شرح ٣٣ حديثا لأبي القاسم البغوي 4

الدرس في شرح ٣٣ حديثا لأبي القاسم البغوي 4، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

الرزق مكتوب ومقدر والحث على التؤدة في طلبه بالطاعة

يؤكد الدرس أن رزق كل نفس مقدر ومكتوب لا يتغير بالحرص أو الكسل، ويستشهد بأحاديث صحيحة تدل على استكمال الرزق والأجل. ويحث على التوكل على الله والصبر كما فعل الطير والأنبياء، محذراً من طلب الرزق بالمعصية.

التوكل على الله في الرزق والكسب الحلال

يوضح أن التوكل الصادق يجلب الرزق كما يرزق الطير ومريم، ويبين أن الكسب الحلال يتم بطاعة الله والتوازن بين الدنيا والآخرة. ويحذر من المكاسب المحرمة ك الربا والمخدرات التي تبعد عن بركة الرزق.

التوازن بين طلب الرزق وطاعة الله وقدر الرزق

يشير إلى أن الأنبياء عملوا بأيديهم وأن العمل مشروع بشرط عدم إشغاله عن الفرائض، فالرزق مقسوم لا يزيده حرص ولا ينقصه كسل. ويدعو المسلم للاقتصاد في طلب الدنيا وأداء الواجبات مع تقوى الله.

