الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 36، ألقاها
يجوز للمحدث قراءة القرآن بدون طهارة، بينما يحرم على الجنب والحائض القراءة باللفظ. الطهارة مندوبة لقراءة القرآن.
الراجح جواز قراءة القرآن ومس المصحف للحائض والجنب لعدم ثبوت دليل على المنع، واستدلالهم بأن المراد بالمطهرين هم الملائكة.
يجوز للجنب والحائض ذكر أدعية وآيات جاءت في القرآن إذا لم يقصدا قراءة القرآن، مع أن الراجح جواز القراءة ومس المصحف لكن خلاف الأولى.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال أبو يحيى، أبو زكريا يحيى النووي رحمه الله تعالى: قال الإمام أبو زكريا النووي رحمه الله تعالى: فيه فصل في حكم قراءة القرآن بغير طهارة. قال: ويستحب أن يقرأ وهو على طهارة. قال: فإن قرأ محدثا جاز بإجماع المسلمين، والأحاديث فيه كثيرة معروفة، أي مشروعية قراءة القرآن ولو كان القارئ غير متطهر. ومن ذلك ما جاء في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يذكر الله على كل أحيانه. فدل هذا الحديث على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه، فدل على مشروعية قراءة القرآن للمحدث. قال رحمه الله تعالى: قال إمام الحرمين رحمه الله، وهو أبو المعالي الجويني: ولا يقال ارتكب مكروها، بل هو تارك للأفضل. فإن لم يجد الماء تيمم، محدث لم يجد الماء وأراد قراءة القرآن فيستحب له أن يتيمم. واستدل العلماء رحمهم الله تعالى على ذلك بما ثبت أن الرجل سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقضي حاجته، فلما قضى حاجته ضرب بيديه على الحائط ومسح وجهه، أي تيمم، ثم رد عليه السلام. فاستدل به العلماء رحمهم الله تعالى على هذا المعنى، أي على استحباب الذكر، ومنه قراءة القرآن، بل هو أجل لمن كان محدثا ولم يجد الماء أن يتيمم. قال: والمستحاضة في الزمن المحكوم بأنه طهر حكمها حكم المحدث. المستحاضة هي التي ينزل منها الدم على سبيل الفساد، على سبيل المرض. فهو يقول: إذا كان في الزمن المحكوم بأنه طهر كان حكمها حكم المحدث. وأما إذا كان في الوقت الذي حكمها فيه حكم الحيض، سيأتي الكلام عليه. قال: وأما الجنب والحائض، الجنب من كان به جنابة، سواء كان ذكرا أو أنثى، والحائض، فإنه يحرم عليهما قراءة القرآن، سواء كان آية أو أقل منها. ويجوز لهما إجراء القرآن على قلوبهما من غير تلفظ به، أي قراءة نظر، كما يقول من يقول من العلماء: لا قراءة باللفظ. ويجوز لهما النظر في المصحف وإمراره على القلب. وأجمع المسلمون على جواز التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك من الأذكار. الجنب والحائض بمعنى أن القرآن إنما اختص بهذا الوصف، أنه لا يقرأه إلا من كان على طهارة، ولا سيما الجنب والحائض. والصحيح من أقوال العلماء، هذه المسألة ذهب إليها الجماهير من العلماء، والصحيح الراجح من أقوى العلماء رحمهم الله تعالى جواز قراءة القرآن ومس المصحف للحائض والجنب، هذا هو الأظهر، والله أعلى وأعلم. وذلك لعدم ثبوت دليل مما استدل به القائلون بالمنع. لم يثبت عن نبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم المنع. وإنما جاءت في ذلك الأحاديث لا يخلو شيء منها مما قال. وما استدل به من قول الله تبارك وتعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، قال علماء رحمهم الله تعالى: المراد بالمطهرين في الآية إنما هم الملائكة، أي المراد بهم الملائكة وليس المراد بهم البشر. لأن البشر يتطهر، البشر يقال له متطهر، لذا قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾، فالإنسان متطهر، أما الملائكة مطهرون، الملائكة مطهرون طهرهم الله تبارك وتعالى. وأما البشر فيحتاجون إلى تطهير. وما جاءت من أحاديث كما سمعتم، لا يخلو شيء منها مما قال. من ذلك ما جاء في حديث علي رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يمنعه شيء من القرآن إلا أن يكون جنبا». وهذا الحديث في ضعف، الراجح ضعفه. وما جاء من حديث «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يمس القرآن إلا طاهر»، فالصحيح من أقوال العلماء أن الحديث الراجح فيه الإرسال. وعلى القول بثبوته، لأن بعضهم يقول: تلقت الأمة هذا الحديث بالقبول، على القول بثبوته باعتبار هذا التلقي فإنه كذلك لا يناقض الحكم المذكور. إذ معنى الطاهر لا يناقض معنى الطاهر، لا يستفاد منه أن المسلم لا يقرأ القرآن إلا وهو متطهر. ففرق بين الطاهر والمتطهر، فالمسلم طاهر، ولكنهم يحتاجون إلى ماذا؟ إلى تطهر. الدليل على أنه طاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه حينما رأى النبي صلى الله عليه وسلم في بعض سكك المدينة، وكان أبو هريرة جنبا، فإن سل من عند النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أين كنت يا أبا هريرة؟» قال: يا رسول الله كنت جنبا، وكرهت أن أجالسك وأنا على تلك الحالة، أو قالوا: أنا غير طاهر. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «سبحان الله، إن المسلم لا ينجس، إن المسلم لا ينجس»، أي أنه طاهر. والمراد «لا يمس القرآن إلا طاهر» على ثبوت الحديث، كما وجهه من وجهه من العلماء، المراد بهم المشرك، المراد به المشرك، لا يمس القرآن مشرك، لا يمس القرآن مشرك. لأن الله تبارك وتعالى قال في المشركين: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، فالمشركون أنجس، فلا يقرؤون القرآن ولا يمسون القرآن لأنهم على نجاسة، وهي أعظم النجاستين، لأن النجاسة نجاسة معنوية، وهي نجاسة الشرك والكفر، ونجاسة حسية، وهي نجاسة كما يقول فقهاء، ما يحصل للإنسان من نجاسات يطهرها بما تطهر به. الشاهد من هذا أن الحديث على صحته، فالمراد به الكفار. لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم، أو نهى النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث ابن عمر في الصحيح: «أن يسافر بالمصحف إلى أرض العدو». لماذا؟ قال علماء: لأجل هذا المعنى، لأجل أن لا يمسه المشرك، ولأجل أن لا يستهين به أهل الشرك. إذن نخلص من هذه المسألة أن الراجح من أقوى العلماء رحمهم الله تعالى جواز مس المصحف للحائض وللجنب، وكذلك القراءة، قراءة القرآن، إلا أنه كما هو معلوم خلاف الأولى. إلا أنه خلاف الأولى، أما التحريم فيحتاج إلى دليل، التحريم يحتاج إلى دليل. والله أعلى وأعلم. قال النووي رحمه الله تعالى: قال أصحابنا، أي الشافعية: وكذا إذا قال الإنسان: «خذ الكتاب بقوة»، وقصد به غير القرآن، يعني جرى على لسانه ولم يرد به القرآن، قال: فهو جائز. لماذا هو جائز؟ لأنه في هذه الحالة لم يقرأ القرآن، وإنما قرأ أو ذكر شيئا جاء في القرآن بنحوه، فهو ما قصد القراءة وإنما قصد الكلام، قصد الكلام. قال: فهو جائز، وكذا ما أشبهه. قالوا: ويجوز لهما أن يقول، أي الجنب والحائض عند المصيبة: «إن لله وإن إليه راجعون» إذا لم يقصد القراءة. قال أصحابنا الخرسانيون: ويجوز أن يقول عند ركوب الدابة: «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا لهم مقرنين»، وعند الدعاء: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار»، إذا لم يقصد به القرآن. يعني خلاصته أنه إذا قرأ ذكرا أو أدعية وما قصد بها القرآن، فذلك جائز المشروع، وعلى الصحيح جائز مشروع، قصد بها القرآن أم لا. قال إمام الحرمين: فإن قال الجنب: «بسم الله»، أو «الحمد لله»، فإن قصد القراءة عصى، وإن قصد الذكرى أو لم يقصد شيئا لم يأثم. يعني إذا لم يقصد شيئا، أي قرأه جاءت على لسانه ولم يقصد لا القرآن ولم يقصد الذكر، وإنما جرت على لسانه، قال: «بسم الله» أو قال: «الحمد لله»، جرت على لسانه ولم يعين شيئا، لا القرآن ولا الأدعية والأذكار، قال: إذا لم يقصد شيئا لم يأثم. قال: ويجوز لهما قراءة ما نسخت تلاوته، كـ«الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة»، باعتبار أن ما نسخ من القرآن ليس من القرآن الذي يجوز أن تراعى فيه أحكام القرآن. لذا قيل بما قيل. والحاصل كما سمعتم أن الأولى والأفضل أن قارئ القرآن يكون على أكمل هيئة من حيث الطهارة والنظافة والتهيؤ. وأما التحريم، تحريم القراءة على الجنب أو على الحائض، فلا دليل عليه. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.