كتاب الحدود 15

الدرس في كتاب الحدود 15، ألقاها

تفصيل عقوبات المحاربين

تختلف عقوبة المحاربين باختلاف الجرائم المرتكبة، وتتراوح بين القتل والصلب وتقطيع الأيدي والأرجل والنفي.

شروط تطبيق الحد على المحاربين

يشترط لتطبيق الحد التكليف والمجاهرة وأخذ المال قهرًا وثبوت كونهم محاربين ووجود المال في حرز.

التوبة وسقوط الحد عن المحاربين

يتناول شروط الحرابة وسقوط الحد بالتوبة قبل القدرة عليهم، ويوضح أن التوبة بعد ارتكاب الحد لا تعفي منه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، توقفنا في درسنا الماضي في الباب السابع في حد الحرابة، وتكلمنا فيها عن معناها اللغوي والشرعي، وما تضمنه المعنى الشرعي، وذكرنا ما هو الأصل في حد الحرابة. يقال: حرابة، والحرابة من أخذ المال، والحرابة من المحاربة، فيقال: هذا وهذا. قالوا: وتختلف عقوبة المحاربين وحدهم باختلاف الجرائم التي ارتكبوها، وذلك على النحو التالي. أي تقدم معنا من هم المحاربون، والذين يسمون بقطاع الطريق، فما هو حد هؤلاء؟ قالوا: تختلف عقوبة المحاربين وحدهم باختلاف الجرائم التي ارتكبوها، وذلك على النحو التالي. من قتل منهم وأخذ المال قتل وصلبًا حتى يشتهر أمره، ولا يجوز العفو عنه بإجماع العلماء، كما تقدم معنا في الدرس الماضي. أن هذا الباب من المفارقات أو هذه المسألة من المفارقات بين باب الحرابة وباب القصاص. فباب القصاص لأهل الدم لأولياء الدم أن يعفوا، وإذا عفوا سقط القصاص. أما في باب الحرابة ولو عفى أهل الدم، فإنه لا يسقط عنه القاتل؛ لأن هذا الباب لا يدخله العفو؛ لأنه حد حدّه الله جل وعلا، فيقام عليهم الحد لحق الله جل وعلا. لأن الله جل وعلا سماهم محاربين لله ورسوله، قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. فكما تقدم معنا أن هؤلاء لا يدخلون على جرائمهم العفو، فلو قتلوا قتلوا، ولو عفى أولياء الدم، ولو سرقوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، ولو عفى أهل المال. وهكذا قل في بقية الجرائم. من قتل منهم وأخذ المال قتل وصلب حتى يشتهر أمره، ولا يجوز العفو عنه بإجماع العلماء. وقد تقدم معنا هذا في درسنا الماضي، وتقدم أننا ذكرنا أن العلماء رحمهم الله تعالى اختلفوا: هل يكون الصلب قبل القتل أو بعده؟ وذكر أن الأرجح أن هذا يعود إلى نظر الحاكم في تقدير الأصلح. ومعنى الصلب: أن يوضع على خشبة فيها خشبة أخرى مستطيلة وأخرى معترضة على هيئة الصليب، فيعلق فيها وتربط أيديه، ويبقى معلقًا مصلوبًا. ومن قتل منهم ولم يأخذ المال قتل ولم يصلب. ومن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف في آن واحد. ومن أخاف الناس والطريق فقط، ولم يأخذ المال ولم يقتل، نفي من الأرض وشرد وطورد، فلا يترك يأوي إلى بلد. وهذه -كما سمعتم- من العقوبات التي تدل على عدل الله جل وعلا وحكمته البالغة في هذا التشريع الذي شرعه الله جل وعلا لهذه الأمة. قال: وهذا التفصيل في عقوبة مأخوذ من الآية للتنويع في العقوبة وترتيبها لا للتخيير، وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهذا قول في المسألة. والقول الآخر: أن قول الله جل وعلا: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ أنها للتخيير. القول الآخر: أنها للتخيير. ومعنى كونها للتخيير: معناه أن للحاكم أن