الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 34، ألقاها
يتناول أهمية الإخلاص في قراءة القرآن وطلب العلم، ويشير إلى ضرورة الإخلاص لله تعالى في القراءة واتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. يؤكد على أن العمل لا يقبل إلا إذا كان خالصًا لله.
ينبغي لطالب العلم أن يتأدب مع القرآن ويستحضر أنه يناجي الله تعالى أثناء قراءته، وأن يخلص في قراءته ويبتعد عن المشتتات التي قد تبعده عن التدبر والانتفاع بالقرآن.
يُنبّه على أهمية تعظيم مجالس العلم وطلب العلم، ويشير إلى أن طلب العلم هو من أعظم العبادات التي يتقرب بها العبد إلى ربه، ويطلب من الله التوفيق والسداد للجميع.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه «التبيان في آداب حملة القرآن»، الباب السادس في آداب القراءة: قال رحمه الله تعالى: هذا الباب هو مقصود الكتاب، وهو منتشر جدًا، وأنا أشير إلى أطراف من مقاصده كراهة الإطالة وخوفًا على قارئه من الملامة. أي أن الإمام النووي رحمه الله تعالى يقول بأن هذا الباب هو مقصود الكتاب، أو أي أن هذا الكتاب هو الذي لأجله صنف هذا الكتاب وخط مباحثه. ثم قال رحمه الله تعالى: وهو منتشرٌ جدًا، أي أن هذا الباب منتشرٌ جدًا، فإذا كان كذلك، قال: فأنا أشير إلى طرف من مقاصده، أي لانتشاره وكثرته، بمعنى أنه لو تتبع هذا الباب لكان بابًا واسعًا منتشرًا متشعبًا، فاكتفى رحمه الله تعالى بالاختصار والإيجاز والإشارات كراهة الإطالة وخوفًا على قارئه من أن يحصل له شيءٌ من الملل. قال: فأول ذلك أنه يجب على القارئ الإخلاص كما قدمناه، وهذا قد تكرر معنا أن طالب العلم ينبغي له دائمًا وأبدًا أن يعتني بأمر الإخلاص وبأمر النية، إذ أن العمل إذا لم يكن لله تبارك وتعالى خالصًا كان وبالًا على صاحبه، وكان حجةً على صاحبه، كما جاء في الحديث: «والقرآن حجةٌ لك أو عليك»، إذا لم تعمل بالقرآن، ومن أعظم العمل بالقرآن أن تخلص عملك لله رب العالمين جل وعلا. قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، وقال ربنا تبارك وتعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾، وقال ربنا تبارك وتعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، والآيات في هذا الباب كثيرة، وقد تقدم معنا شيءٌ منها. ومن مباحث هذا الأمر -أي أمر النية واستحضارها- عند القراءة، عند طلبه للعلم، عند العمل، إلى غير ذلك من الأمور، قال رحمه الله تعالى: فأول ذلك أنه يجب على القارئ الإخلاص كما قدمناه. فكما أنه شرط قبول العمل كما هو معلوم، لأن العمل الصالح لا يكون صالحًا إلا إذا توفر فيه شرطان: الأول الإخلاص، والثاني المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فينبغي للمسلم عمومًا ولطالب العلم خصوصًا أن يعتني بهذا الأمر عنايةً فائقة. قال رحمه الله تعالى: ومراعاة الأدب مع القرآن، أن ينبغي لطالب العلم أن يتأدب مع القرآن. وسأتي معنا جملة من الآداب. قال: فينبغي أن يستحضر في نفسه أنه يناجي الله تعالى، أي في أثناء قراءته وتلاوته للقرآن الكريم. قال: ويقرأ على حال من يرى الله تعالى، فإن لم يكن يراه فإن الله تعالى يراه. وهذه حالة المحسنين، حالة أهل الإحسان، لأن الإحسان كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم حينما سئل عن الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». وتلاوة القرآن وقراءة القرآن من العبادات، أن تعبد الله فهو من جملة العبادات. قال: فينبغي أن يستحضر في نفسه أنه يناجي الله تعالى، أي في قراءته حينما يقرأ كتاب الله جل وعلا ينبغي له أن يستحضر هذه النية. وإذا استحضر هذه النية كانت هذه النية من أعظم الأسباب لإخلاص العمل لله تبارك وتعالى، ومن أعظم الأسباب لأن يرتقي القارئ بقراءته إلى مراتب عالية، إذ أنه يقرأ محتسبًا الأجر والثواب من الله، يقرأ وهو في أثناء قراءته معظم لله