الدرس في حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم 15، تابع : أركان الإسلام . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح المقطع معنى كلمة التوحيد وأهميتها كأساس لدعوة جميع الأنبياء والمرسلين، ويبين خطورة الشرك بالله. يُفصل أيضًا معنى اتخاذ الأرباب من دون الله.
المقطع يبين أدلة صدق رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم من الكتاب والسنة، ويشرح شمولية دعوته لجميع الناس، ويستشهد بآيات قرآنية وأحداث تاريخية.
يتحدث المقطع عن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ودلائل نبوته وتأثيرها على الناس، مشيرًا إلى القرآن الكريم كأعظم معجزة وتحدي الله لأهل الفصاحة والبيان، ويذكر بعض المعجزات الأخرى وتأثيرها على الملوك.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله تعالى في حاشيته على ثلاثة الأصول: قال، وقوله: ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾، قال: أي ودليل الشهادة أيضًا قوله تعالى: ﴿قل يا أهل الكتاب﴾، أمر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقول لأهل الكتاب، أي: اليهود والنصارى، تعالوا، أي: هلموا، فهذا معنى تعالوا، أي: هلموا إلى كلمة، أي: واحدة لا غير، والكلمة تطلق على الجملة المفيدة، هو هكذا في اللغة وفي الشرع. وليس في اللغة والشرع أن اللفظة الواحدة يقال لها كلمة، والمراد بهذه الكلمة -كما سيأتي- كلمة التوحيد، قال: واحدة لا غير، والكلمة تطلق على الجملة المفيدة كما هنا، سواء بيننا وبينكم، أي: عدل ونصف لا يختلف فيها رسول ولا كتاب، نستوي نحن وأنتم في فرضيتها ووجوبها علينا وعليكم، ومعنى أسواء، أي: فيها من العدل والإنصاف والمساواة ما لا يستطيع أحد أن يجحده منكم؛ لأنها نزلت في دينكم، وهكذا كذلك ما بعث به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. قال: ومن المعلوم أن الكلمة هي التي يدعو إليها جميع الناس، فإنه ليس في الوجود سوى كلمة التوحيد عند الاستقراء والتتبع، فإنه صلى الله عليه وسلم قال لقريش: «قولوا لا إله إلا الله تفلحوا»، فإذا هذه هي الكلمة التي أرسل الله عز وجل بها الرسل جميعًا، وهو يشير بهذا إلى حديث رواه أحمد عن ربيع بن عباد الديلي، وهكذا جاء كذلك عند البخاري في خلق أفعال العباد عن طارق بن عبد الله المحاربي، ورواه أحمد كذلك عن رجل من الصحابة غير مسمى، قال: وهي الكلمة التي تدعو إليها الرسل جميع الخلق. وقال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾، فتقرر أنه ليس كلمة هنا غيرها، وقد فسرها تعالى بذلك، وهذا التفسير سيأتي -يعني أنها فسرت في الآية- وفسرت بغيرها من الآيات التي تدل على أن دعوة الرسل جميعًا عليهم الصلاة والسلام كانت إلى هذه الكلمة سواء عند جميع الأمم، فما أرسل الله عز وجل من نبي إلا كان مفتتح دعوته: «يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره»، فهي كلمة التوحيد. قال رحمه الله تعالى: وقوله: «أن لا نعبد إلا الله»، قال: أي لا نوحد نحن وأنتم بالعبادة إلا الله، فوضح معنى الكلمة، فإن قوله: «أن لا نعبد إلا الله»، معنى: لا إله إلا الله، فتبين أن لا معبود حق إلا الله وحده، فلا إله مقابل النفي كما في الآية التي قبلها، وإلا الله مقابل الإثبات، فهي كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، ألا نعبد إلا الله مثل لا إله إلا الله. قال رحمه الله تعالى: وقوله: «ولا نشرك به شيئًا»، قال: لا صليبًا ولا صنمًا ولا طاغوتًا ولا نارًا ولا شيئًا غير ذلك، بل نفرده تعالى