ينظر في أي الجزاء أصلح وأردع لذلك المفسد في الأرض. فمثلًا لو سرق ورأى الإمام أنه يقتل، قالوا: قتل. إن رأى الإمام أن يقتل ويصلب كذلك يقتل ويصلب. إن رأى أن تقطع يده ورجله من خلاف. فعلى ذلك قال: لأن قول الله جل وعلا: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ للتخيير، والتخيير عائد إلى اجتهاد الحاكم ونظره في الأصلح. وهذا -كما سمعتم- قول في المسألة. لكن القول الذي ذكر عندنا هنا أولًا هو الأقرب من حيث الأثر ومن حيث النظر. من حيث الأثر: أنه كما ترون تفسير ثابت عن ابن عباس رضي الله عنه، حبر هذه الأمة رضي الله عنه وأرضاه، وتفسير الصحابي وبيانه لكلام الله جل وعلا مقدم على تفسير غيره؛ لأنهم أعلم بالتنزيل. هذا أمر. وأمر ثاني: أنه لا يعرف عن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاه أنهم خرجوا عن هذا المعنى إلى المعنى الآخر. بل الناظر في الآثار الثابتة عن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاه: أنه لا يخرجون عن هذا المعنى، أي أن يقتلوا من قتل، ولا يزيدون على ذلك بتصليب أو تقطيع من خلاف أو إلى غير ذلك. وهذا يدلنا على أنهم على المعنى الذي ذكره ابن عباس رضي الله عنهما. وهذا -كما سمعتم- دليل من حيث الأثر، ومن حيث النظر والمعنى: أن هذا القول يتوافق مع قواعد الشريعة العامة، الدال على غاية العدل والإنصاف، وأن الله جل وعلا لا يظلم أحدًا. فمن هذا الباب: أن من قتل قتل، ومن سرق قطعت يده ورجله. وهذه زيادة في العقوبة؛ لأن هؤلاء فعلوا جنس الجريمة التي يستحقون عليها التقطيع وزيادة. ما هي هذه الزيادة؟ أنهم صاروا مفسدين في الأرض، بل وصفهم الله جل وعلا بأبشع الأوصاف: بأنهم يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا. فالحاصل من هذا: أن الحكم المذكور في غاية العدل: أن من قتل قتل، ومن قتل وسرق أن يقتل ويصلب، وأن من سرق فقط أن تقطع يده ورجله من خلاف. وأن من أخاف السبيل وأرهبهم دون أن يقتل أو يسرق فإنه ينفى من الأرض جزاءً وفاقًا. وتقدم معنى ذلك في درسنا الماضي: أن الجروح كذلك في هذا الباب قصاص، ولا يدخله العفو أيضًا. بمعنى: من قطع يد أحد، إن قطعت يده ولو عفاه المقطوع. ومن فقع عين أحد فقعت عينه، أو كسر سنة أحد كسرت سنه ولو عفاه؛ لأن هذا الباب لا يدخله العفو لحق الله جل وعلا. المسألة الثانية: شروط إقامة الحد على المحاربين. يُشترط لتطبيق الحد على المحاربين شروط، أهمها أولًا: التكليف، فلابد من البلوغ والعقل. فلابد من البلوغ والعقل حتى يعد الشخص محاربًا ويقام عليه الحد. فالمجنون والصبي لا يعدان محاربين، ولا يقام عليهما الحد لعدم تكليف واحد منهما شرعًا. هذا من حيث التعليل، ومن حيث الدليل: قوله صلى الله عليه وسلم: «رُفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل». فالشرط الأول من الشروط التي يجب أن تتوفر في المحارب حتى يقام عليه الحد: أن يكون مكلفًا. فخرج ما ليس بمكلف، سواء كان مجنونًا أو كان صبيًا؛ لأنهم ليسوا من أهل التكليف. لكن قد يؤدبهم الإمام إذا رأى مصلحة في ذلك، بما به يزجرون عن تكرار مثل هذا الفعل، فيقوم من باب التأديب العائد إلى اجتهاد الحاكم. أما الحد فلا؛ لأنهم ليسوا من أهل التكليف. وقولهم: التكليف سواء كان المكلف ذكرًا أو أنثى، وسواء كان حرًا أو عبدًا. فلو كانت