الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 50، ألقاها
يتناول هذا الفصل إنكار بعض البدع في القراءة التي يفعلها جهلة المصلين، مثل قراءة سورة الأنعام في الركعة الأخيرة من صلاة التراويح، ويبين مخالفة هذه البدع للحكمة الإلهية والسنة النبوية. يوضح أهمية اتباع السنة في العبادات.
يناقش هذا الفصل آداب تلاوة القرآن، مثل التوقف عند خروج الريح أو التثاؤب، وخفض الصوت عند آيات معينة، ويشير إلى بعض الأخطاء الشائعة في التلاوة يوم الجمعة مثل تقسيم سورة السجدة. يبين كيفية تلاوة القرآن بشكل صحيح.
يتناول هذا الفصل بعض الآثار الضعيفة حول قراءة سور معينة بآداب خاصة، مثل سورة التين والزيتون، وآخر سورة القيامة، ويورد آراء بعض الصحابة في ذلك. يشدد على أهمية التحقق من ثبوت هذه الآثار.
يؤكد هذا الفصل على استحباب قول ما ثبتت به الأحاديث والآثار، ويشدد على أهمية التحقق من ثبوتها قبل العمل بها. يختم بالدعاء والاستغفار، مشيراً إلى أهمية التمسك بالأدلة الصحيحة في العبادات.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال النووي رحمه الله تعالى في كتابه «التبيان في آداب حملة القرآن»: فصل في إنكار بعض البدع في القراءة. قال: ومن البدع المنكرة في القراءة ما يفعله جهلة المصلين بالناس في التراويح من قراءة سورة الأنعام في الركعة الأخيرة في الليلة السابعة، معتقدين بأنها مستحبة، فيجمعون أمورًا منكرة؛ منها اعتقادها مستحبة، ومنها إيهام العوام، ومنها تطويل الركعة الثانية على الأولى، وإنما السنة تطويل الأولى على الثانية، ومنها التطويل على المأمومين. وهذا حال البدع؛ البدع دائمًا ما يكون فيها ما هو مخالف للحكمة الإلهية، لأن الشرع الذي أنزله الله تبارك وتعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم صادر عن حكمة إلهية وعن رحمة، صادر عن حكمة، بخلاف ما يكون خارجًا عن هذا المعنى، فإنه يكون خارجًا عن الحكمة الربانية الإلهية، لذا يحصل بسببها ما يحصل من المفاسد، الذي ذكر منها ما ذكر. قال: ومن البدع المشابهة لهذه قراءة بعض جهلتهم في الصبح يوم الجمعة بسجدة غير سجدة «ألف لام ميم تنزيل» - أي «تنزيل السجدة» - قاصدًا ذلك. وإنما السنة قراءة «ألف لام ميم تنزيل» - أي سجدة - في الركعة الأولى، و«هل أتى» في الثانية. وهذا كذلك - كما ذكر رحمه الله تعالى - مما يفعله بعض الجهال ظنًا منه أن السنة يوم الجمعة أن تقرأ سورة فيها سجدة - أي ظن أن سورة السجدة شرعت يوم الجمعة لأجل السجدة - والأمر ليس كذلك، الأمر ليس كذلك؛ إذ لو كان كذلك لنوَّع النبي صلى الله عليه وسلم القراءة في يوم الجمعة، في كل جمعة قراءة أو سورة فيها السجدة. لكن النبي صلى الله عليه وسلم داوم على قراءة سورة السجدة في الركعة الأولى، وهل أتى في الركعة الثانية. فمن فعل غير ذلك معتقدًا أنها السنة بأن يقرأ سورة فيها السجدة معتقدًا أنها سنة، هذا خلاف السنة. بل - كما سمعتم - عده الإمام النووي رحمه الله تعالى أنه من البدع. وأيضًا من ذلكم ما يفعله كذلك بعض الجهال أن يقرأ يوم الجمعة سورة السجدة فيقسمها إلى نصفين؛ نصف في الركعة الأولى، والنصف الآخر في الركعة الثانية، معتقدًا أنها سنة، معتقدًا كذلك أن المعتبر في ذلك أن تقرأ سورة السجدة في يوم الجمعة. هذا الفعل كذلك خلاف السنة؛ إذ أن السنة أن تقرأ سورة السجدة في الركعة الأولى، وأن تُقرأ سورة «هل أتى على الإنسان» في الركعة الثانية، هذا هو المعتبر، وهذه هي السنة. قال رحمه الله تعالى: فصل في مسائل غريبة تدعو الحاجة إليها. مسائل غريبة لكن تدعو الحاجة إليها مثل ماذا؟ يقول: منها أنه إذا كان يقرأ فعرض له ريح، ينبغي أن يمسك عن القراءة حتى يتكامل خروجها، ثم يعود إلى القراءة، كذا رواه ابن أبي داود وغيره عن عطاء، وهو أدب حسن. أي: إذا قرأ الإنسان فخرج منه ريح - يعني عرض له ريح - فإنه ينبغي له أن يمسك حتى يتكامل خروجها، ثم يواصل القراءة. ومنها أنه إذا تثاءب أمسك عن القراءة حتى ينقضي التثاؤب، ثم يقرأ، قاله مجاهد، قال: وهو حسن، ويدل عليه ما ثبت عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فيه؛ فإن الشيطان يدخل» رواه مسلم. إذا تثاءب جاءه التثاؤب، فإذا فعل ذلك فإنه يمسك ولا يقرأ، لا يقرأ القرآن حال تثاؤبه، هذا من آداب تلاوة القرآن. قال رحمه الله تعالى: ومنها أنه إذا قرأ قول الله عز وجل: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾، وقول الله عز وجل: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾، وقالوا: ﴿اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾، ونحو ذلك من الآيات؛ فينبغي أن يخفض بها صوته. قال: كذا كان إبراهيم النخعي رضي الله عنه يفعل. فهذا يحتاج إلى دليل؛ أنه ينبغي أن يخفض صوته عند قراءة مثل هذه الآيات، يحتاج إلى دليل. قال رحمه الله تعالى: ومنها ما رواه ابن أبي داود بإسناد ضعيف عن الشعبي، أنه قيل له: إذا قرأ الإنسان ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، قال: أيصلي على النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. وكما سمعتم الأثر ضعيف، ولا يستدل به؛ فلا يفعل ذلك، ولا سيما إذا كان في الصلاة. قال: ومنها أنه يستحب أن يقول - ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قرأ والتين والزيتون فقال: أليس الله بأحكم الحاكمين؟ فليقل: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين» - رواه أبو داود والترمذي بإسناد ضعيف عن رجل أعرابي عن أبي هريرة. قال الترمذي: هذا الحديث إنما يروى بهذا الإسناد عن أعرابي عن أبي هريرة، ولا يسمى، فهو من قسم الضعيف، والضعيف لا يستدل به. قال رحمه الله تعالى: لكن يرى كطائفة من العلماء جواز الاستدلال بالحديث الضعيف في باب الفضائل؛ فلعلهم رحمه الله تعالى ذكروا من هذا الباب. قال: وروى ابن أبي داود وغيره في هذا الحديث زيادة على رواية أبي داود والترمذي، وفيه - يعني - ومن قرأ آخرة «لا أقسم بيوم القيامة» - أي «أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى» - قال: فليقل: بلى أشهد. ومن قرأ «فبأي حديث بعده يؤمنون» فليقل: آمنت بالله. وكما مر الحديث لا يصح. قالوا: عن ابن عباس، وابن الزبير، وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهم أجمعين: أنهم كانوا إذا قرأ أحدهم ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، قال: سبحان ربي الأعلى. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقول فيها: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات. وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه صلى فقرأ بآخر «بني إسرائيل»، ثم قال: الحمد لله الذي لم يتخذ ولدًا. وهذه الآثار تحتاج إلى نظر في ثبوتها، وإلا فإن النبي صلى الله عليه وسلم ولنا فيه الأسوة الحسنة، لم يثبت عنه شيء من ذلك، ولا سيما في القراءة - أي في القراءة أثناء الصلاة. قال: وقد نص أصحابنا على أنه يجتنب أن يقال في الصلاة ما قدمناه في حديث أبي هريرة في السورة الثلاث، وكما تقدم لا يصح الحديث. قال: وكذا يستحب أن يقال باقي ما ذكرناه، وما كان في معناه. والعبرة في ذلك بثبوت أدلة هذه الآثار والأحاديث، وهي تحتاج إلى تفقد ونظر. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.