بالعبادة وحده لا شريك له، وهذه دعوة جميع الرسل، فشيئًا نكره في سياق النفي والنهي، فهي هنا في سياق النفي، فتفيد العموم، فلا شيء -لا صغير ولا كبير- لا من الجمادات ولا من الحيوانات ولا من البشر ولا من الملائكة ولا غير ذلك من المخلوقات، فلا يجوز أن يشرك مع الله شيئًا. قال رحمه الله: وقوله: «ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله»، أي: لا يطيع بعضنا بعضًا في معصية الله كما فعلت اليهود والنصارى؛ لأن من معاني الربوبية الطاعة والتشريع، فإنه من معاني الربوبية، فالذي يشرع هو الله سبحانه وتعالى، فإذا كان كذلك علم أن اتخاذ الناس بعضهم بعضًا في قوانين أو أعراف أو عوائد كل ذلك مما ينافي ربوبية الرب سبحانه وتعالى، كما قال الله عز وجل عن أهل الكتاب: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله﴾. فسأل عدي بن حاتم -وكان نصرانيًا ثم أسلم- رضي الله عنه وأرضاه عن هذه الآية: كيف اتخذوهم أربابًا؟ فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم: «ألم يكونوا يحلون لكم الحرام فتحلونه؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: أولم يكونوا يحرمون عليكم الحلال فتحرمونه؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: فتلك عبادتكم إياهم»، وهذا معروف مشهور عند النصارى أنهم -أي: رهبانهم وعلماءهم- يحللون ويحرمون، فاتخذوهم أربابًا. وكذلك من اتخذ شيخًا من مشائخ القبائل حكمًا يحلل ويحرم ويشرع في دين الله، فهو يدخل في هذا المعنى، فإن المقصود أن لا يشرك ربنا سبحانه وتعالى في شرعه، فيجب أن يفرد سبحانه وتعالى في شرعه، إن الحكم إلا لله، ومنه هذه القوانين التي تزاحم شرع الله سبحانه وتعالى وتعطل به شريعة الله سبحانه وتعالى، فإنه لا يجوز، حتى العلماء إذا أطيعوا طاعة تنافي طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإنه كذلك يدخل في هذا المعنى، بل الواجب أن يكون الجميع مربوبًا لله سبحانه وتعالى وحده، ينقاد لله في أمره وفي نهيه. قال رحمه الله: قوله: «فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأننا مسلمون»، قال: أي فإن امتنعوا وأدبروا وأعرضوا عن الإجابة إلى إفراد الله بالعبادة، فقولوا أنتم -يا أمة محمد- لهم: «اشهدوا بأننا مسلمون»، أي: مخلصون لله بالتوحيد دونهم، أي: صرحوا لهم مشافهة أنكم مسلمون وأنهم كفار وأنكم براء منهم وهم براء منكم. وهذا دال على أنه لا بد أن تبين للكفار حتى يتفهموا ويتحققوا أنهم ليسوا على دين، وأن دينك خلاف دينهم الذي هم عليه، وأن دينهم خلاف دينك، وفي هذه الآية دليل كذلك على أن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن للعرب الأميين خاصة -كما يقوله الكثير من النصارى- فإن الكثير من النصارى يثبت رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولكنهم يزعمون أنه نبي خاص بالعرب الأميين، فهم يبقون على ما هم عليه من شريعة ودين، وليس الأمر كذلك. بل أدلة الكتاب والسنة مليئة بدعوة أهل الكتاب إلى هذا الدين -دين الإسلام- وهذا من هذا الكثير، وفيه كذلك دليل على إقامة الحجة على من لم يدخل في هذا الدين أو خالفه، فلا يكفي بلوغ الحجة، بل كذلك فهم الحجة، نعم هناك من مسائل الدين ما لا يحتاج إلى فهم الحجة، فبلوغها فهمها، وهو ما هو معلوم من الدين واللغة والعرف والشرع ضرورة أنه من دين الله، فما كان كذلك فإنه لا يحتاج إلى زيادة بيان. وعلى هذا يحمل ويفصل في كلام أهل العلم فيما ورد في هذا الباب، وهذه المسألة، فإنه لا تعارض ولا اختلاف ولا تناقض، ولكن من مسائل