بذل الندى، وإن كان هو طبعًا مطلوب ومحتاج، لكن عليك أن تعطي الأولويات حقها، من الرحم، ومن ذوي القرابة، ومن كان له صلة، ثم تأخذ إلى عامة المسلمين، مع مراعاة الأقرب فالأقرب. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.