المرأة من قطاع الطريق مثلًا عصابة فيها الرجل والنساء، وكانوا ممن يقتلون أو يسرقون أو ما شابه ذلك، واستطاع الحاكم السلطان أن يقبض عليهم، فيدخل في المحاربين الذكر والأنثى سواء. أي في الحكم في التقتيل أو التصليب أو التقطيع أو النفي. لكن المرأة في النفي -كما تقدم- أن يكون معها محرمها، فإن لم يكن تحبس. وأيضًا سواء كانوا أحرارًا أو عبيدًا. سواء كانوا أحرارًا أو عبيدًا فيدخل في التكليف المعاني المذكورة. كل مكلف حرًا أو عبدًا، حرًا كان أو عبدًا، ذكرًا كان أو أنثى. الأمر الثاني أو الشرط الثاني: أن يأتوا مجاهرة ويأخذوا المال قهرًا. فإن أخذوه مختفين فهم سراق، وإن اختطفوه وهربوا فهم منتهبون، فلا قطع عليهم. وهذا إذا لم يكن هذا ديدنهم. أما إذا كانت عصابة مثلًا معروفة بهذا الفعل، لها صولة وجولة تسطو على المحلات أو على البيوت أو ما شابه ذلك. فجماعة من العلماء رحمهم الله تعالى ألحقوهم بالمحاربين؛ للمعنى المذكور فيهم من أنهم يفسدون في الأرض، وأنهم يخوفون الناس وينهبون أموالهم، وكذلك يقتلون الأنفس التي حرمها الله جل وعلا. فالأصل في قطاع الطريق هذا الوحف: أن يكونوا مجاهرين. لكن لو كان طائفة منهم مثلًا لهم عصابة تفعل هذه الأفعال، فتدخل في هذا الحكم. وكذلك -كما مر معنا- في الوصف الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: من أن شخصًا لو كان عنده مثلًا مطعم في طريق المسافرين، وكان إذا نزل به الإنسان وانفرد به قتله وسلب ماله، فإن هذا يكون كذلك في معنى المحاربين، ويطبق عليه حد المحاربين. الثالث: ثبوت كونهم محاربين، إما بإقرارهم أو بشهادة عدلين كما في السرقة. أي ثبوت كونهم محاربين، أي باعتبار ماذا؟ باعتبار البينة أو الإقرار. البينة بشهادة الشهود عدلين يثبتون أنهم كذلك، أو يقرون على أنفسهم بأنهم محاربون. وسواء كان المحارب مباشرة للقاتل أو للسارق، أو كان معينًا أو كان ردءًا أو كان عينًا أو كان طليعة. الكل يشمله معنى الحرابة. يعني لو أن طائفة من الناس وهم من قطاع الطريق، لكن قسموا المهمات. منهم من يكون طليعة، أي في المقدمة يتطلع على المارة. أي قافلة ستأتي، أي جماعة سيمرون من هذا الطريق. وآخرون يكونون ماذا؟ من خلفهم ينظرون: هل سيأتي هل وراءهم حكومة أو سيأتي السلطان بالجند أو ما شابه ذلك؟ أي كالعيون لهم. وقسم ثالث مثلًا مباشرين للقاتل أو مباشرين للسرقة. هل حكم المحارب يتنزل على المباشر فقط؟ أم يتنزل على الكل؟ ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يتنزل على البعض الذي باشر، والآخرون يعاقبون عقوبة تعزيرية. والذي عليه أكثر العلماء: بأن الكل سواء، المباشر والردء ومن كان طليعة ومن كان عينًا. فكل من ساهم وشارك وأعان في تلك الجريمة فهم في الحد سواء. وهذا -كما ذكر- شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، والذي عليه عمل الصحابة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم. وقد ذكر عن عمر رضي الله عنه وأرضاه أنه قضى بنحو ذلك. فالحاصل: أن قطاع الطريق يشملهم الحكم عمومًا، المباشر والمعين ولو لم يباشر. فلو سرق أحدهم وآخران مثلًا يحرسان أو يعينان من وراء، فالكل يقطعون. لو قتل أحدهم والباقون يعينونه على ذلك ولكن لم يباشروا، الكل يقتلون. وهكذا. فباب الحرابة الجماعة والواحد سواء، ما داموا أنهم