الدين ما بلوغه تقوم به الحجة، ومن مسائل الدين ما يحتاج إلى بيان وإفهام، ثم الناس يختلفون، فرب إنسان في بادية بعيدة وفي معزل عن العلم والرسالات يحتاج ما لا يحتاجه غيره، كما ذكر شيخ الإسلام وغيره من أهل العلم. قال رحمه الله تعالى: قوله: «ودليل شهادة أن محمدًا رسول الله»، قال: يعني من النقل، وأما العقل فنبه عليه القرآن كما ذكر المصنف وغيره، ومنه قوله: ﴿وما قدر الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى﴾ الآية، وقول الرجل: «إني رسول الله»، إما أن يكون خير الناس أصدقهم، وإما أن يكون شرهم أكذبهم، والتمييز بين ذلك يعرف بأمور كثيرة نبه تعالى على ذلك بقوله: ﴿هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم الآيات﴾. ومعنى كلامه رحمه الله: أن ما سيذكره هي من الأدلة النقلية -أي: المنقولة في الكتاب أو في السنة- مما فيها إثبات شهادة الرسالة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنه رسول الله، وأما الدلائل العقلية فقد أشار إلى أن القرآن نبه على الكثير منها، ومن هذا الكثير وهكذا كذلك النبي عليه الصلاة والسلام بسنته. قال رحمه الله: ومنه شهادة الله عليه بقوله: ﴿قل كفى بالله شهيدًا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب﴾، ومعناه أنه لو كان افترى على الله لما تركه الله، كما قال سبحانه: ﴿ولو تقول:﴾ لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين﴾، فإنه لا يمكن لأحد أن يفتري على الله فيترك، بل يعاجله الله عز وجل بالعقوبة والفضيحة في الدنيا قبل الآخرة، وكم ادعى الرسالة والنبوة أناس، فرحمهم الله وأخزاهم في الدنيا قبل الآخرة، ولم يؤيدهم ولم ينصرهم. وأما كونه باقيًا على ما هو عليه ومنصورًا ومؤيدًا بالحق، فهذا من أدل الدلائل وأكبر العلامات أنه رسول الله حقًا وصدقًا عليه الصلاة والسلام، وهكذا كذلك استجهد ربنا جل وعلا بمن عنده علم الكتاب، فإن صفاته معلومة عندهم أنه هو الرسول الذي بشرت به الرسل من قبله، يعلم ذلك اليهود، وقد صح في الصحيح وغيره أن يهودًا كانت تهدد أهل المدينة بخروج نبي، وهذا أوان خروجه، وأنه إذا خرج قاتلوا معه حتى يبيدوا أهل المدينة؛ لأنهم كفار وعلى شرك. وكان هذا سببًا في إسلام أهل المدينة قبل أهل مكة، فلما بلغهم خروج النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: «لا يسبقكم إليه اليهود، لا يسبقكم إليه يهود»، فبادروا بالخروج إليه إلى مكة، كما هو معلوم من السيرة، وصحت به الأحاديث الكثيرة، وهكذا كذلك النصارى علموا أنه رسول الله حقًا وصدقًا، حتى لما جاء وفد نجران من النصارى، وباهل لهم النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر بعضهم إلى بعض وخافوا المباهلة له. وأمسكوا عن ذلك حين أنزل الله عز وجل آية المباهلة واللعنة: ﴿الله على الكاذبين﴾، فقال بعضهم لبعض: «لقد علمتم أنه رسول الله حقًا، وما باهل أحد النبي إلا كان له عذاب الله»، فقبلوا بالجزية، والأحاديث في هذا كثيرة صحيحة، وغير هذا كثير مما أخبر به من أسلم من اليهود والنصارى -كعبد الله بن سلام من اليهود- وغيره، وكعدي بن حاتم من النصارى، وهكذا غيرهم كثير إلى يومنا هذا. ولا تزال نصوص التبشير بالنبي صلى الله عليه وسلم في كتب أهل الكتاب إلى يومنا هذا، وإن حاولوا أن يخفوها وحاولوا أن يغيروها ويبدلوها، لكن الله حفظ ما حفظ منها حتى بقيت إلى زماننا هذا، كلها دلائل صادقة على صدق نبوته ورسالته عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله: ومن حكمته تعالى أنه لم يبعث نبيًا إلا