فضل عاشوراء

المحاضرة بعنوان فضل عاشوراء، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر يوم السبت 10 محرم 1442هـ الموافق 29 أغسطس 2020م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

دروس مستفادة من قصة موسى وفرعون - الجزء الأول

يوم عاشوراء يذكر بقصة موسى عليه السلام مع فرعون، وتفيدنا هذه القصة ببقاء الصراع بين الحق والباطل، وسقوط الباطل مهما طغى، ونصر الله لأهل الإيمان مهما ضعفوا.

تتمة الدروس المستفادة من قصة موسى وفرعون

يستفاد من قصة موسى مع فرعون أن الفرج قريب مهما اشتدت الأمور، وأن الثبات على الخير يؤدي إلى النصر، كما أن حفظ الله لدينه يحفظ عباده من كل سوء ومكروه.

فضل صيام يوم عرفة والدعاء

يوم عرفة له فضل كبير، وصيامه يكفر سنة كاملة من الصغائر، وإذا لم تكن هناك صغائر، يخفف الكبائر. ينبغي على المسلم أن يعتني بمثل هذه المواسم ويصوم يوم عرفة.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

المقطع يتضمن دعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويُظهر الاعتراف بقدرة الله تعالى وولايته على كل شيء.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، عباد الله، إننا في هذا اليوم، وهو اليوم العاشر من شهر الله المحرم، وهو يوم عاشوراء، هو يوم عظيم من أيام الله، يذكرنا دائما وأبدا بقصة نبي من أنبياء الله، قصة موسى عليه السلام، وما كان منه في تعامله مع فرعون ومن كانوا على شاكلته. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «قال ومن المعلوم أن قصة موسى عليه السلام مع فرعون وغيره تعتبر من أعظم قصص الأنبياء التي تذكر في القرآن، أعظم قصة تذكر في القرآن هي قصة موسى عليه السلام وما كان في تعامله مع فرعون». ولهذا الأمر تجد أن القرآن مليء بذكر قصة موسى مع فرعون، تارة اختصارا وتارة إسهابا، لعظيم الدروس المستفادة والعبر والعظة التي يستفيدها كل مسلم ومسلمة عبر توالي الأجيال وتعاقب الأزمان. فإن من عظيم ما يستفيده المسلم، إخواني في الله، من قصة موسى مع فرعون، هو بقاء الصراع بين الحق والباطل، وأن ذلك باق ببقاء السماء والأرض، فإن ذلك من النواميس الجارية والسنن الباقية أن يستمر الصراع بين الحق والباطل إلى الأبد، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وبهذا نعلم أن الله سبحانه وتعالى جعل لهذا الدين أعداء، فلا تظن، يا عبد الله، وأنت على هذا الحق الأبلج، وأنت على الإسلام، وأنت على استقامة وعلى طاعة وعبادة، أن الدنيا ستفرش لك، لا، يا عبد الله، بل ستجد من ينغص عليك حياتك ومن يعكر مزاجك، بل ربما من يتطاول على أذيتك. جعل ربنا سبحانه وتعالى لهذا الدين أعداء، قد يكون من الداخل، وقد يكون من الخارج، قد يكون من بني جلدتنا، وقد يكون من غير بني جنسنا، قد يكون من إنس وجان، أو من كل كافر خوان. فلا يخلو زمان من حزبين: من حزب الرحمن ومن حزب الشيطان، هذه القاعدة التي ينبغي أن تكون في الأذهان، لابد من الصراع بين الحق والباطل. وأيضا مما يستفيده المسلم، إخواني في الله، من خلال نظره وقراءته لما جرى من قصة موسى مع فرعون، أن نعلم، إخواني في الله، أن الباطل مهما طغى ومهما بغى ومهما افتخر وعلى واستكبر، أن مآله إلى السقوط والاضمحلال والهوان، وإلى التردي والخسران. فلا تغتر، يا عبد الله، إن جعلك ربنا سبحانه وتعالى على منصب أو على هيئة أو قوى عبدك بمال وعشيرة، ثم بعد ذلك تطغى في الأرض بانتهاك حقوق العباد في أموالهم وأعراضهم ودمائهم، فإن الباطل سرعان ما يزول، ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾، دائما وأبدا يكون