الحج والمسائل المعاصرة

المحاضرة بعنوان الحج والمسائل المعاصرة، وكانت بعد صلاة العشاء من يوم الخميس ١٣ ذو القعدة ١٤٣٤هـ ألقاها

أهمية تعلم أحكام الحج من مصادرها الصحيحة وخطر التلقي من وسائل الإعلام

يؤكد هذا المحور على وجوب تفقه الحاج في أحكام الحج قبل أدائه محذراً من الاعتماد على وسائل الإعلام أو غير المؤهلين. ويشدد على وجوب التلقي من الكتاب والسنة ومنهج السلف مع طلب الدليل في المسائل المعاصرة.

أحكام المواقيت المكانية وحكم الإحرام لمن يقصد المدينة أولاً ومحظورات الإحرام

يبين المحور المواقيت المكانية التي حدها النبي صلى الله عليه وسلم وحكم الإحرام لمن حاذى ميقاتاً قاصداً مكة مع التحذير من الإحرام من جدة. كما يوضح حكم من يقصد المدينة أولاً ومحظورات الإحرام للرجال مبيناً معنى المخيط.

ضوابط اللباس المحلق في الإحرام وأخطاء شائعة ومسائل معاصرة

يشرح المحور ضوابط اللباس المحلق المحظور في الإحرام ويجوز للمضطر التستر بما ليس محلقاً كالفوطة المفتوحة. وينبه إلى أخطاء شائعة كخياطة المطاط وحكم تغطية وجه المرأة ومسألة الكمامات المعاصرة.

أحكام التستر والتظليل والسفر للمرأة في الحج

يتناول المحور جواز تغطية الرجل لوجهه لحاجة وبدائل النقاب للمرأة المحرمة كالفوطة الأنفية. ويفصل في أحكام التظليل بالمظلات والسيارات ويختم بتحريم سفر المرأة للحج بلا محرم.

ضرورة المحرم للنساء في الحج وضوابط أعمال الحج ورخص المبيت في منى

يؤكد المحور على وجوب وجود محرم مع المرأة في الحج لحمايتها من المخاطر كالحريق والسيول. ويبين تفاضل أعمال الحج بين أركان وواجبات ومستحبات مع الترخيص للمضطرين بالمبيت في مكة بدلاً من منى.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنحمد الله سبحانه وتعالى حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، نحمده سبحانه على ما أنعم علينا من نعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ونخصه سبحانه وتعالى بالحمد والثناء عليه بما هو أهله على ما خصنا من نعمة الإيمان والإسلام والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك عظيم ما أنعم الله عز وجل به علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. كما نحمده سبحانه الذي يسر لنا هذه المجالس الطيبة المباركة، نذكر ذاكر ما ينفعنا من العلم النافع ما يعيننا على العمل الصالح، كما نسأله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لما فيه الخير لنا في ديننا ودنيانا. وكما سمعتم، هذه دورة مكثفة في يومين معدودين، المقصود منها هو تفقه الحاج، من وفقه الله ويسر الله عز وجل له حج بيت الله الحرام لهذا العام، أن يتفقه في دين الله عز وجل لمعرفة أحكام الحج، فيتعلم من هذه الأحكام ما يؤدي به هذه الفريضة العظيمة على الوجه الذي يحصل له به خيرها في الدنيا وكذلك في الآخرة. وليس يشك أحد أن من بذل الجهد الكثير والمال الوفير في أداء هذه الفريضة العظيمة ليس يبخل على نفسه إن شاء الله، وقد علم ما علم من دين الله، وعلم ما يجب عليه في أمر العلم، وفي مثل هذه العبادة على وجه الخصوص، ليس يبخل على نفسه أن يبذل لحظات وساعات يتعلم فيها أحكام هذه الفريضة حتى يؤديها على الوجه الذي يحبه ربنا سبحانه وتعالى ويرضاه. وما أكثر من حرم مثل هذا الأمر العظيم المهم، فيبذل المال الكثير، وهكذا يتعب التعب الكبير، ثم يذهب إلى الحج وهو لا يدري ما هو الحج، لا يدري ما هي الأركان ولا الواجبات ولا الشروط ولا المحظورات، فعند ذلك لا تسأل عن الأخطاء التي يرتكبها والتخبطات التي يقع فيها، لم يقف مع نفسه وقفة قبل ذهابه: هل أداء الحج بأن أأخذ لنفسي مقعدًا وأحجز لنفسي كذلك مكانًا ثم أصل إلى مكة، فماذا أصنع إذا وصلت إلى مكة؟ وللأسف، الكثير من الناس يفرط في هذا الباب تفريطًا عظيمًا، حتى ربما بعضهم -والله المستعان- يبطل عليه حجه، فإن من الناس من يذهب إلى الحج ولا يقف في عرفة، والحج عرفة، فلا حج لمن لم يقف في عرفة. وإن من الناس من يذهب وهو لا يدري ما طواف الحج، فلولا أن الله لطف به فأدرك الطواف في آخر لحظة، وقس مثل هذا، ونحوه كثير من الأخطاء والمخالفات والمحظورات التي يقع فيها الكثير من الحجاج إلا من رحم الله. فلذلك نحرص -معاشر المسلمين- في كل عبادة من العبادات أن نتعلم ما يجب علينا فيها حتى نؤديها على الوجه الذي يحبه ربنا سبحانه وتعالى ويرضاه. وبلغكم وسمعتم حديث جابر بن عبد الله في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني مناسككم»، فمناسك الحج تؤخذ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وجزى الله خيرًا كل من سعى وأتى ليتعلم ويعلم، وليستعين بهذا العلم على تعليم غيره سواء هنا أو هناك، فله حسنة، وجزى الله خيرًا إخواننا الأساتذة الأفاضل الذين يشاركون في هذه الدورة، ونسأل الله عز وجل أن يجعل ذلك في ميزان حسنات الجميع. وبعد، فهذه الكلمة في هذه اللحظات هي عن بعض المسائل المعاصرة التي قد يبتلى بها الناس في الحج، فيذكر ما يظن أنه المهم، وإلا فالمسائل كثيرة بكثرة ما فتح على الناس من أمور معاصرة دخلت جميع جوانب حياتهم وتناولت جميعًا كذلك أعمالهم سواء في الحج أو خارجه، والمقصود هو ما يتعلق بالحج. ولما كان المقام مختصرًا، فإن شاء الله نختصر أهم هذه المسائل. المسائل: أول هذه المسائل -معاشر المسلمين- ينبغي علينا أن نعلم أن مما ابتلي به الناس في هذا الزمان -وهذا مما كما يقال ابتلي به عصرنا وحاضرنا ووقتنا- بعدهم عن العلم والعلماء وتفريطهم في باب التعليم، فضلاً عن أن يبحث عن المصدر الصحيح الذي يأخذ منه العلم. فإن مما ابتلي به الناس في زماننا المعاصر أنهم اتخذوا وسائل الإعلام مصدرًا من مصادر أخذ الشريعة، تارة مما يجدوه من الأخبار، وتارة مما يسمعوه من القنوات، أو كذلك ما يجده أمامه. ربما بعضهم لا يبالي إذا رأى أمامه كتابًا في الحج أخذه، لا يهم مضمون الكتاب، أهم شيء مكتوب فيه مناسك الحج أو مكتوب فيه أعمال الحج. وقس مثل هذا في جوانب كثيرة من جوانب أعمال الحجاج. ومسائل الحج يدخل على الناس فيها -كما يقال- النافع والضار والهش والسمين، بسبب عدم تأصيل هذا الأصل الأصيل الذي يجب أن يتأصل عند كل مسلم ومسلمة، وهو تحقيق مصدر التلقي والتلقين في العلم، أن يعرف أنه يجب أن يأخذ العلم من الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة، ومن سار على سيرهم وخطى بهذه الخطى من أئمة الهدى ومصابيح الدجى وعلماء الإسلام الأعلام الموثوقين المعروفين بلزوم هذا الأصل: الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة. فليست وسائل الإعلام مصدرًا لتعرف أحكام الحج، فتسمع منها الحلال والحرام وما يجوز وما لا يجوز. بعض الناس ربما يقول: سمعنا اليوم أنه يجوز أن تفعل كذا ولا يجوز أن تفعل كذا. ممن سمعت هذا؟ المذيع الذي ما عرف أن يقيم الدين في نفسه جعلته مفتيًا لك، أو تلك المذيعة المتبرجة الكاسية العارية جعلتها مفتيًا لك. هذا حال الكثير من الناس، ربما بفضل الله في بلادنا هذه الكثير من الناس عندهم من الإقبال على الدين والعلم، وحتى المحبين للخير تجد عندهم شيء من التميز، لكن ابتليت مجتمعات أخرى بعيدة كل البعد، بمجرد أن يسمع كلمة حج فإذا به يجلس يسمع ماذا يقولون وبماذا يفتون، بغض النظر من المتكلم، من المفتي، فضلاً أن يأتي إنسان عليه عمامة وهيئة الدين، فالأمر عند هذا يزداد فتنة وتغريرًا. فعند ذلك يقولون: سمعنا الشيخ، وصار هذا حجة، وليس الأمر كذلك. وأعظم من هذا وأدق -معاشر المسلمين- أن نعلم أن مع كثرة ما ابتلي به الناس في زماننا المعاصر من مسائل عديدة، فيما توسع عليه أحوال الناس وكثرت عليهم كذلك المعضلات وتتابعت وكذلك تضاربت الفتاوى، فعند ذلك قد يبقى بعض الناس حائرًا. والواجب في مقام مثل هذا أن تحرص -أخي المسلم- على السؤال عن الحق بدليله وبرهانه، فلا يعرف الحق بالرجال، بل الرجال يعرفون بالحق. فأنت ينبغي أن تحرص أن تسأل عن الحجة والبرهان والدليل، ليس بمجرد أن يقال هناك فتوى فتسارع. وستمر معنا بعض المسائل مما فيها هذا المعنى، وكانت سببًا في فتنة بعض الناس، وربما أضروا بهذه العبادة وهذا الركن العظيم من أركان الإسلام، ويشتد الأمر إذا كانت حجة الإسلام، وربما لا يحج غيرها. ومن هذه المسائل -معاشر المسلمين- مسألة أخرى، وهي مسألة تتعلق