ومعه آية تدل على صدقه فيما أخبر به -إقامة للحجة-، فأخبر أنه أرسلهم بالبينات، وأعظم الآيات العقلية، وقد صح للنبي عليه الصلاة والسلام بالصحيح: «ما بعث الله من نبي إلا وجعل معه من الآيات ما على مثله يؤمن البشر»، ولهذا تكون لنبوته من جنس ما يكون في أهل زمانه. فلما كان أهل زمان موسى ممن ينشغل بالسحر والشعوذة والحيل، بعثه الله عز وجل بآية تبطل سحرهم، فيعلمون أن هذا ليس من جنس ما في أيديهم، ولهذا كان أول من آمن بموسى السحرة؛ لعلمهم أن ما جاء به موسى ليس بسحر، بل هي آية من عند الله سبحانه وتعالى. ولما بعث الله عيسى عليه الصلاة والسلام كان قومه ينشغلون -منشغلون- بالطب، فجعل الله عز وجل له من الآيات لمثله يؤمن البشر، فلذلك آمن معه من هؤلاء الشيء الكثير؛ لعلمهم أن ما جاء به من إحياء الموتى، وشفاء الأعمى والأبرص، هذا مما يعجز عنه الأطباء، فآمنوا به عليه الصلاة والسلام. وهكذا نبينا عليه الصلاة والسلام بعث في قوم أهل فصاحة وأهل بيان، فبعث بهذا القرآن، وهو من أعظم معجزاته ودلائله وصدق رسالته ونبوته، فالمنصفون منهم آمنوا بالله سبحانه وتعالى وبرسالته عليه الصلاة والسلام؛ إذ في القرآن من قوة المباني والمعاني ما يأخذ بالقلوب، كما قال ذلكم الصحابي حين سمع القرآن، والنبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في سورة الطور في صلاة المغرب: ﴿أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون﴾، فلما بلغ هذه الآية، قال: «كاد قلبي أن يطير»، وكان ذلك سببًا في إسلامه لسماعه هذه الآيات من القرآن. وما أكثر من آمن بسبب عظيم مباني ومعاني هذا القرآن، وفصاحته وبيانه، حتى من لا يحسن العربية يجد فيه ما لا يجده في غيره، وكم قد أسلم إلى يومنا هذا من الناس من قرأ القرآن؛ بسبب ما يجد من عظيم مباني ومعاني القرآن، خصوصًا إذا قرأه وتفقه فيه وتعلمه؛ لعلمه أن ما يقرأه من كتب أهل الكتاب ليس فيه من هذه الفصاحة والبيان الذي في القرآن -مبنى ومعنى- فضلًا عن الأسرار الكثيرة التي يعرفها العارفون والعالمون من أسرار هذه اللغة العظيمة -لغة القرآن- اللغة العربية. فإنها تزيد في إعظام هذه الآية التي بعث بها نبينا صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك من الآيات التي سيشير إليها رحمه الله تعالى، قال رحمه الله: وأعظم الآيات العقلية هذا القرآن العظيم الذي تحداهم الله بحديث أو عشر سور أو سور من مثله، عندكم بحديث، أو في نسخة أخرى: «مثله عندك»، ما عندي مثله، يعطوني قلمًا بحديث مثله، يعني: يكون المعنى قرآن مثله. قال: تحداهم الله بحديث مثله، أو عشر سور، أو سور من مثله، ولم يأت كآية، وإنما أتى الإعجاز بهذه المعاني؛ لأن الآية قد تكون كلمة واحدة، قال: «ما عداوة أهل الأرض له علماء وفصحاء، واستعجاز هم به»، يعني: مع هذا التحدي وفيهم من فيهم -كما تعرفون- من أهل الفصاحة، وكانوا يتنافسون في ذلك، ولا أدل على ذلك المعلقات العشر التي كانت تعلق على جدار الكعبة -تنافسًا في الفصاحة والبيان-، ومع هذا ما استطاعوا أن يقفوا أمام هذا التحدي. قال: «ولم يتعرضوا لذلك مع شدة حرصهم على تكذيبه»، ومنه نصر من اتبعه، ولو كانوا أضعف الناس، ولما حاول أن يفتري بعض الناس مثل مسيلمة الكذاب، أتى بشيء هزيل، وكان عمر بن العاص قبل أن يسلم أتى إلى مسيلمة، فقال له: «اقرأ علي من قرآنك»، فقرأ عليه: «الفيل وما أدراك ما الفيل ذو الخرطوم الطويل والذنب القصير»، فقال: «ما رأيك؟»