الدرس في التعليق على حاشية الدمياطي 26، ألقاها
النص هو اللفظ الذي لا يحتمل إلا معنى واحدًا، بينما الظاهر يحتمل معنيين أحدهما أظهر. التأويل هو صرف اللفظ من المعنى الظاهر إلى معنى آخر محتمل مرجوح بدليل.
التأويل ثلاثة أنواع: صحيح، وفاسد، ولعبي. التأويل الصحيح هو ما دل دليل على صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى مرجوح محتمل.
أفعال النبي صلى الله عليه وسلم إما أن تكون على وجه القربة والطاعة أو لا، وتنقسم إلى أفعال مجردة تعتبر مستحبة وأفعال واجبة تكون بيانًا لواجب.
بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف رحمه الله تعالى: أن الصمال لا يحتمل إلا معنى واحدًا، كـ "زيد" في نحو "رأيت زيدًا". وقيل: ما تأويله تنزيله؟ نحو "فصيام ثلاثة أيام"، فإنه بمجرد ما ينزل يفهم معناه. قال صاحب الحاجة: وهو مشتق من منصة العروس، من منصة العروس، كسر الميم، منصة، وهو الكرسي لارتفاعه على غيره، بفهم معناه من غير توقف. قال صاحب الحاجة: طوله كـ "زيد" في نحو "رأيت زيدًا" فيه نظر، فإن بعضهم جوز المجاز في الأعلام وإن لم تشتهر بصفة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم قال رحمه الله: النص ما لا يحتمل إلا معنى واحدًا. وتقدم معنا أن النص هو هذا الذي ذكره الإمام الجويني رحمه الله، ومثل عليه كـ "زيد" في قوله: "كزيد في نحو رأيت زيدًا". فإذا قال إنسان: "رأيت زيدًا"، فلا يتبادر إلى الذهن إلا زيد، فهو شيء معلوم لا يحتاج إلى توقف ولا إلى استظهار، مجرد أن يسمعه الإنسان يعرف المعنى المقصود دون شك. قال رحمه الله تعالى: وقيل أي معنى النص ما تأويله تنزيله؟ المعنى الأول: النص ما لا يحتمل إلا معنى واحدًا. قال: وقيل ما تأويله تنزيله؟ هذا معنى آخر. ومعنى تأويله تنزيله: أنه بمجرد أن يسمعه السامع يفهم المقصود والمراد. قال: نحو "فصيام ثلاثة أيام"، هذا نص. هل يأتي إنسان إذا سمع قول الله جل وعلا: "فصيامه ثلاثة أيام"، يقول: يحتمل أن تكون أربعة أو خمسة أيام؟ الأظهر أنها ثلاثة أيام، أو بمجرد أن يسمعها يعلم أنها ثلاثة أيام. فهذا هو النص، بمجرد أن تسمعه يكون مفهومًا. قال: لذا كان السلف الصالح رضي الله عنهم ورحمهم الله في آيات الصفات يقولون: تنزيله، تأويله، أي يفهم معناها من مجرد سماعها. وهذا يدلنا على أن آيات الصفات عند السلف من باب النص، لا من باب الظاهر ولا من باب المتشابه كما يزعم المبتدعة الذين يدخلون باب الصفات في باب المتشابه. قال: بل هو من باب النص، لذا كما سمعتم السلف بمجرد أن يسمعوا يقولون: أمروها كما جاءت، تفسيرها أو تأويلها، تأويلها: مجرد سماعها. أي: بعضهم يقول: تلاوتها، تفسيرها، تلاوتها، تأويلها: أي بمجرد أن تتلوها، بمجرد أن تسمعها. مثل قول الله عز وجل: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾، وقول الله جل وعلا: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، إلى غير ذلك من آيات الصفات. بمجرد أن يسمعها السامع ذو الفطرة السليمة التي لم تتلوث بمذهب المتكلمين، يعلم المعنى. قال: فإنه بمجرد ما ينزل يفهم معناه، أي: النص. قال: وهو مشتق من منصة العروس، ومنصة العروس كما سيأتي معناه: المكان الذي تنص فيه العروس، أي: الكرسي الذي تنص فيه العروس. قال: قوله "تنزيله": أن يحصل بمجرد نزوله وسماعه، فهو لكونه مع التنزيل كأنه هو، يعني: بمجرد السماع يعلم المعنى المقصود. قال: قوله "وهو مشتق" أي: مأخوذ، وليس المراد الاشتقاق النحوي. أي: في قول الجويني رحمه الله: "وهو مشتق من منصة العروس"، وهو الكرسي، هذا التعبير من الجويني رحمه الله تعالى اعترضه بعضهم، بأن هذا ليس باشتقاق، إذ المصدر لا يشتق من غيره، بل غيره يشتق منه. قال: فالمنصة مشتقة من "النص"، والنص في اللغة هو الشيء المرتفع. فإذا ظهرت دلالة اللفظ على معنى كما كان، كان كذلك في معنى رفعته على غيره. فقولهم: "منصة العروس" والكرسي لارتفاعه على غيره، فهو مأخوذ من المعنى اللغوي. قال: قوله "منصة" بكسر الميم، وهو "مفعلة"، وهو من أسماء الآلات، وأسماء الآلات تكسر أولها. قال: قوله "وهو" أي: المنصة، وذكر باعتبار الخبر، أي: في قوله "وهو" يعني: قال "منصة العروس وهو"، لماذا ما قال: "وهي"؟ مع أن المنصة مؤنث، لماذا قال: "وهو"؟ يقول: ذكر باعتبار الخبر. قال: قوله "الكرسي" أي: الذي تنص العروس عليه، أي: ترفع لتظهر للناظرين. قوله "أظهر من الآخر" أي: لكونه المنصة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: والظاهر ما احتمل أمرين أحدهما أظهر من الآخر، كالأسد في "رأيت اليوم أسدًا"، فإنه ظاهر في الحيوان المفترس، لأنه المعنى الحقيقي، محتمل للرجل الشجاع بدله. فإن حمل اللفظ على المعنى الآخر يسمى مؤولًا، وإنما يؤول بالدليل. قال: ويؤول الظاهر بالدليل، ويسمى ظاهرا بالدليل. أي: كما يسمى مؤولًا. ومنه قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾، ظاهره جمع "يد"، وذلك محال في حق الله تعالى، وصرف إلى معنى القوة بالدليل العقلي القاطع. قال: قوله رحمه الله تعالى: والظاهر، هذه كذلك من دلالات الألفاظ على المعاني. قال: والظاهر محتمل أمرين أحدهما أظهر من الآخر. كما مر معنا أن الألفاظ يفهم منها معان، والمعاني هذه إما أن تكون بالنص، بحيث لا يفهم من ذلك اللفظ غير معنى واحد، وإما أن يكون ذلك اللفظ يفهم منه أكثر من معنى، ولكن أحد المعنيين أظهر من الآخر. فالظاهر يسمى ظاهرا، وضده يسمى مؤولًا. ومثل على ذلك كما ذكر رحمه الله تعالى، قال: كالأسد في "رأيت اليوم أسدًا"، فإنه يفهم في ظاهره على ما ذعل الأسد، الحيوان المفترس. وإذا أريد به أو فهم منه معنى الرجل الشجاع، هل يكون بالظاهر أو بخلاف الظاهر؟ قال: "رأيت اليوم أسدًا" يفهم ظاهرًا أنه الأسد، الحيوان المفترس، ويحتمل أن يكون الرجل الشجاع، فهو محتمل لأمرين، لكن أيهما أظهر؟ الحيوان المفترس واضح. فالأول يسمى ظاهرا، والثاني يسمى مؤولًا. قال: فإنه ظاهر في الحيوان المفترس، لأنه المعنى الحقيقي، محتمل للرجل الشجاع بدله، أي: بدل الأسد في الشجاعة. فإن حمل اللفظ على المعنى الآخر، أي: عن المعنى المرجوح، يسمى مؤولًا. وإنما يؤول بالدليل، كما قال: ويؤول الظاهر بالدليل، ويسمى ظاهرا بالدليل. قال: وهذا الدليل كما يقول علماء رحمهم الله تعالى: هذا الدليل على ثلاثة أقسام، أي: الدليل الذي يصرف به الظاهر عن ظاهره. الأول: الدليل الصحيح، الذي به يصح صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر. قال: كأن يكون الدليل جاء به النص من كتاب الله جل وعلا، أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أو كذلك يمنعه العقل الصحيح الموافق للنقل الصحيح، أو كذلك الحس يمنعه. فمثل هذا يكون دليه دليلا صحيحًا لإخراج الظاهر عن ظاهره. قال: وأما هذا الأول، هذا الأول وهو ما يسميه الأصوليون بالتأويل الصحيح، التأويل الصحيح الذي دليله صحيح. القسم الثاني من أنواع الأدلة أو الصوارف التي تصرف الظاهر عن ظاهره: أن يكون الدليل في نظر الناظر أنه صحيح، وليس كذلك في نفس الأمر. كأن يكون ذلك الدليل له وجه من اللغة، وإن كان وضعه في هذا المقام لا يتناسب مع إخراج الظاهر عن ظاهره. قال: وهذا كثير، وهو كما يقال: الساحة التي دخلت فيها المبتدعة، وتكلمت فيها في آيات الصفات. فتجد بعض المبتدعة يقول: "وجاء ربك" يقول: هذا الظاهر غير مراد، مؤول. ما المعنى؟ يقول: "وجاء أمر ربك". تأويل، لكن هل هو تأويل صحيح؟ الجواب: ليس بصحيح. قال: لذا سمى العلماء الأشاعرة بأنهم مؤولة، لأجل هذا المعنى. ولولا أنهم مانعوا التأويل لكفروا، لأنهم ردوا النصوص عن حقائقها وظواهرها. لكن كان هذا المانع مانعًا من تكثيرهم. الطائفة الثالثة أو التأويل أو المخرج للظاهر عن ظاهره: قرين ثالثة، أو دليل ثالث، وهو ما يسميه العلماء لعبًا، إخراج الظاهر عن ظاهره بغير دليل، أو بدليل بعيد عن الحق. قال: حتى إن الناظر إلى ذلك الدليل يعلم أنه لعب، أي: لعب بكتاب الله جل وعلا، أو بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما فعلت الجهمية في آيات الصفات، وكما فعلت الرافضة كذلك في كتاب الله جل وعلا، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. مثل قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾، قالوا: "عائشة أين البقرة؟" هل هناك دليل، قرينة؟ ما هناك دليل، ولا قرينة، وإنما هو محض اللعب والافتراء على كلام الله جل وعلا. قال: لذا هذا النوع من التأويل من استعمله واستخدمه، فهو كافر بالله جل وعلا، لماذا؟ لأنه يلعب بكتاب الله جل وعلا. والله جل وعلا يقول: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. قال: فهذه مراتب الأدلة الثلاثة. فإذا كان الدليل صحيحًا، كان التأويل صحيحًا. وإذا كان فاسدًا، كان فاسدًا. وإذا كان لعبًا، كان لعبًا. قال: قوله رحمه الله تعالى: "أي كما يسمى مؤولًا". ومنه قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾، ظاهره جمع "يد"، وذلك محال في حق الله تعالى. ليس بمحال في حق الله تعالى، محال عند الأشاعرة الذين قد تلوثت عقولهم وفطرهم بعلم الكلام. قال: أما عند السلاف، فإنهم يثبتون لله جل وعلا ما أثبته لنفسه من نصوص الصفات. ودلت أدلة الكتاب والسنة على إثبات اليدين لله رب العالمين جل وعلا. قال: كما قال الله جل وعلا: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾، وكما قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، وكذلك أدلة كثيرة تدل على هذا المعنى. قال: ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم: "كلتا يديه يمين مباركة". وقال الله جل وعلا: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾. قال: فأثبت القبض، وأثبت كذلك الطي، وأنها بيمينه. فهذه نصوص متنوعة مختلفة تدل على إثبات صفة اليدين لله جل وعلا. فليست بمحال. قال: محال عند من انتكست فطرهم وعقولهم. فقولهم "محال" ليس بمحال. فقوله رحمه الله تعالى: "وذلك محال في حق الله تعالى"، فصرف إلى معنى القوة بالدليل العقلي القاطع. قال: يقال: ليس هناك دليل عقلي قاطع. ولكن كما قال العلماء رحمهم الله تعالى: أن "أيد" في قول الله جل وعلا: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾، بخلاف "أيدي"، الأيدي: هي الأيدي الحقيقية. أما "الأيد" في اللغة: هي بمعنى القوة. قال: وعلى هذا تكون الآية على بابها، ليس فيها تأويل. قال صاحب الحاشية: قوله "أظهر من الآخر" أي: لكونه الموضوع له، أو لغلبة العرف بالاستعمال فيه. قال: يعني: أي لكونه الموضوع له، أي: أن اللفظ وضع لذلك، فصار ظاهرا باعتبار الوضع. قال: أو لغلبة العرف بالاستعمال فيه، بمعنى أن أكثر الاستعمال هذا اللفظ بهذا المعنى. فإذا أطلق اللفظ، استعمل على ما كان أكثر في الاستعمال. قال: قوله "سمي مؤولًا"، فالظاهر هو المستعمل في أظهر معنييه، والمؤول هو المستعمل في مرجوحهما. قال: قوله "منه" أي: من الظاهر، المؤول بالدليل، أي: ما ذكره من مثال. وتقدم الكلام عليه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: الأفعال، هذه ترجمة أي: ترجمة ذكرها الجويني رحمه الله تعالى بين يدي هذه المباحث الآتي ذكرها. قال: "فعل صاحب الشريعة" يعني: النبي صلى الله عليه وسلم، لا يخلو إما أن يكون على وجه القربة والطاعة، أو لا يكون. فإن كان على وجه القربة والطاعة، فإن دل دليل على الاختصاص به، يحمل على الاختصاص. قال: كزيادة في النكاح على أربع، نصرة. وإن لم يدل دليل على الاختصاص، فإنه لا يخص به، لأن الله تعالى قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. قال: فيحمل على الوجوب عند بعض أصحابنا في حقه وحقنا، لأنه الأحوط. ومن أصحابنا من قال: يحمل على