بالمواقيت، فإنه يكثر وقوع بعض الأسئلة بسبب ما ابتلي به الناس من كثرة وما حصل لهم من تعلق بتفويج الحج. فمن هذه الأسئلة التي ترد ما يحصل لبعض الناس من تفويجهم برًا أو بحرًا أو جوًا من غير طريق المواقيت المكانية المعلومة التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد جاء في حديث ابن عمر وغيره أنه وقت مواقيت مكانية، من أراد الحج والعمرة فمر بها يحرم منها، جعل لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل نجد قرن المنازل، وهكذا ما جاء عنه عليه الصلاة والسلام لأهل الشام ومن مر بالطريق الآخر الجحفة، وقال: «هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة». فمن كان طريقه لا يمر بأحد هذه المواقيت، فعليه -ما دام أراد الحج والعمرة وهو يريد مكة- أن يحرم من حيث يحاذي أقرب هذه المواقيت إليه. ولا حرج على من مر بميقات وسيمر بالآخر، على الصحيح من أقوال أهل العلم، أن يحرم من الميقات المتأخر. مثل من يأتي بالبحر الأحمر أو يأتي جوًا من جهة الشمال، فإنه سيمر أولاً بميقات أهل المدينة -أي سيحاذيه- ثم يأتي ثانيًا على ميقات أهل الشام. ومن جاء من الطرف الآخر من أهل الساحل -أي الجحفة- بل وكذلك سيحاذي ميقات، إن كان جاء من شمال شرق سيحاذي كذلك ميقات أهل نجد وهو قرن المنازل. فمن أيها أحرم، هذا جاز له ذلك، جاز له ذلك. ولكن أقل الواجب ولا يجزئ دونه هو آخر ميقات. فمثلاً آخر ميقات في مثل هذه الثلاثة هو ميقات أهل نجد قرن المنازل. فإذا كان كذلك إذا حاذاه فلا يجوز له أن يتعداه بغير إحرام، بل يجب عليه أن يحرم. وهكذا كذلك يعمم هذا في من أتى من جهة الجنوب، فيقال له بنفس الحديث: «هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن». وقد صح عن عمر رضي الله عنه أنه وقت لأهل العراق ذات عرق، وقيل غير ذلك، وذلك لأنهم لا يمرون بميقات على طريقهم. روي مرفوعًا وموقوفًا، ورجح الحفاظ الموقوف، وله حكم الرفع. فأفاد هذا أن من مر على شيء من المواقيت يحرم مما حاذى، يحرم مما حاذى. وبه نعرف خطأ ما يفعله الكثير من الحجاج، وما يفتي به بعض أهل الفتوى، وهذا قليل من كثير مما يذكرنا بالتنبيه الأول، وهو أن هناك فتاوى كانت سببًا في دخول الخطأ، بل ربما الضلال على بعض الناس. فإن بعض الحجاج، بل الكثير منهم، إنما يحرمون من جدة، وليست جدة ميقاتًا من المواقيت، بل يجب على من تعدى هذه المواقيت أن يرجع إلى هذه المواقيت ما دام يريد الحج أو العمرة، فيحرم منها. هذا هو الواجب بنص أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وبفتوى الصحابة ومن بعدهم من الأئمة والعلماء. فيجب أن يتنبه لمثل هذا الأمر. وفي مقابل هذا، وفي مقابل هذا كذلك مسألة أخرى قد يظن الناس أنها من جنس هذه وليست منها. يبتلى بعض الناس بأنه يوجه إلى المدينة قبل مكة، فهل يلزم من كان هذا حاله أن يحرم حيث حاذى المواقيت ما دام أتى للحج والعمرة، فيبقى في المدينة وهو محرم؟ أم أنه -والأمر كذلك- يحرم من مواقيت المدينة بعد هذا؟ الجواب: والصواب هو الثاني، وإن كانت المسألة اختلف فيها العلماء، لكن هذا هو الصواب، وهي فتوى شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، وهكذا شيخنا الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله. فمثلاً إذا جاء أهل اليمن من اليمن، فمروا بميقات أهل اليمن يلملم، حاذوا يلملم متجهين إلى مدينة جدة برًا، ولكنهم لا يريدون مكة، وإنما يريدون التوجه إلى المدينة بسبب تنظيم تفويج الحج. فإن تفويج الحج له تنظيم خاص يقصد منه تخفيف الضغط على مكة وعلى المدينة، بأن يقسم الحجاج في أكثر الأيام والأوقات قبل وبعد الحج في هذين الموضعين: مكة والمدينة، ولا يجتمعون إلا كما يقال في وقت الذروة التي لا بد منها من يوم السابع وما بعده، بل بعضهم ربما من يوم الثامن إلى آخر أيام الحج. وهذه سياسة حكيمة وتصرف نافع ينفع في التخفيف من ضغط زحام الحج. فإذا كان الأمر كذلك، فلا يلزم على الصحيح أن يحرم إذا حاذى ميقات أهل اليمن وهو آت من اليمن، بل إنه يتوجه مباشرة إلى المدينة، وبعد انتهاء زيارته من المدينة وهو ذاهب إلى مكة يحرم بما يحرم به لحجه