، قال: «والله إنك لتعلم أني أعلم إنك لكاذب»، يعني: مثل هذا معروف كذبه، وأنه ليس من كلام الله. وهكذا فشل من حاول أن يعمل مثل القرآن، وهكذا اليوم في زماننا هذا، وفي أزمنة متأخرة، قرآن البهائية يوجد للبهائية قرآن، وبعض طوائف الرافضة قرآن، وإذا قرأته تكاد تضحك وتتعجب كيف يستجيزون أن يجعلوا مثل هذا قرآنًا، ولكنه ينطلي على أهل الجهل وأهل العمى، وأما من عرف حقيقة دين الإسلام علم أن هذا من أعظم الكذب والافتراء على الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: ومنه خذلان من عاداه، وعقوبته في الدنيا، ولو كانوا أكثر الناس وأقواهم، وانظروا كيف نصره الله على الأحزاب مع كثرتهم، وهي آية لمن عنده عقل وبصر، قال: «ومنها كونه صلى الله عليه وسلم لا يخط ولا يقرأ الخط»، يعني: أميا، ومع ذلك جاء ما جاء. قال: «ولا أخذ عن العلماء»، يعني: لم يعرف أنه أخذ علمًا عن أحد، بل كان من آية الله أن بعث رسولًا أميا، وبهذه الفصاحة والبيان، وهذه العلوم التي عجز أن يقف أمامها أحد من أهل الأرض؛ لأن ذلك كله من عند الله، قال: «ومنها إخباره عن المغيبات التي أطلعه الله عليها»، فإنما غاب عنا أو كان قبلنا فلا يعرف إلا بالخبر عنه. فإذا كان كذلك فكيف يمكن لبشر أمي لا يقرأ ولا يكتب أن يأتي بهذه الأخبار عما مضى وعما في الواقع والحاضر وعما يأتي؟ فقد أخبرنا الله عز وجل على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام -مما في كتابه أو في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم- من ذلك الشيء الكثير -كأخبار بني إسرائيل- وأخبار الأنبياء الرسل، وأخبار بعض الطوائف، وأخبار بعض الأمم -كقصة أصحاب الكهف- وأهل الأخدود وغير ذلك. وهذا في علم أهل الكتاب، وأهل الكتاب يعلمون أن مثل هذا لا يعلمه الكثير من أهل الكتاب، بل ويأتي به على الوجه المحقق الذي اختلف فيه أهل الكتاب، كما أخبر الله عز وجل في غير ما آية، وهكذا الغيب فيما هو في حاضر زمانهم، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن غلب الروم للفرس، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين﴾، والبضع ما لا يزيد على عشر سنين. حتى يروى أن أبا بكر راهن المشركين، فكان ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبر بموت كذا وكذا من الملوك ومن أهل الشرك، فكان كما أخبر عليه الصلاة والسلام، وغير ذلك كثير، وهكذا من الأمور الآتية المستقبلة التي في زمانه أو كذلك بعد زمانه، أخبر بملك ملك قيصر، وأن سراقة سيكون له كذا وكذا، فملك أمته ملك قيصر ملك فارس، أخبر بملك فارس وتملك المسلمين له، وهكذا قيصر وزواله، فوقع كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، وغير هذا كثير مما يؤيد صدق رسالته ونبوته عليه الصلاة والسلام. قال: ومنها انشقاق القمر، وحنين الجذع، ونبوع الماء بين أصابعه، وكلها فيها أحاديث كثيرة عظيمة تدل على ذلك، فقد أخبر الله عز وجل في القرآن عن انشقاق القمر، ورويت فيها أحاديث الصحيحين وغيرها، وحنين الجذع كذلك، ونبوع الماء بين أصابعه، قال: «ويطعم مئين من صاع من شعير»، يعني: قصة جابر وغيره، ونحوها قصة أنس، قال: «وغير ذلك من آياته المتعلقة بالقدرة والفعل والتأثير مما لا يحصى كثرة». قال: ومنها إذ عانوا ملوك اليمن والبحرين وغيرهما لأمره، للآيات التي صحت عندهم عنه، فنزلوا عن ملكهم طوعًا، ولا يمكن لأحد أن ينزل من ملكه وهو يعلم أن هذا الإنسان كاذب أو عنده أدنى كذب، لكن لما علموا أن ما جاء به حق وصدق، وأنه قد أيد بأنواع الدلائل التي تدل على صدق رسالته ونبوته، دخلوا في دينه. قال: وكذلك كل من اتبعه لما بهرهم من آياته، طيب لهنا، والله تعالى أعلم.