الندب، لأنه المحقق بعد الطلب. ومنهم من قال: يتوقف فيه لتعارض الأدلة في ذلك. قال: وقوله رحمه الله تعالى: "الأفعال" أي: أفعال النبي صلى الله عليه وسلم. وهو بعد أن فرغ من الكلام على الألفاظ، ويدخل فيها ألفاظ أو الكلام، كلام الله جل وعلا، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، انتقل إلى أفعال النبي صلى الله عليه وسلم، وما هي أحكامها. قال: وقوله "وفعل صاحب الشريعة" صاحب الشريعة يعني: النبي صلى الله عليه وسلم، أي: باعتبار التبليغ، باعتبار التبليغ. وإلا الشريعة فإنها من الله، الشريعة فإنها من الله. قال: قال الله جل وعلا: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾، جعلنا من هو الذي جعل الشرعة والمنهاج؟ هو الله رب العالمين جل وعلا. فربنا تبارك وتعالى هو الذي يشرع، وهو الذي ينزل الشرائع. قال: وأنبياؤه هم المبلغون عن الله رب العالمين جل وعلا. قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾، ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾، ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَبَشِّرْ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مبلغ عن ربه. قال: بل لفظ "الرسول" تدل على هذا المعنى، كونه رسولًا، أي: مرسلًا من ربه جل وعلا، مرسلًا بما؟ برسالة، الرسالة ممن؟ من الله رب العالمين جل وعلا. قال: قوله رحمه الله: "لا يخلو" إما أن يكون على وجه القربة والطاعة، أو لا يكون. فإن كان على وجه القربة والطاعة، فإن دل دليل على الاختصاص به، يحمل على الاختصاص. قال: إذا دل دليل أي: إذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم قربة وطاعة، ينظر هل فعلها على وجه الاختصاص؟ يقول: فإن دل دليل على أنه على وجه الاختصاص. قال: كزيادة في النكاح على أربع نسوة، فهذا خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وإن لم يدل دليل على الاختصاص، لا يخص به. فإن دل دليل على الاختصاص به، يحمل على الاختصاص. وإن لم يدل دليل على الاختصاص، لا يخص به. قال: لأن الله تعالى قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. ومعنى هذا: أن ما جاء في الشارع من أفعاله صلى الله عليه وسلم، ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم على وجه القربة، لا يخل من حالين. قال: الحال الأولى: أن يدل الدليل على أنه من خصائصه، هذا يبقى على أنه من خصائصه. الحالة الثانية: أن لا يدل الدليل على أنه من خصائصه، فمثل هذا ما الحكم فيه؟ قال: فيحمل على الوجوب عند بعض أصحابنا في حقه وحقنا، أي: ما فعله يكون واجبًا عليه، وواجبًا علينا. واجبًا عليه صلى الله عليه وسلم، وواجبًا علينا. قال: لأنه الأحوط. قال: ومن أصحابنا من قال: يحمل على الندب، لأنه المحقق بعد الطلب. ومنهم من قال: يتوقف فيه لتعارض الأدلة فيه. أي: بين الاستحباب وبين الوجوب. قال: والأظهر والله أعلى وأعلم: التفصيل. وهو أن يقال: بأن أفعاله صلى الله عليه وسلم المجردة التي هي على سبيل القربة، الأصل فيها أنها على سبيل الاستحباب. قال: لقول الله تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾. فأفعاله صلى الله عليه وسلم بهذا الاعتبار: مستحبة. قال: فمن فعل أجر، ومن لم يفعل لا شيء عليه. الصورة الثانية: أن يكون فعله صلى الله عليه وسلم بيانًا لواجب، كقول الله جل وعلا، وكقول النبي صلى الله عليه وسلم: "خذوا عني مناسككم"، أمر. قال: وقوله صلى الله عليه وسلم: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، أفعل الصلاة، وأفعل الحج، بيانًا لواجب. وما كان بيانًا لواجب، فهو واجب. قال: فتقال: أفعاله صلى الله عليه وسلم التي على سبيل التعبد والتقرب على حالتين، أو على قسمين: مجردة، فالأصل فيها الاستحباب. وبيان لواجب، فهو واجب. قال: وسبحانك الله بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.