أو عمرته يتمتع بها، أو من حج قارن أو مفرد، بحسب نسكه من الأنساك الثلاثة. ومثله صاحب البحر أو الجو، فإن من الناس من يأتي بحرًا إلى مدينة ينبع، فينزلون فيها ويدخلون إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم أولاً، فلا يلزم هؤلاء أن يحرموا من الميقات ولو حاذوا، لأنهم إنما يبدأون بالمدينة. ومثل ذلك من يأتي جوًا، فإن من الناس من يأتي جوًا من الجنوب أو الشمال أو الشرق أو الغرب ويبدأون بالمدينة، فكل هؤلاء لا يلزمهم الإحرام إذا حاذوا بالمواقيت ما داموا لا يريدون في ذاك الوقت الذهاب إلى مكة. بخلاف من أراد أن يبدأ بمكة، فيجب عليه أن يحرم إذا حاذى هذه المواقيت، بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وفتوى الصحابة ومن بعدهم في هذا الباب. ومن هذه المسائل كذلك ما يمر بالناس من أمر محظورات الإحرام. صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى المحرم أن يلبس القمص، وكذلك السراويل، ولا البرانس، ولا العمائم، ولا القلانس، ولا الخفين، إلا أن لا يجد النعلين يلبس الخفين، وفي رواية: يقطعهما أسفل من الكعبين. وهكذا ما جاء في أحاديث ابن عباس وغيره من الأحاديث والروايات في هذا الباب. وأفتى العلماء بأنه لا يجوز للرجل أن يلبس مخيطًا، ومرادهم بالمخيط -وإن كانت هذه العبارة عبارة فيها توسع- مراد بالمخيط ما جاء في معنى هذا الحديث وغيره، هو كل ما حلق بالجسد. فإن من الناس من يفهم كلام العلماء خطأً، بل ربما بعضهم صرح بهذا الخطأ، أنه لا يجوز للمحرم أن يلبس شيئًا فيه خيط، يلبس شيئًا فيه خيط، وهذا خطأ. وإنما المقصود: خيط يكون محلقًا على الجسد. فمثلاً الإحرام الذي نعرفه: إزار ورداء، يأتي مفتوحًا، لكن إذا جاء هذا الإحرام محلقًا، ولو كان مغزولًا محلقًا وليس فيه أثر خيط بمكينة الخياطة، فإنه كذلك يمنع، لأن العبرة بالتحليق لا بخيط مكينة الخياطة. ولو كان مفتوحًا وفيه ألف خيط، ما ضر هذه الخيط، لأن العبرة بماذا؟ بالتحليق، أن لا يحلق بالجسد، هذا هو المقصود. وعلى هذا يجوز للإنسان إذا اضطر أن يلبس ما هو محلق من أصله، لكن يلبسه على هيئة الإزار. وهذا قد يبتل به الناس، فمثلاً اليوم مع هذه الحياة المليئة بالسرعة والعجلة، وتكثر مع السرعة والعجلة الأخطاء والنسيان، قد يذهب بالحاج من بلده، فإذا به ما معه الإحرام، أو يثق أنه يجد في المطار الإحرام، فلا يجد الإحرام، كيف يصنع؟ هل ينزل إلى المطار، إلى مطار جدة، ويحرم كما يفتي بعض الناس؟ الجواب: لا، بل إذا هذا الميقات يجب أن يحرم، كيف يحرم؟ بعض الناس يظن أنه لا يصح الإحرام إلا بالإزار والرداء الأبيض الذي يشتريه ومكتوب عليه «إحرام المسلم»، لا، ليس هذا بالصحيح. بل افتح شنطتك، ربما تجد فوطة، تعرفون الفوطة، هذه الفوطة المحلقة، قصها، افتحها، شقها، واجعلها مفتوحة مثل الإزار، والبسها، وليكن إحرامًا لك. أو خذ القميص، وبدلاً من أن تلبسه فتدخل جسدك داخله، ائتزر به، اجعله لك إزارًا، اجعله لك إزارًا، وبهذا تكون قد أديت الواجب، فمررت بالميقات وأنت محرم، وأنت محرم. المهم إذا اجتهدت في البحث عن الحل فلن تعجز عن الحل. وهكذا كذلك من هذه المسائل يشكل على بعض الناس استعمال بعض الأدوات المعاصرة التي قد يحتاجونها في سفرهم، وخصوصًا مع إحرامهم. هنا يأتي الإشكال: مثل سماعة الجوال (الهاتف)، أو كذلك النظارة، أو الساعة، أو غير ذلك مما قد يظن أنه محظور وليس بمحظور. فإنما المقصود هو المحلق بالجسد الذي هو في هيئة اللباس. فلو علقت سماعة الهاتف وكانت محلقة على عنقك، فإنه لا يضر، لأن ليس كل محلق كذلك ممنوعًا، إنما الممنوع المحلق بهيئة اللباس، وما كان لباسًا. فلو كانت لك نظارة واحتجت أن تجعل لها خيطًا لخوفك أن تسقط أو تضيع أو تنساها، ويحصل هذا لكثير من الناس، خصوصًا الكبير في السن، فلا بأس أن تجعل لها خيطًا، ولو كان الخيط محلقًا على عنقك، تعرفون الخيط الذي يأتي في النظارة، فهذا لا إشكال فيه. بعض الناس يظن أن هذا ممنوع لأنه محلق، يقولون: نحن سمعنا من العلماء لا يجوز المحلق للمحرم، فيقال: إنما المحلق من الثياب. أما خيط ساعة، حزام مطاط تشد به إزارك، فلا حرج في ذلك. وضد