له الهوان والذل والصغار، فلا تفرح بظلمك والاعتدائك، ولك عبرة بفرعون، وصل به الغرور إلى أن قال: «أنا ربكم الأعلى»، ثم مات خسئا، جعله الله آية وعبرة لكل طاغية. ومما يستفيده المسلم أيضا من قصة موسى مع فرعون، إخواني في الله، أن أهل الإيمان في أي زمان كان وفي أي مكان، مهما ابتلوا بقلة الأعداد أو ضعف العتاد، فإن الله سبحانه وتعالى سيجعل لهم النصر والغلب والتمكين، وسينصرهم الله ولو بعد حين، فلا تستعجب، فأنت صاحب رسالة، أنت صاحب مبدأ، أنت صاحب دين، ربنا سبحانه وتعالى سينصره ولو بعد حين، ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾. ففي كل الأحوال أنت منتصر، فلا تنزعج، يا عبد الله، إن تأخر النصر، لكن سيأتيك، الثبات على الخير الذي أنت فيه. ومما يستفاد كذلك من قصة موسى مع فرعون أن الفرج قريب، مهما اشتدت الأمور وتكالبت عليك الهموم والغموم والخطوب، اعلم بأن فرج الله قريب. فموسى عليه السلام خرج مع قومه من بني إسرائيل من الرجال والنساء ومن الصغار والكبار، خرجوا ليلة حتى لا يعلم بهم أحد، فبينما هم خرجوا إذ وافوا ذلكم البحر الخضم، فالتفتوا فإذا بفرعون مع جيشه العرم، رم سبحان الله، انظر لعظم الشدة، محيط بحر من أمامهم والعدو من خلفهم، أين المفر؟ حتى قال قائلهم: «إنا لمدركون»، الهلاك لا محالة، لا محالة. لكن الواثق بربه الذي قد علق رجاءه وقلبه باطنا وظاهرا بالله عز وجل، كما فعل وكما كان ذلك حال موسى كليم الرحمن، حيث قال: «كلا إن معي ربي سيهدين»، الواثق بالله لا يتزعزع، يعلم أن فرج الله قريب. فكانت آية من آيات الله أن أمره الله عز وجل أن يضرب بعصاه البحر، فانفلق، فأصبح يبس، تخيلوا أنتم أهل بحر، تخيل لهذا البحر خضم، تخيل أنه ينفلق عدة فلق، فلق يكون البحر عن جانبيك يمنة ويسرى، واليابس أمامك، آية من آيات الله يعطيها ربنا لعباده الصالحين. فأخذوا يمشون في اليابس، فلما أراد فرعون ومن معه أن يلحق بهم، فلما تكاملوا دخولا وقوم موسى تكاملوا خروجا، أمر الله بالبحر أن يضطرب عليهم، فأغرقوا جميعا، هكذا يأتيك فرج الله وأنت لا تشعر، «احفظ الله يحفظك»، من كان حافظا لدين الله يحفظك الله عز وجل من كل سوء ومكروه، يجعل لك من كل ضيق مخرجا ومن كل هم فرجا. فالعبر كثيرة والدروس المستفادة، إخواني في الله، عديدة في قصة موسى مع فرعون. الشاهد من ذلك أن نبينا عليه الصلاة والسلام عندما دخل المدينة وجد أن اليهود يصومون يوما، فسأل عليه الصلاة والسلام عن سر هذا اليوم الذي تعظمه اليهود، فقالوا: «هذا يوم عظيم، يوم أنجى الله موسى وقومه وهلك فرعون وملأه، فصامه موسى شكرا، ونحن نصومه». هكذا قالت اليهود: «صام موسى شكرا»، أي صام هذا اليوم شكرا لله ونحن نصومه. وقد علمنا، إخواني في الله، من دروس مستفادة بما يتعلق في فضل الإسلام، وأن من ميزة الإسلام أنه يعتبر من أفضل وأكمل الشرائع، وهذا من هذا الباب، فالشريعة الإسلامية هي الشريعة العظمى والرسالة الكبرى، وهو الذي يعلو ولا يعلى عليه. فما كان لليهود ولا لأمثال اليهود أن يسبق أهل الإسلام بعبادة أو يتميز علينا بعمل صالح، ما كان هذا لهم ولا لغيرهم، فالإسلام يعلو ولا يعلى عليه، فقال نبينا حينها: «نحن أولى بموسى منكم»، نحن أولى بموسى منكم، أنتم من نحن أولى، فصامه وأمر بصيامه عليه الصلاة والسلام. فما من فضيلة إن وجدت في الأديان السابقة فإن تجد مثلها وأعظم منها في الإسلام، فالإسلام هو الذي يعلو ولا يعلى عليه في الرسالة المهيمنة التي حوت على كل الأديان، فيها كل المحاسن والفضائل. وقد مر ذلك معنا، إخواني في الله، في رسالة فضل الإسلام. فأمر نبينا بصيامه، فصامه، والصيام هنا أمر إرشاد واستحباب، كما قال عليه الصلاة والسلام: «صوم يوم عاشوراء لم يكتب عليكم صيامه، فمن شاء فليصمه ومن شاء فليفطر»، لكنه مستحب. وبهذا نعلم، إخواني في الله، وما أجمل أن يكون العبد على هذا الحال، أن الله متى ما وفقك لنعمة أنك تقابل هذه النعمة بعبادة، قابلها بطاعة، انظر لموسى عليه السلام عندما نجاه الله من فرعون، كيف كان الجزاء؟ كان نجاه عبادة، صام. وهكذا فلنكن عبادة الله، ربما يسبغ علينا الرب جل وعلا بكثير من نعمه، مريض طريح الفراش فمن الله عليه بعافية، رجل فقير معدم فمن الله عليه بمال، أو رجل عقيم تأخر عنه الإنجاب فرزقه الله بالذرية، وهكذا، قس مسائل عديدة تقع في معضلة تقع في مشكلة، فيأتي الفرج من عند الله. فهذه النعم، إخواني في الله، بماذا تقابل؟ إقامة حفلة، بإقامة حفلات أو إقامة صحب أو غناء أو رقص، لا، يا عبد الله، قابلها بشكر الله، وأعظم ما يشكر الله جل وعلا بالعبادة، كن صائما، كن قائما، كن ذاكرا لله، بل لها فاعبد وكن من الشاكرين بعبادة الله، واشكر الله بعبادة. وهكذا فليكن جميعا، إخواني في الله، نحن على هذا الحال، ﴿وَلَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾، فإذا كان العبد هذا حاله يقابل نعم الله بإقامة دينه وشرعه، فإن الله سيكثر عليك من نعمه. وهذا اليوم، إخواني في الله، لا يجهل أحد لأنه يوم عظيم، وكذلك له فضل كبير، قال عليه الصلاة والسلام: «صوم يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله»، سنة كاملة، سنة كاملة، ليس يوم بيوم، هو يوم واحد تصومه، لو كان الأمر بالعدل لكان يوم صوم مقابل يوم كفارة، لكن التعامل مع أرحم الراحمين سبحانه وتعالى. فكان جزاء يوم أن يقابل بتكفير سنة، سنة كاملة، وأكثر العلماء يذهب إلى أن التكفير بالصغائر، كما صرح بذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بقوله: «بأن الطهارة والصلاة والصيام وما كان من يوم عرفة وما كان من يوم عاشوراء فإنما تكفر الصغائر فقط»، هكذا صرح، تكفر الصغائر. وما منا من أحد إلا وهو ملطخ في يومه وليله، تصبح على كثير من الصغائر، ذنوب اللسان، ذنوب الأعين والنظر، ذنوب الاستماع والإنصات، أو مد اليد أو الخطو، تخطو إلى أماكن لا يجوز، صغائر تصبح الصباح وما تمسي إلا وقد احترقت بكثرة الذنوب، فربما سجلت عليك على مدار اليوم، فما ظنك بإسبوع؟ فما ظنك بخطايا سنة؟ فيأتي هذا اليوم الوحيد تصومه، يكفر الله جل وعلا عنك خطايا سنة كاملة، لما اكتسبت من آثام من صغائر الذنوب. وللإمام النووي رحمه الله تعالى جمع حسن في هذا الباب، مفاده أنه قال رحمه الله تعالى: «أن صيامها مثل هذه المواسم أنها تكفر الصغائر، فإن لم تكن عندك صغائر مثلا، فإنها تأتي على الكبائر وتخففها»، الكبائر لا تذهب، الكبائر تحتاج إلى توبة، كبائر الذنوب تحتاج إلى توبة توبة عظيمة لها بشروطها. أما الصغائر من غير توبة يكفرها الله، فقال النووي رحمه الله تعالى: «أنه إلا لم تجد هذه الكفارات صغائر، فإن تذهب للكبائر فتخففها، فإن لم تجد لا صغائر ولا كبائر، فإن هذه الكفارة تنقلب إلى حسنات»، سبحان الله، تنقلب إلى حسنات، فضل عظيم. وهذا قد ذكرناه كذلك في فضل الإسلام، من فضل الإسلام على أهله أن الله عز وجل يمن عليهم بنعم دينية ودنيوية في الدنيا وفي الآخرة، ومن ذلك هذه المواسم، موسم أيام معدودة، ساعات قليلة، فيأتيك هذا الأجر العظيم، تذهب عنك الصغائر وتخفف عنك الكبائر، فإن لم يكن لا هذا ولا ذاك وكان قلب حسنات، فالله الله، يا عبد الله، بالعناية مثل هذه المواسم. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.