كلهم قاموا بهذا العمل. كما أن الجماعة في الطاعة جماعة، كلهم سواء باعتبار الأجر والغنيمة. فكذلك في المعصية. فلو أن جماعة من المسلمين الغازين في سبيل الله عز وجل هجموا على العدو، فبعضهم باشر وبعضهم كان ردءًا وبعضهم كان طليعة وإلى غير ذلك، فهم في الغنيمة كلهم سواء، وفي الجهاد كلهم جاهدوا في سبيل الله عز وجل. وفي الغزوة كلهم يقال فيهم بأنهم غزوا، ولو كان بعضهم لم يباشر والبعض هو الذي باشر. فكذلك في الحرابة: فالذي باشر والذي لم يباشر في الحكم سواء. في الحكم سواء. الأمر الرابع: أن يكون المال الذي يؤخذ في حرز. بأن يأخذه من يد صاحبه قهرًا. فإن كان المال متروكًا ليس بيد أحد، لم يكن أخذه محاربًا. يعني مثاله: لو أن قافلة كانت تمشي، فسقط عليهم مال من هذه القافلة، فجاء أناس من هؤلاء فوقعت المال فأخذوه. هل يكونون من قطاع الطريق السراق؟ قالوا: لا يكونون كذلك. لماذا؟ لأنهم ما أخذوا المال من يد صاحبه، وإنما وجدوه ملقى. فمتى يكون لهم حكم السراق؟ إن اغتصبوه من يد صاحبه. إن اغتصبوه من يد صاحبه هنا يكونون سراقًا. والحرز في هذا الباب ليس كالحرز في باب السرقة؛ لأن الغالب على قطاع الطريق أنهم يقطعون الطريق على المسافرين. والغالب على المسافر أنه لا يضع ماله في مكان -كما يقال- لا يصل إليه أحد. غالبًا ما يجعل ماله في مكان قريب. غالبًا ما يجعل ماله في مكان قريب. فهذا هو معنى الحرز ها هنا، ويرجع هذا المعنى كذلك إلى ما تعارف عليه الناس. فتعارف الناس أنهم في السفر -مثلًا- يجعلون المال ولو كان كثيرًا -مثلًا- في المخبأ. هذه جاءت عادة الناس عليها. فيبقون على هذه العادة، ويكون هذا هو الحرز المقصود به. فلو أخذه -لو جاء السراق وقطاع الطريق وأخذوه من أيدي أصحابه- فقد أخذوه من الحرز. ذكر بعض العلماء أيضًا: أن يكون المال الذي أخذ في حرز، وتقدم معنا أن يكون ذلك المال مالًا معصومًا. فلو أنه أخذ مالًا غير معصوم، قالوا: فإنه لا يكون قاطعًا للطريق. لا يكون قاطع الطريق أو أخذه من غير معصوم أصلا. مثال ذلك: لو كان مثلًا بين أهل الإسلام وبين دولة كافرة حرب، فبعض المسلمين مثلًا تقطع قافلة لتلك البلد الكافرة، فسلبوهم أموالهم، بل وقتلوا من قتلوا. هل يكونون من قطاع الطريق الذين يقام عليهم الحد؟ الجواب: لا. يعني مثاله: ما كان يحصل بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقريش قبل صلح الحديبية. قبل صلح الحديبية كانوا ماذا؟ قريش دار حرب. فكانوا يتقطعون لهم ويسلبونهم الأموال، وإذا استطاعوا أن يقتلوا قتلوا. فلو فعل إنسان هذا في كافر غير معصوم المال أو الدم، فلا بأس. لا يكون قاطع الطريق، ولاسيما أثناء الحرب. لكن بعد الصلح، هدنة، عهد، استئمان، لا يجوز أن يسلب، ولا يجوز أن يقتل. فإن قتل أو سلب يدخل في معنى قطاع الطريق. بعض الفقهاء اشترطوا شرطًا آخر في المال -يعني في المال-. بعض الفقهاء اشترطوا ثلاث شروط. الشرط الأول: أن يكون من حرز. الشرط الثاني: أن يكون المال معصومًا. الشرط الثالث: أن يكون ذلك المال قد بلغ النصاب. نصاب السرقة لا نصاب الزكاة. وهو -على الصحيح- على ما مر معنى كم؟ ربع دينار من الذهب. ربع دينار من الذهب. فهؤلاء الفقهاء يقولون: لو كان السارق أو هذا القاطع للطريق أخذ المال، لكنه كان دون نصاب. القاطع دون نصاب السارقة. فإنه لا تقطع يده ورجله من خلاف. لماذا؟ قال: لأنه شرعًا لا باعتبار السارقة لا تقطع يده. وكذلك في هذا الباب لا تقطع يده قياسًا على باب السارقة. قياسًا على باب السارقة. هذا من حيث القياس، ومن حيث المعنى. قالوا: جرت عادة الناس أنهم يتسامحون في الأمر التافه. وضابط الأمر التافه: ما كان دون الربع دينار من الذهب -كما مر معنا-. قالوا: فلو أنه سرق دون ذلك فلا يقطع. فلا تقطع -يعني- لا يقطع من خلاف. وآخرون عمموا الحكم في ذلك. وآخرون عمموا الحكم في ذلك. لماذا؟ قالوا: أن باب الحرابة أغلظ. باب الحرابة أغلظ باعتبار ماذا؟ باعتبار العقوبة، وباعتبار الشروط التي اشترطت في غيرها من الأبواب. فكما مر معنا في باب القصاص: إذا عفى أهل الدم أو من قطعت يده أو أصحاب الجروح أو إلى غير ذلك حصل العفو. لكن في باب الحرابة ليس هناك عفو. قالوا: كذلك في هذا الباب ليس هناك نصاب. لو سرق تقطع. الناس أخاف السبيل وأخذ المال فهو يعتبر أنه سرق، ولو أخذ المال وهو دون ربع الدينار من الذهب. فإنه يكون سارقًا، ويقام عليه الحد التقطيع؛ لأن هذا الباب مبني على التغليظ. لماذا؟ لأنه محارب لله ولرسوله ومفسد في الأرض. والله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾. فهذا محارب لله، محارب لرسول الله، ويسعى في الأرض فسادًا. والقول -كما سمعتم- هذا باعتبار الدليل والتعليل. وإذا نظرنا إلى الجانب الآخر: أي ما ذكر الفقهاء اشتراط النصاب مع القاعدة العامة في هذا الباب -أي في باب الحدود- وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «أدرأ الحدود بالشبهات». لكان قويا مع التعليل السابق. فلهذا يقال في هذا الباب -والله أعلى وأعلم- أن هذا يرجع إلى اجتهاد الحاكم. المسألة الثالثة: سقوط الحد عن المحاربين. يسقط الحد عن المحاربين أو يسقط حد الحرابة إذا تاب الجاني المحارب قبل القدرة عليه وتمكن الحاكم منه. كأن يهرب أو يختفي ثم يتوب. لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. فيسقط ما كان واجبًا لله من النفي عن البلد، وقطع اليد والرجل، وتحتم القتل. وهذا بإجماع للآية المذكورة. وكذلك نقل غير واحد من أهل العلم عدم الخلاف فيهم -أي في هذه المسألة- بين الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. وأنه كذلك الذي عليه عمل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. إلا أن حقوق الآدميين من نفس أو طرف أو مال لا تسقط؛ لأنه حق لآدمي يتعلق به، فلا يسقط كالدين. إلا أن يعفو عنها مستحقها. أن يدخل هذا الباب العفو في صورة واحدة: متى؟ إن تاب المحارب قبل القدرة عليه. بشرطين: أن يتوب، وقبل القدرة عليه. فلو تاب بعد القدرة عليه -سيأتي معنا- الحكم. قالوا: أما من تاب بعد القدرة عليه ورفعه إلى ولي الأمر، فلا يسقط الحد عنه، وإن كان صادقًا في توبته. أي إن تاب بعد القدرة عليه أقيم عليه حد الحرابة. وتوبته فيما بينه وبين الله جل وعلا تنفعه عند الله جل وعلا. أما في إقامة الحد فلا؛ لأن الله جل وعلا قيد نفع التوبة في إسقاط الحد في الدنيا قبل القدرة عليه. في قول الله جل وعلا: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾. فاعلموا أن الله غفور رحيم. فمفهومه: أن من قدر عليه ثم تاب، فإن الحد لا يسقط عليه. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على