هذا تساهل يقع فيه بعض الناس في فهم خاطئ للتوسعة، وهذا هو أن بعض الناس يظن أن ما أذن به العلماء من لبس الإزار، وأن الخياط لا يضر، ظنوا أن ذلك يعني جواز لبس الإزار ولو خيط، فتجد بعض الناس يخيط الإزار فيجعل له حزامًا من مطاط، ولكن لا ينفك فيكون مفتوحًا، وإنما يخيط هذا المطاط حول الإزار فيحلق بهذا الإزار من الأعلى فيكون محلقًا، وهذا يدخل في معنى المحظور، لا يجوز. ونرى بعض الناس من أهل بعض البلاد في الغرب، في مصر وما حولها، يكثر من هذا. وهكذا كذلك قريب من هذا ما يفعله بعض الناس من جعل الأزرار للإحرام، لا يحسن لبس الإزار، إما من أهل البناطيل أو نحوهم ممن لا يحسنون لبس الإزار، فماذا يصنع من شدة حرصهم على أن لا يتكشفوا، وجزاهم الله خيرًا على هذا الحرص، لكنهم لم يحسنوا التصرف، فجعلوا لهذا الإحرام أزرارًا من أعلى إلى أسفل، وهكذا حلقة حول هذا الإزار، فترى الإزار كله أزرارًا. إذا قلت له: هذا محلق لا يجوز، قال: لا، ما في خيط. فيقال: ليس المقصود الخيط، إنما المقصود أن لا يكون محلقًا مغلقًا، وهذا مغلق. ما الفرق بين العباءة التي كلها أزرار، أو الشميز الذي كله أزرار، وبين هذا الإزار الذي كله أزرار؟ هذا محظور، وهذا محظور، لا فرق بين هذا وهذا. فليس مقصود العلماء بمخيط هو أن يوجد الخيط، وإنما أن يكون محلقًا على وجه مغلق، سواء كان الإغلاق بخيط، أو كان الإغلاق بأزرار، أو كان الإغلاق بأزرار. وأعظم من هذا، من عجيب ما رأيت، أن بعض الناس يجعل الإحرام كالسروال، يجعل له أزرارًا من الجنب وأزرار في الوسط، ويوسعه ويجعله مثل السروال التركي أو السروال السوري. تعرفون السروال التركي يأتي له حلقة من أسفل بقدر شبر أو أقل، ثم في الرجلين، ثم ما فوق الشبر ترى كأن الرجل لابس إزار، يعني كما نقول: كرسي السروال، ليس مثل السروال السوري ينزل إلى ما بين الركبتين، لا، كرسي السروال التركي ينزل إلى ما بين الكعبين، ينزل إلى ما بين الكعبين. فهكذا فعل بعض الناس، وسع الإزار وجعل له أزرارًا من أسفل ومن جم. فإذا رأيت تقول: سبحان الله، هذا لا بالسروال. فتأتي تكلمه، يقول: لا لا لا، ليس فيه خيط، ما في حرج إن شاء الله. يفتي نفسه، وربما أفتاه بعض من لا رسوخ عنده في العلم، وفهم المسألة خطأً، والأمر ليس كذلك. وما أكثر الأخطاء في الألبسة في هذا الباب. ومن هذا الباب كذلك ما يفعله بعض النساء في تغطية وجوههم بحاجز، مثل الخشبة، يجعلون مثل الخشبة عند الجبهة، ثم تزدل لتغطي وجهها بما لا يلامس الوجه، وهذا كذلك من الأخطاء، وليس هذا المقصود من نهي النبي صلى الله عليه وسلم المرأة المسلمة عن النقاب. فقوله: «لا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين»، إنما مراد النبي صلى الله عليه وسلم ما كان بمعنى التحليق لبدن الرجل، فلا يشد على الوجه شيء، ولا تلبس القفازين المحلق. أما أن تستر الوجه بغير النقاب، كالستار الذي يسقط من أعلى، فالنقاب هو الذي يشد على الوجه، وما يشد على الوجه أربعة أنواع: إما أن يكون نقابًا وهو ما أظهر العينين، وإما أن يكون لثامًا وهو ما أظهر شيئًا من الأنف، وإما أن يكون لجامًا وهو ما أظهر أكثر الأنف وستر الفم، وإما أن يكون ستارًا وهو ما أسقط من فوق الرأس. فالأخير مأذون فيه، والثلاثة التي فيها الشد على الوجه هي المحظورة الممنوعة. ولهذا قال الإمام ابن القيم رحمه الله في شرح هذا الحديث: «دل هذا الحديث على أن وجه المرأة كبدن الرجل لا كرأسه»، ومعناه أن المرأة يجوز لها أن تستر وجهها كما يستر الرجل جسده، لكن تستره بغير تحليق، كما أن الرجل لا يستر جسده بالمحلق، وليس هو كرأس الرجل، إذ لا يجوز للرجل أن يستر رأسه بأي نوع من الستار على وجه اللباس. والذي فهمه بعض الناس أنه كرأس الرجل لا كبدن الرجل، وهذا ليس بصحيح، بل هو كبدن الرجل لا كرأس الرجل. وتأتي هنا مسألة من المسائل المعاصرة كذلك، مسألة يكثر السؤال عنها في حكم لبس ما يوضع على الوجه بالنسبة للرجل، من كمامات وما كان بمعناها، هل يجوز ذلك أو لا يجوز؟ والصحيح من أقوال أهل العلم أنه يجوز، الصحيح من أقوال أهل العلم أنه يجوز بالنسبة للرجل، وذلك لأن حديث عبد الله بن عباس في الذي وقصته ناقته في صحيح مسلم: «لا تخمر رأسه»، وجاء في لفظ بمسلم: «ووجهه»، لفظة «ووجهه» نص الحفاظ أنها لفظة شاذة، شذ بها بعض الرواة، خالف أكثر الثقات من رجال الصحيح لم يذكروا لفظة الوجه. وقد ثبت عن عثمان وزيد وجماعة من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يسترون وجوههم ولا يرون في ذلك بأسًا، ولا يرون في ذلك بأسًا، فلا حرج أن يستر الرجل وجهه إذا احتاج إلى ذلك في نومه، أو كذلك للغبار، أو للأمراض وغيره. طيب، بقي المرأة إذا سترت وجهها كان هذا بمعنى اللجام أو اللثام، وقد تقدم أنه يدخل في معنى النقاب على القول الصحيح من أقوال أهل العلم. فكيف تصنع إذا أرادت أن تحمي نفسها من الغبار، أو من آثار خلطة الناس من الزكام وغيره؟ الجواب: ممكن أن تستعين بشيء لا يكون فيه هذا المعنى، فيوجد اليوم ما يسمى بالكمامات الإلكترونية، أو الكمامات المعاصرة، لسعة بقدر نصف الإصبع، توضع على فتحتي الأنف فقط، وليس لها لون، شفافة، وهي أرخص من الكمامات التقليدية، كما يقال تضعها في طرف الأنف، وهي أفضل وأصح، ولا يقع عندها المحظور الذي ربما تقع فيه إذا لبست الكمامات التقليدية، وترمي الستار من فوقه، وترمي الستار من فوقه. وهي بفضل الله توزع في الحج في أكثر الأماكن متيسرة، وتوزع مجانًا بفضل الله سبحانه وتعالى، تجدها في أبواب الحرم، وتجدها كذلك في أبواب المخيمات، فالغالب أنها توزع مجانًا، وقد وزعت العام الماضي بكثرة. ومن المسائل كذلك مسألة استعمال المظلة وما كان بمعناها مما يتقى به الشمس، فالصحيح من أقوال أهل العلم أنه يجوز للرجل والمرأة على حد سواء أن يستر كل منهما رأسه بما يستره ويتقيه به من الشمس، إلا أن الرجل يجتنب ما يلامس الرأس ويصاحبه. فتوجد مثلاً اليوم أنواع من المظلات تلبس مثل الطاقية، تعرفونها، مظلة جديدة ظهرت، تلبسها على حزام يكبر ويصغر، وتضعها على الجبهة وتشدها، فما تحتاج أن تمسكها بيدك، فهي فقط تضلل عليك، تضلل عليك، وهي مربوطة على الرأس. فهذا بمعنى القلانس، وبمعنى كذلك البرانس الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم مما يوضع على الرأس. أما ما تمسكه بيدك فإنه لا حرج فيه. وأما المرأة، فلا حرج عليها أن تلبس هذه المظلة، لو أرادت المرأة أن تلبس هذه المظلة مثلاً، تقول: نشتغل بمسك المظلة، فهل يجوز أن ألبس هذا؟ الجواب: لا بأس أن تلبس هذا الذي يشد على الرأس، الذي يشد على الرأس من المظلات التي تصاحب الرأس ولا تحتاج إلى أن تمسك باليد. ومن هذه المسائل كذلك مسألة أخرى في ما يستظل به الإنسان من المتحرك، فبعض العلماء -وهي رواية عند الحنابلة، وقول شاذ، وهو قول شاذ على الصحيح، قال به جماعة من أهل العلم- أنه لا يجوز ما كان متحركًا مصاحبًا، يعني اليوم بمثابة السيارات، لا تصح. وهذا ليس بصحيح، وإنما ما ذكر عن بعض السلف في هذا الباب يريدون المصاحب الملاصق الذي على هيئة اللبس. ولهذا صح عن جماعة من الصحابة والسلف أنه لا حرج على الحاج أن يحمل على رأسه المتاع وما كان بمعناه، فلو احتاج الحاج أن يحمل شيئًا ثقيلاً فوضعه على رأسه مباشرة، لا بأس به. وإن قيل: ما الفرق بين هذا وبين القلانس والعمائم؟ الجواب: القلانس والعمائم لباس، وهذا متاع يحمل على الرأس، فلا حرج فيه. فمن باب أولى السيارة وما كان بمعناها من المتحرك المصاحب، فإنه لا مانع من ذلك، خلافًا لما نقله بعض الفقهاء. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أم الحسين أن أسامة، وهكذا كذلك بلال، كان مع النبي صلى الله عليه وسلم، فأحدهم أخذ بلجام ناقته، والآخر ستره بطرف ثوبه، وهذا معناه أنه كان يستره وهو يمشي، يستره من الشمس وهو يمشي، فهو مصاحب وفي نفس الوقت متحرك معه، ولكنه غير ملاصق، فلا يضر، وهو يعين المسألة التي ذكرها بعض الفقهاء. وهكذا كذلك من المسائل، المسائل ينبني عليها، ذكرها بعض الناس من المعاصرين، ونقل فيها خلاف أهل العلم في قضية جواز سفر المرأة من دون محرم مع جماعة النساء، ونقلوا في هذا آثارًا، وبعض هذه الآثار صح، وبعضها لم يصح. وتقدم معنا في دروس سابقة أنهم استدلوا بما وقع في عهد أمير المؤمنين عمر، وما أرسل من نساء النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين مع عثمان في حجة، وكل بها عثمان. وتقدم هناك بشيء من التفصيل أنه ليس في هذا دليل على أنهن لم يكن معهن محرم، بل صح أن عائشة رضي الله عنها كان معها محرم وهو ابن أختها أسماء، فلا مانع يكون غيرها كذلك معهم محرم. ولو قدر أنه صح عن بعضهم، لا يعارض به حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال صلى الله عليه وسلم في حديثه، كما في حديث ابن عباس: «لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم منها»، ورويت في الباب أحاديث كثيرة. وأما قول من قال: قد أمنت الفتنة، ورويت فيه الآثار، وقال به بعض العلماء، فيقال: ولو كان كذلك كما قالوا، أن زماننا المعاصر السفر فيه يسر وليس فيه مشقة، وتؤمن معه الفتنة، فيقال: هذا كله لا يعارض النص. وأمر آخر: من قال أن السفر ليس فيه مشقة وليس فيه فتنة؟ كم تحصل من مساءلة في البوابات عند السفر، سواء الموانئ البرية أو البحرية أو الجوية؟ عند ذلك تفتقر المرأة لمحرم يدافع عنها ويحوطها، قد يتعرض لها جند سفيه ساقط، ما يسويه كما يقال بصلة، ومع ذلك لما يجد امرأة ليس معها محرم يسترسل ويتطاول، وما أكثر ما يقع مثل ذلك، خصوصًا وأنه مع ربكة الحج وكثرة الناس، قد تنسى المرأة شيئًا من الأوراق، وهذا يكثر في الرجال، فكيف بالنساء؟ مع الزحام، ومع قلة الخبرة في السفر، وقلة الخبرة بإجراءات الحج، قد تنقص بعض الأوراق، فتبقى المرأة في المساءلة في بعض الجوانب. ولا نقيس ونحن في هذه البلاد بفضل الله يجعل للمرأة مكانة واحترام وحدود، لكن في بلاد أخرى على العكس من هذا تمامًا، إذا رأوا المرأة تجرؤوا عليها، وخصوصًا إذا كانت محجبة، فإنهم يتجرؤون عليها أكثر ويؤذونها أكثر. فكيف يجوز أن نقول أنها تسافر من دون محرم؟ وكم قد رأى ورأينا ورأى الناس مثل هذا كثير مما يحصل من أذية، حتى تضطر وأنت لست محرم لهذه المرأة أن تتدخل في القضية مما ترى من أذية تلحق امرأة ضعيفة ليس معها محرم، ربما تبكي، ربما كذا، ولا تدري ما القضية، وليس معها رجل. كل هذا بسبب أنه ليس معها محرم. بل قد تحصل أحداث وأمور في أثناء تنقلات الحج، وما أكثر تنقلات الحج وأعماله وأموره العظيمة التي يحار فيها الرجال لقلة خبرتهم وأسفارهم، وكونهم أول مرة يأتون إلى مواضع الحج وإلى أعمال الحج. فإن الحج يا إخوان شيء ليس بالسهل، له مهابة، وله كذلك يعني أمور تحتف به، فكم من أمور تجدها كما تسمعها سهلة، لكن إذا جئت إلى وقت تطبيقها يكون الأمر فيه مهابة، وفيه كذلك أمور عظيمة مما يقتضي ويؤكد ضرورة وجود المحرم مع النساء. بل ما قد يعترض في أثناء الحج من أمور، فمثلا في عام 1417 وقع حريق عظيم في موسم الحج، كأنه يوم القيامة، والله كانت النيران تكاد تصل إلى الطائرات، الطائرات تطفئ النار من فوق والسيارات من أسفل، والناس يهربون، كأنه يوم الحشر، يعني ليس بالعشرات ولا المئات، بل بآلاف الآلاف، تجد، وكنا في منطقة مرتفعة فوق جبل، نرى الناس في أمر عظيم. تصور الناس مثل هذا الموقف، كيف يكون حال امرأة ضعيفة والناس يفرون؟ من يحميها؟ من يوجهها؟ من يعينها في مثل هذا الموضع العصيب؟ فإنها تحتاج إلى رجل يحفظها ويحميها ويعينها ويعينها. ولهذا شرع الإسلام بأمر المحرم. ومن ذلك كذلك ما وقع في سنة 1431 للهجرة، وقع مطر غزير حتى جاءت سيول لا يعرف لها نظير، كانت تأخذ الخيام كأنها، يعني تستطيع أن تقول: علب أغطية البيبسي، تأخذ الخيام وتلفها لفًا، والسيارات والباصات، والناس في خوف ورعب شديد، وربما بعضهم أخذوا في مثل هذه السيول. فمثل هذا الحال كذلك تكون المرأة في خوف عظيم وفي موقف عصيب، تحتاج إلى رجل يحميها، وإلى رجل يعني ملجأ إليه بعد الله سبحانه وتعالى. ولا شك أن وجود المحرم في مثل هذه المقامات من الأمور العظيمة العظيمة العظيمة. ولهذا كان قول العلماء أن الحج لا يجب على المرأة باتفاق إذا لم يكن هناك محرم. وإذا لم يكن هناك محرم، فهل يجوز لها الحج؟ لا يجب، يبقى هل يجوز؟ اختلفوا في هذا، في حال إذا ما كان جماعة من النساء، قال بعضهم بشروط يجوز، وقال بعض آخر أنه لا يجوز لعدم وجود ما يأذن، والأصل المنع، ولوجود المفاسد الكثيرة، وهذا هو الصحيح والأحوط، والله تعالى أعلم. ومن هذه المسائل كذلك -معاشر المسلمين- مسألة أخرى مما تقع للناس في الحج، وهي مسألة تنقل الناس في تنقلاتهم من موضع إلى آخر من مواضع الحج. ينبغي أن نعلم أن الحج أعماله منها ما هو ركن، ومنها ما هو واجب، ومنها ما هو مستحب. فمثلا عرفة والوقوف فيها ركن، فلا بد أن يوقف في عرفة، والمبيت في منى في أيام التشريق واجب، فيجب أن يبيت الحاج في منى أيام التشريق. ولكن بين هذا وهذا كله يجب، لكن بين وجوب ووجوب فرق، فينبغي أن يُعلم مثل هذا. وهكذا كذلك المبيت ليلة التاسع في منى مستحب. فإذا هناك فرق، فلا بد أن ننتبه في مسألة الانتقالات. يكثر الفوضى مع كثرة الناس، ومع الزحام، ومع أخطاء تفويج الحجاج، ومع كذلك أخطاء أفراد الحجاج لكونهم أول مرة يحجون، قد يخطئون في معرفة أوقات التفويج، أو أي عذر يعترض. فعند ذلك ينبغي أن يكون عنده من العلم ما يحسن به التصرف. فرب موقف يحسن له أن يجلس في مكانه، لعل من افتقده أن يأتيه، أو يتواصل، ويكون بعد ذلك حل، كما يقال، لأعمال الحج. لكن مثل يوم عرفة لا تتساهل، إذا حصل خطأ وذهبت عنك المواصلات، أو افتقدت الرفيق، أو حصل لك ما حصل، احرص أولاً أن تقف في عرفة، لأن الوقوف بعرفة ركن، إذا لم تقف في عرفة فقد فات عليك الحج، وليس لك حج. فإذا فرق بين خطأ وخطأ، وفرق بين مكان ومكان، فرب مكان لا يسعك أن تترك الوقوف فيه، احرص على أن تقف فيه، ولو ساعة من ليل أو نهار، كما جاء في حديث عروة بن المضرس رضي الله عنه أرضاه، فيما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم، حين قال: يا رسول الله، لقد أكللت راحلتي وأتعبت نفسي، فما تركت حبلا ولا جبلا إلا وقفت عليه حتى أتيت مزدلفة، فهل لي من حج؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «من صلى صلاتنا هذه» -وهم قد صلوا صلاة الفجر في مزدلفة- «وبات في جمع» -وقال في مزدلفة- «ووقف في عرفة ليلاً أو نهاراً» -وفي رواية: «ساعة من ليلة أو نهار»- «فقد قضى تفثه، فقد تم حجه وقضى تفثه». فإذا احرص على الأركان ولا تضيعها أبدًا. وأما الواجبات، فإذا استطعت، «فما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم». وأما المستحب، فقد يسعك أن تتركه إذا وجدت في ذلك مضرة أو مشقة. ومن هذه الأحكام كذلك ما قد يبتل به بعض الناس مع الزحام من عدم استطاعة دخول منى في أيام التشريق، سواء بسبب الزحام والمواصلات، فربما ينتقل من مكة إلى منى أكثر من عشر ساعات مع أيام الزحام، وفي شدة الزحام إذا لم يوفق بسائق محنك يوصله إلى المكان بأقرب وأقصر طريق، فمثل هذه الساعات لا شك أنها مشقة ومضرة. فإذا كان الأمر كذلك، فهل يجوز له وهو متعب وهو بذل جهده أن يرجع إلى سكنه في مكة فيبيت؟ الجواب: نعم، يجوز له أن يبيت في مكة، وإن كان المبيت في منى في أيام التشريق واجبًا، لكن المشقة تجلب التيسير، والضرورة تبيح المحظورات. وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للعباس لأجل سقايته أن لا يبيت في منى، وصح أنه رخص للرعاة أن لا يبيتوا في منى لأجل رعايتهم، أي لأجل رعيهم لما يرعون من بهيمة الأنعام التي هي للحجاج، فرخص لهم النبي صلى الله عليه وسلم. فقاس عليه العلماء، قاس عليه العلماء غيره. بل صح عن ابن عباس أنه رخص لمن كان معه متاع في مكة يخاف عليه، رخص له أن يبيت في مكة. ومن هذا ما يبتل به بعض الناس، فقد يحصل خطأ أو أمر أو آخر لبعض الناس، فلا يستطيع أن يجد خيمة في منى، فعند ذلك لا يصح أن يفترش طرقات منى كما يفعل الكثير من الناس، بحجة أن يبيت أكثر الليل في منى، بل هذا فيه مضرة على الحجاج، هذا فيه مضرة على الحجاج. إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم رخص لمن كان يستطيع أن يبيت في مكة وعنده سكن، لو أراد لكن لأجل السقاية ولأجل الرعي رخص لهم، فلأن يرخص لمن ليس له سكن من باب أولى، فلأن يرخص لمن ليس له سكن من باب أولى. بعض الناس يأتي حاجًا، فما يدري إلا وقيل له: ليس لك مكان في مكة. كيف يقول: أنت حجيت مجاملة؟ طيب، أنا حجيت مجاملة، أريد أدفع مالًا وسآخذ خيمة وأدخل مع الناس، يقولون: ما

شاركنا على