الدعاء الختامي وخاتمة الدرس

يختتم المتحدث بدعاء جامع يسأل الله التوفيق والسداد والهداية والرزق، ويختم بالحمد لله رب العالمين مع الإشارة إلى إعداد الترجمة من قبل نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد، قال الإمام البغوي رحمه الله: حدثنا داود بن رشيد، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن ابن جريج، عن ابن زبير، عن جابر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا أيها الناس، إن أحدكم لن يموت حتى يستكمل رزقه، فلا تستبطئوا الرزق، اتقوا الله يا أيها الناس، وأجملوا في الطلب، خذوا ما حل، ودعوا ما حرم». وهذا الحديث بهذا الإسناد الذي ذكره المؤلف رحمه الله ضعيف؛ بسبب عنعنة الوليد بن مسلم، وكذلك عنعنة أبي الزبير فيه عن جابر، وكذلك عنعنة ابن جريج، وهم فيهم تدليس. ولكن هذا الحديث قد جاءت جمل منه في أحاديث أخر عن صحابة آخرين، والأحاديث صحيحة، فمعنى الحديث -وإن كان سنده ضعيفًا- لكن معناه صحيح. فقد جاء من حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «أجمل في طلب الدنيا، فإن كلاً ميسر لما خلق له». وهذا الحديث قد صححه العلامة الألباني في الصحيحة برقم ثمانمائة وثمانية وتسعين، وهي جملة موجودة في الحديث الذي ذكره البغوي: «وأجملوا في الطلب». وفي هذا يقول عليه الصلاة والسلام: «أجمل في طلب الدنيا». ثم الحديث الآخر أيضًا من حديث أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن روح القدس قد نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإن الله تعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته». رواه أبو نعيم، وهو في صحيح الجامع للعلامة الألباني رحمه الله. فهذان الحديثان صحيحان، فيشهدان لهذا الحديث الضعيف بالإسناد الذي ذكره البغوي. وفيه أن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن كل نفس قد كتب الله عز وجل لها رزقها كما كتب أجلها، ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾، وأنه لن يموت أحد حتى يستكمل الرزق كما يستكمل الأجل، ولو كان في آخر رمق عند الاحتضار، لو له رزق سيأتيه قبل أن يموت، سواء شرب ماء، أو شرب لبن، أو أكل من الأكلات، أو نحو ذلك. فهذا مما ينبغي أن يعتقده المسلم: أن الرزق مكتوب. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام حثنا وحضنا على أن نطلبه بطاعة الله، ولا نستعجل؛ لأنه سيأتيك، سيأتيك، ولو كنت في بطن الحوت، كما رزق يونس عليه السلام وهو في بطن الحوت. وهكذا الحيوانات الأخرى التي تعيش في الجحور، ويسر الله عز وجل لها رزقها، والطيوب بأشكالها، والحيتان في الماء بأنواعها، الكل يأكل من رزق الله سبحانه وتعالى، والكل قد قسم الله عز وجل له رزقه. فإذا ينبغي علينا أن نجمل في الطلب، والإجمال أن لا نلهث ولا نسرع، بل نطلبه بطاعة الله سبحانه وتعالى وبتؤدة. فإنك مهما بذلت، ومهما سعيت، ومهما كددت، فإنك لن تحصل في يومك وليلتك وشهرك وسنتك، بل وعمرك، إلا ما كتب لك. ولهذا لا تضيع الوقت فيما لا فائدة فيه، لأن بعض الناس يظن أنه إذا اشتغل كثيرًا حصل كثيرًا، وإذا اشتغل قليلاً حصل قليلاً، وهذا خطأ. قد كان من أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام من هو مشغول بأمر الدعوة، ومشغول بأمر الرسالة وتبليغها للناس، وربما يجلس الأيام والليالي وهو لا يعمل، وهو لا يعمل يعني لا يكتسب لرزقه، لكنه يعلم أن الله عز وجل سيرزقه. والنبي عليه الصلاة والسلام قد قال: «وجعل رزقي تحت ظل رمحي». وقد كان يمر الشهر، أو الهلال والهلال والهلال، وما يوقد في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم نار. وهل مات عليه الصلاة والسلام في ثلاثة أشهر؟ قال عروة: يا خالة، ما كان طعامكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء، التمر والماء. وكان ربما يعصبه عليه الصلاة والسلام على بطنه الحجر والحجرين من شدة الجوع، ويعلم أمته الصبر، أن يصبروا على الفقر والفاقة، لكن أن يكونوا شاكرين وحامدين لله سبحانه وتعالى. فهكذا ينبغي أن يكون المؤمن: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا». فانظر إلى الطير في الصباح وفي المساء، تغدو تذهب لما يسره الله عز وجل لها من الأرزاق، خماص البطون، خالية البطون، ثم ترجع وهي ملأى البطون، لأنها توكلت على الله سبحانه وتعالى. فنحن لو توكلنا على الله عز وجل حق توكله لرزقنا كما يرزق الطير. وانظروا إلى مريم عليها السلام، لما يدخل عليها زكريا المحراب يجد عندها رزقًا. هل كانت مريم تذهب تشتغل عليها السلام؟ لا، وإنما يسره الله عز وجل لها. قال: «يا مريم، أنى لك هذا؟» قالت: «هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب». إن الله يرزق من يشاء بغير حساب. يقول الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى عند حديث: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله»، وفي جامع العلوم والحكم: «الرزق يأتي، قد يكون بسبب، وبدون سبب». يعني هذا من الله عز وجل، يرزق من يشاء بغير حساب. يعني أناس ما يعملون لأسباب، وليس هذا قدح فيهم، بل لقوة إيمانهم وتوكلهم. ربما ما يعمل، يجلس، لكنه مشغول بأمور عظيمة قد وكل إليها، إما من الدعوة، وإما من العبادة، وإما من غير ذلك، ويراها خيرًا له في الدنيا والآخرة، فيأتي الله له بالرزق من حيث لا يشعر. ولهذا ينبغي أن تكون هم المسلم الآخرة. ولهذا من كانت همه الآخرة، كما في الأحاديث المتكاثرة، جمع الله له شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة. يعني الشخص عندما يعلم هذه الأحاديث يكون قلبه متيقنًا أن الله عز وجل سيرزقه إذا عمل بطاعته. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته». لا ينال بالمعاصية، لأن بعض الناس قد يظن أن هذا رزق سريع، فيذهب يعمل المعاصي، يعني مثل الربا عياذًا بالله، فيذهب ويرابي، أو يعمل في تلك البورصات سريعة الربح، أو يعمل في تلك الأماكن المشبوهة: مخدرات، تجارة أسلحة، وتهريب، وغير ذلك. وهكذا أيضًا الرشوة، يظن أن هذه التي فيها معاصي الله سبحانه وتعالى أن ربحها سريع وقريب، وما يدري أن البركة ربما تأتيك الرزق فتمحق منه البركة. بل أخبرت أن بعض الصيادين يذهب إلى السحرة والمشعوذين ليعملوا الصرف من أجل السمك، من أجل أن يأتيه رزق، ولكنه يعمله بمعصية الله جل وعلا. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «اتقوا الله وأجملوا في الطلب، فإنما عند الله لا ينال بمعصيته». ما ينال ما عند الله بمعصيته، وإنما ينال بطاعته. فكلما تقربت إلى الله، وكان همك الآخرة، كلما رزقت من حيث لا تحتسب، رزقت من حيث لا تحتسب، يأتيك آتٍ، وييسرك الله عز وجل عبر هذا الشخص رزقك، وأنت منشغل بطاعة الله. فأيهما خير؟ هذا الذي عمل بطاعة الله جل وعلا، وانتظر فضل الله سبحانه وتعالى، وما ييسره الله عز وجل له، هو أفضل؛ لأنه انشغل بعبادة الله بطاعته، وما ضيع وقته. والكل راجع إلى الله سبحانه وتعالى، والكل ميت. لهذا الحديث عظيم، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «اتقوا الله وأجملوا في الطلب». لا تكونوا من همكين مشغولين، كل دنيا، دنيا، دنيا، دنيا. وإنما خذ من الدنيا ما تيسر، لا تنسَ نصيبك من الدنيا، كما قال أولئك الأقوام لقارون لما جمع تلك الأموال، قالوا له: «أحسن كما أحسن الله إليك، ولا تبغِ الفساد في الأرض، ولا تنسَ نصيبك من الدنيا». أحسن كما أحسن الله إليك. إذن هؤلاء ذكروه بنعمة الله، وأن هذا المال من الله سبحانه وتعالى، وينبغي أن تحسن فيه، ولا تنسَ نصيبك من الدنيا. خذ منها، أي من الدنيا، ما يبلغك إلى الله سبحانه وتعالى. إن رزقت خيرًا كثيرًا ومالًا وفيرًا، فعليك أن تعمل فيه بطاعة الله سبحانه وتعالى، ولا تكون منهمكًا كل الانهماك، ومنشغلًا كل الانشغال، بحيث تضيع الحقوق، وتضيع الواجبات، وتضيع الفرائض، بسبب الدنيا. فتعمل المعاصي وما حرم الله سبحانه وتعالى لأجل الدنيا، فتخسر دنياك وتخسر آخرتك، وربما لا ينالك شيء من ذلك، يعني لا ينالك حتى شيء من هذا الرزق الذي طلبته بمعصية الله عز وجل. لكن أنت في خير إن كنت طلبت الرزق من حله، كما في هذا: «خذوا ما حل، ودعوا ما حرم». فتأتي إلى المال من طرقه المشروعة، من الكسب الحلال، من التجارة. وهذا ليس فيه عيب، لأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم قد كانوا يطلبون الرزق ويسعون. بل أنبياء الله عز وجل أيضًا كذلك كانوا يعملون: داود كان نجارًا، ونبينا صلى الله عليه وسلم راعي الغنم، وقد خرج في تجارة لخديجة رضي الله عنها. وهكذا العمل ما هو عيب، لكن أن تجعل العمل هو الذي يطغى عليك، يطغى على وقتك، ويصرفك عن طاعة الله، تجلس تسمع الأذان والصلوات تقام ولا تقبل على طاعة الله سبحانه وتعالى، وتظن أن الوقت هذا الذي هو ربع ساعة جاء فيه زبائن في المحل أو نحو ذلك، عندك أن هذا الآن هو وقته، يعني وقت هذا الرزق الوفير، قد استدرجك الله سبحانه وتعالى، ينظر سبحانه وتعالى: أ تطيعه أم ماذا؟ أم تطيع هواك وتظل في تلك الأمور التي لا تنفعك في أخراك؟ فتظن أن الأمر سريع، وأن الربحة كثيرة في هذه الأوقات، فأنت خاسر. لهذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «اعلموا أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها». سواء كان هذا الرزق قليلاً يسر لك في يومك وليلتك وشهرك وسنتك، فقد يكون تارة تنعم برزق كثير، وتارة قليلاً، وتارة لا شيء. كل هذا هو ما كتب لك في حياتك الدنيا، وفي صحيفتك. كل إنسان قد كتب الله عز وجل له رزقه، إن كان كثيرًا، وإن كان قليلاً، وإن كان حتى في يومه وليلته لم يكسب شيئًا من المال، لم يكسب شيئًا من المال، لكنه يتقلب في نعم الله سبحانه وتعالى الأخرى. لهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من بات آمنًا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فقد حيزت له الدنيا بحذافيرها». وما الدنيا إلا أن تكون آمنًا مطمئنًا، وأن تكون كذلك في يومك وليلتك، معك قوتك، سواء كان وجبة أو كان وجبتين. ما يشترط أن كل وجبة تكون مفخة، يعني فيها كل الأصناف من الفواكه أو لحم أو دجاج أو كذا. هذا ما يشترط. هي لقمة ستدخل، وكما قيل: أنت وغيرك يأكلون، والمخرج واحد. وقد بين النبي عليه الصلاة والسلام لحقارة الدنيا، وضرب لها مثلًا، قال: «إن طعام ابن آدم قد ضرب مثلًا للدنيا، وإن قزحه وملحه، فانظر إلى ما يصير». يعني من طرح له التوابل، قزحه وملحه، القزح معناه حط له البهارات والتوابل. وإن من لحه، قال: «فانظر إلى ما يصير». أنت تأكل تفاحًا مثلًا، وذاك يأكل ليمونًا مثلًا، شيء أو موز أو غيرها، أو لا يأكل شيئًا، يأكل رزًا ناشفًا، ذاك يأكل لحمًا، العصارة تالتها. قال عليه الصلاة والسلام: «انظر إلى ما يصير، كله يصير شيئًا واحدًا، وهو أذى يخرج من بطن ابن آدم». قد ضرب هذا الأذى مثلًا للدنيا، لحقارتها وهوانها على الله سبحانه وتعالى، وهي دار ممر. فالمسلم يقتصد فيها، يعني أنه لو حصل له عمل في يومه أو في ليلته يثبت فيه، وهذا ما كتبه الله عز وجل. لا، بعضهم يريد من الصبح إلى الليل كله عمل، وربما ضيع فيه الصلوات، عياذًا بالله. كله هذا يريد أن يستكثر، وأن يكون مثل فلان ومثل فلان. النبي عليه الصلاة والسلام قال: «فكل ميسر لما خلق له، أجمل في طلب الدنيا، كل ميسر لما خلق له». فإذا يسرت لعمل من الأعمال، فإن هذا التيسير من الله سبحانه وتعالى، ربما يكون عملك دون عمل الآخر، أو ربما يكون عملك أفضل من عمل الآخر، يعني العمل الدنيوي. لكن أنت أين من العمل الأخروي، وهو الذي سيكون في صحائف أعمالك؟ فإذن اتق الله سبحانه وتعالى فيما تعمل. فإن يسر لك الله الرزق بتيسيره سبحانه وتعالى، فأحمد الله على ذلك، فهذا فضل من الله عز وجل. أن كنت من الأغنياء، أو كنت من الميسورين، هذا أيضًا لا شك أنه ابتلاء من الله. فالمسلم يعلم أن الكل ابتلاء: إن كان فقرًا فهو ابتلاء، وإن كان كذلك غنى فهو ابتلاء. يبتلاء المسلم بالغنى، ويبتلاء أيضًا بالفقر. وقد كان عيش رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يقول الصحابة: قصدًا، يعني يقتصد عليه الصلاة والسلام فيما يسر الله عز وجل له، لا إسراف ولا تبذير ولا تقتير، رزقه أقسام. وهكذا ينبغي أن يعتقد المسلم: أن الله سبحانه وتعالى قد قسم له رزقه. فليتق الله سبحانه وتعالى في أوقاته، وليجمل في طلب الدنيا، ولا ينهمك فيها الانهماك الذي يجعله ينسى حظه، بل ينسى الآخرة، ويضيع الفرائض والواجبات، أو يطلب الرزق بمعصية الله سبحانه وتعالى. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا، وأن يسددنا، وأن يهدينا، وأن يرزقنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين. ترجمة نانسي قنقر