الدرس في مكفرات الذنوب 4، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
مصافحة المسلم لأخيه عند اللقاء تكفر الذنوب قبل الافتراق، كما ورد في حديث البراء بن عازب. كما أن الحرص على حضور مجالس الذكر والعلم يعد من مكفرات الذنوب لأن الملائكة تحضرها وتستغفر لأهلها.
من يجلس في مجلس ذكر وعلم يُغفر له لبركة مجالستهم حتى لو كان لحاجة دنيوية. المجالس الحقيقية هي مجالس العلم الشرعي لا الأذكار البدعية الجماعية، فيحث المسلم على المواظبة عليها في رمضان وغيره.
مجالس الذكر والعلم هي رياض الجنة تشرح الصدور وتجلب السكينة والرحمة وحضور الملائكة، وطلب العلم طريق موصل إلى الجنة. الجهاد الحقيقي في سبيل إعلاء كلمة الله يعد من أعظم مكفرات الذنوب.
الشهيد يُغفر له كل ذنوبه إلا الدين، وتتحقق المغفرة عند أول قطرة دم كما ورد في الحديث. دعا المتحدث الله أن يرزقه الشهادة في سبيله.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فمن مكفرات الذنوب المدلة عليها الأدلة: المصافحة عند اللقاء. يعني: إذا لاقى الأخ أخاه في الإسلام يصافحه، فإن هذا العمل مع كونه عملًا يسيرًا إلا أن أجره عظيم. فقد جاء في سنن أبي داود، ويحسنه العلامة الألباني، من حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا، إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا». فنحرص على هذا العمل الذي مع كونه سببًا لغفران الذنوب، إلا أن فيه من صفاء القلوب، ومن قوة الأخوة والرابطة الإيمانية، والبعد عن الهجران والشحناء والبغضاء. فالمصافحة تقضي على الأمور التي ربما تكون في القلوب من الشحناء والبغضاء والكراهية، أو إلى غير ذلك. فإذا صافح الأخ أخاه تلاشت هذه الأمور، وحصل ذلكم الأجر للمتصافحين، للمتصافحين. وهكذا من مكفرات الذنوب: الحرص على حضور مجالس الذكر، مجالس العلم. وهذا يدل عليه ما جاء في الصحيح في قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن لله ملائكة سياحة في الأرض يلتمسون حلق الذكر، يلتمسون حلق الذكر. فإذا وجدوا حلقة جلسوا فيها، فيسألهم ربهم، وقبل ذلك يتداعون، يقولون: هلموا إلى حاجتكم». الملائكة تقول بعضها لبعض: «هلموا إلى حاجتكم»، يعني: إلى هذا المجلس. فيجلسون في هذا المجلس، فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: «كيف تركتم عبادي؟» يقولون: «تركناهم وهم يسبحونك، ويحمدونك، ويكبرونك، ويمجدونك» إلى آخر الحديث. ثم في آخر الحديث يقول الله سبحانه وتعالى: «أشهدكم أني قد غفرت لهم، أشهدكم أني قد غفرت لهم». والأعجب من ذلك أن الملائكة تقول: «يا رب، فيهم فلان ليس منهم، ليس هو يعني من أهل مجالس الذكر، وإنما جاء لحاجة، يريد شخص معين أو يريد أمر معين، فجاء وجلس من أجل هذه الحاجة». فيقول الله عز وجل: «هم القوم لا يشقى بهم جليسهم». يعني: حتى هذا الذي جاء لحاجة، طالما أنه في مجالس هؤلاء الذاكرين الله فهو معهم في مغفرة الذنوب، فيغفر له ذنبه، فيغفر له ذنبه. فهذا فيه حث على حضور مجالس الذكر. لا تقل: أخي، أنا لست طالب علم، وأنا ما أستفيد تلك الفائدة. يا أخي، ثمرات مجالس العلم كثيرة. إن استفدت كلمة أو كلمتين، خير لك من أن تجلس في شارع، أو في مقهى، أو في بيت هكذا دون أي فائدة، ولا يعني استغلال لوقت ولا شيء. فتجلس وتجني ثمار مجالس العلم. فمن ثمار مجالس العلم ما تقدم، وهو ماذا؟ أن الله عز وجل يغفر لأولئك الجالسين الذاكرين الله كثيرًا، والذاكرات. يتذاكرون العلم، يحمدون الله، يسبحون الله، يصلون على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهكذا يتفقهون في دين الله عز وجل، يتلون آيات الله. كل ذلك من ذكر الله. لا تظن أن المراد بذكر الله أن تجلس في مجلس وتحدث من الأذكار البدعية: التسبيح الجماعي، أو التحميد الجماعي، أو الأذكار الجماعية. ولذلك يقول الإمام النووي: مجلس ذكر، مجلس علم. مجلس ذكر المراد به مجلس علم؛ لأن في هذا المجلس يذكر الله، يعظم الله، يدرس في هذا المجلس إجلال الله وعظمة الله وأسماء الله وصفاته، وهكذا أحكام الله وشرع الله. فلا شك أن هذا من أعظم ذكر الله سبحانه وتعالى. فاحرص أخي المسلم على المحافظة على مجالس الذكر ما استطعت إلى ذلك سبيلًا. ولا تظن أن مجالس الذكر إنما هي في رمضان فحسب، وإنما في رمضان وفي غير رمضان. تحرص على ما يسر الله عز وجل لك من هذه المجالس المباركة الطيبة: مجالس الذكر، ومجالس العلم، ومجالس الفقه في دين الله سبحانه وتعالى. هذا إحدى ثمار هذه المجالس، وإلا فثمار مجالس العلم كثيرة وكثيرة. منها: انشراح الصدر. قال عليه الصلاة والسلام كما في حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا». قيل: وما رياض الجنة يا رسول الله؟ قال: «حلق الذكر، حلق الذكر». سماها النبي عليه الصلاة والسلام رياض الجنة؛ لأن القلب ينشرح عندما يرى الرياض، ويرى تلك البهجة من اخضرار الأشجار ومن كثرة الثمار. وهكذا هذه المجالس، فإن المؤمن يجني في هذه المجالس العلم النافع الموصل إلى العمل الصالح الموصل إلى جنة الله سبحانه وتعالى. ولذلك قال عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي هريرة: «ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة». فجعل النبي عليه الصلاة والسلام طريق العلم طريقًا إلى الوصول إلى جنة الله سبحانه وتعالى. فثمار مجالس العلم كثيرة. وما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عندهم. فوائد وثمرات كثيرة وكثيرة، وليس هذا المقام مقام تعدادها وحصرها، وإنما من باب التذكير والحث. وهكذا من مكفرات الذنوب: الجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى، من أجل إعلا كلمة الله. لا ما يسمى جهادًا ويقتل فيه أهل الإسلام، من يقول: لا إله إلا الله، ويصلي ويصوم ويعبد الله سبحانه وتعالى. إنما المراد بالجهاد: جهاد الأعداء، جهاد الكفار، جهاد المحاربين لدين الله سبحانه وتعالى، من أجل إعلاء كلمة الله. فمن فعل ذلك واستشهد في سبيل الله، فهذا من أعظم أسباب غفران الذنوب. جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «يغفر الله للشهيد كل ذنب، يغفر الله للشهيد كل ذنب، إلا الدين، إلا الدين». وجاء كذلك في الحديث الآخر أنه يغفر للشهيد عند أول قطرة من دمه، عند أول قطرة من دمه. فنسأل الله عز وجل أن يرزقنا الشهادة في سبيله، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وإلى هنا، والحمد لله رب العالمين.