ربه العالمين جل وعلا، كأنه يناجي الله تبارك وتعالى. وهذه مرتبة رفيعة ومرتبة علية، من وفق إليها فقد وفق إلى خير كثير. ومنه يعلم خطأ كثير من القراء ممن يقرأ القرآن بلسانه وقلبه مشغول بأمر آخر، بل بأمور أخر، منهم من هو مشغول بتجارته، منهم من هو مشغول بأمور من أمور الدنيا. وللأسف الشديد في أزماننا وفي أيامنا هذه تجد كثيرًا من طلبة العلم ربما القرآن في إحدى يديه وفي يده الأخرى الجوال، إما أن ينظر فيه وإما أن ينظر في ألعاب فيه وإما أن ينظر في مواقع التواصل الاجتماعي كما يسمونه، فينشغل يقرأ عين في القرآن وعين أخرى في الجوال. كيف حال هذا؟ هل يجد حلاوة القراءة؟ هل يتلذذ بقراءة القرآن؟ هل يتدبر القرآن الذي يقرأه؟ هل ينتفع بقراءة ذلك القرآن؟ هذا تفريط ومدخل من مداخل الشيطان دخل على كثير من الصالحين فضلًا عن غيرهم. فينبغي للإنسان أن يكون حارسًا لقلبه وأن يكون حارسًا كذلك لعلمه من جميع ما قد يكون سببًا في إبعاده عن الخير أو في تقليل الخير الذي هو عليه. ينبغي للمسلم ولا سيما لطالب العلم أن يكون حريصًا على استقلال الوقت، حريصًا على الانتفاع بكتاب الله تبارك وتعالى، على الانتفاع بحلقات العلم، على الانتفاع بمجالس الذكر. أن يكون مستحضرًا عظمة هذه المجالس، فهي مجالس عظيمة مجالس جليلة، من وفقه الله تبارك وتعالى لتعظيمها عظمه الله، ومن وفقه الله تبارك وتعالى لإجلالها أجله الله، لأنه معظم لشعائر الله تبارك وتعالى، معظم لكتاب الله، معظم لسنة رسول الله، معظم للعلم النافع، ولحلقات الذكر. طالب العلم ينبغي له أن يستحضر هذه الأمور. الله جل وعلا أكرمك يا طالب العلم بأن جعلك ربك تبارك وتعالى طالبًا للعلم، كثيرًا أو كثير من الناس قد يكونون أذكى منك، قد يكونون من حيث المال أغنى منك، قد يكونون من حيث الجاه أعظم منك جاهًا، ولكن لم يوفقوا لطلب العلم، صورفوا عن الخير. والنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين»، حديث عظيم. أنت يا طالب العلم لو جعلت هذا الحديث وغيره من الأحاديث أمام عينيك رأيت فضل الله جل وعلا عليك عظيمًا. من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، أنت يا طالب العلم لو صدقت في طلب العلم وأخلصت في طلب العلم فإنك في أعلى مراتب العبادة لله تبارك وتعالى. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: لا أعلم عملًا بعد أداء الفرائض أعظم من طلب العلم. فهو من أعظم العبادات ومن أجل العبادات التي يتقرب بها العبد إلى ربه جل وعلا. بل أنت يا طالب العلم لو صدقت واجتهدت في طلب العلم فاعلم أنك إذا نمت أجرت على نومك، وإذا أكلت أجرت على أكلك، وإذا قعدت أجرت على قعودك، وإذا قمت أجرت على قومك، وإذا سرت أجرت على سيرك، لماذا؟ لأنك تفعل ما تفعل من الأعمال لأجل أن تطلب العلم. تنام لأجل أن تستيقظ نشيطًا فتطلب العلم وتقرأ من كتاب الله تبارك وتعالى. وأذكر من كلام شيخنا الإمام العلامة مقبل الوادعي رحمه الله تعالى أنه ذكر كلامًا هذا معناه قال: يا طالب العلم هذه نعمة وكرامة أكرمكم الله تبارك وتعالى بها فحافظوا عليها. ثم قال رحمه الله: أنت يا طالب العلم مأكلك تؤجر عليه، ومشربك تؤجر عليه، ونومك تؤجر عليه، وفي كل عملك أنت مأجور، لماذا؟ لأنك تأكل لأجل أن تتقوى على طلب العلم، تشرب لأجل ذلك، تنام لأجل ذلك، فعملك في يقظتك وفي نومك كله لله رب العالمين جل وعلا، فأنت في عبادة وأنت في مقام عظيم. فينبغي لطالب العلم أن يستحضر هذه الأمور وأن يستحضر هذه المكانة التي جعلها الله تبارك وتعالى فيها، وأن يشكر الله جل وعلا أن أنعم عليه بهذه النعمة العظيمة، وأن يشكر الله ليلًا ونهارًا ويذكر هذه النعمة، وأن الله تبارك وتعالى فضله وأكرمه وأنعمه، فينبغي علينا جميعًا أن نقدر نعم الله وأن نشكر نعم الله. فنسأل الله تبارك وتعالى لنا جميعًا التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.