الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 10، ألقاها
يبدأ الحديث عن أهمية الإخلاص في تعلم وتعليم القرآن، حيث يُعتبر الإخلاص شرطًا أساسيًا لقبول العمل. يشير إلى أن إخلاص النية لله تعالى يحفظ العبد ويحسن إليه.
يُعرّف الإخلاص بأنه إفراد الحق في الطاعة بالقصد، ويتضمن تصفية الفعل من ملاحظة المخلوقين واستواء أفعال العبد في الظاهر والباطن. يُعتبر الإخلاص أمرًا عزيزًا يحتاج إلى جهد ومجاهدة.
يُشدد على أهمية الإخلاص في العمل بقصد وجه الله والدار الآخرة دون الثواب العاجل أو الأجر الدنيوي. نسأل الله أن يمن علينا بالإخلاص في القول والعمل.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، ما زلنا في هذا الفصل الذي هو في باب آداب معلم القرآن ومتعلمه، وهو في إخلاص المقرئ والقارئ، أي أن يكون عمل القارئ وعمل المقرئ خالصًا لله رب العالمين جل وعلا، لا يبتغي بذلك رياءً ولا سمعةً ولا عرضًا من الدنيا، وإنما يتعلم العلم ويعلم العلم لوجه الله رب العالمين جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: وروين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «إنما يحفظ الرجل على قدر نيته»، وهذا فيه معنى من معاني «هل جزاء الإحسان إلا الإحسان»، فيه معنى من معاني الإحسان الذي يحسن به ربنا تبارك وتعالى على عبده بإحسانه لربه جل وعلا، أي بإحسانه عبادته، بإحسانه عبادته لله رب العالمين جل وعلا. لأن العبد إذا أخلص العمل لله رب العالمين جل وعلا فهو محسن في ذلك العمل. وكما جاء في الحديث، في حديث عمر رضي الله عنه وأرضاه، في حديث جبريل المشهور في سؤاله عن الإحسان، قال: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، وهذا فيه معنى من معاني المراقبة التي هي من أعظم العون على إخلاص العمل لله رب العالمين جل وعلا. وربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾. فقوله رحمه الله تعالى: «إنما يحفظ الرجل على قدر نيته»، أي كما أن العبد حفظ الله تبارك وتعالى، أي حفظ حدود الله تبارك وتعالى، فإن ربه تبارك وتعالى يحفظه. وكما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنه، ما عند الترمذي وغيره، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا غلام احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده اتجاهك». وهذا في هذا المعنى من حفظ العبد لحدود الله جل وعلا، بأن يكون العمل لله خالصًا، لا يبتغي بذلك رياءً، لا يبتغي بذلك سمعةً، لا يبتغي بذلك عرضًا من أعراض الدنيا الفانية، وإنما يعمل ما يعمل من العمل ابتغاء وجه الله تبارك وتعالى. والأمر كما يقال عزيز، أي أمر الإخلاص، إخلاص النية لله رب العالمين جل وعلا، ولكنه عظيم، إخلاص النية لله رب العالمين جل وعلا، عزيز أن يحتاج إلى جهد، إلى مجاهدة، يحتاج إلى صدق مع الله تبارك وتعالى، يحتاج إلى عمل عظيم من العبد. وكلما كان العبد كذلك، مده الله تبارك وتعالى بمدد من عنده، بعون من عنده، بتوفيق من عنده، بأن يكون عمله خالصًا لله رب العالمين جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: وعن غيره، «إنما يعطى الناس على قدر نياتهم»، أي من الخير يعطون على قدر نياتهم من الخير. فالإنسان إن كانت نيته لله رب العالمين جل وعلا خالصة صادقة صالحة، فإن ربه تبارك وتعالى يكرمه. وربنا تبارك وتعالى من أسمائه الكريم، وربنا تبارك وتعالى من أسمائه الجواد، وربنا سبحانه وتعالى ذو الفضل العظيم، وربنا سبحانه وتعالى واسع العطاء جل في علاه، فهو كريم منان واسع العطاء، هو المعطي جل وعلا، وهو القابض جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: وروين عن الأستاذ أبي القاسم القشيري رحمه الله تعالى قال: «الإخلاص أولًا». أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى يعد من المتصوفة، الذي فيه تصوف، وله كلام حسن في الزهديات، وفي الرقائق، وفي أعمال القلوب. لذا تجد الأئمة رحمهم الله تعالى ينقلون كلامه في هذا الباب كثرة. فهو رحمه الله تعالى، وإن كان عنده بعض ما يخرج من عنده بسبب ما هو عليه من أمر التصوف، إلا أن تصوفه كما يقول علماء رحمه الله تعالى من قبيل تصوف المتقدمين، أي ليس كالتصوف المتأخرة من أهل الشرك، قبورية أهل البدع الواسعة. ولكن الغالب أن مثل هؤلاء يكونون في الغالب الأكثر أصحاب عبادات، وأصحاب كذلك يعني تفرغ للعبادة وما شابه ذلك. قال رحمه الله تعالى: «الإخلاص إفراد الحق في الطاعة بالقصد»، الإخلاص أن يعرف الإخلاص بقوله: «إفراد الحق الذي هو الله جل وعلا في الطاعة بالقصد»، أي أن يخلص العبد العبادة لله رب العالمين جل وعلا. فقوله: «إفراد الحق في الطاعة»، أي في العبادة بالقصد، أي بالنية، بأن تكون النية لله رب العالمين جل وعلا في تلك الطاعة. قال: «وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله تعالى دون شيء آخر من تصنع لمخلوق أو اكتساب محمدة عند الناس أو محبة مدح من الخلق أو معنى من المعاني سوى التقرب إلى الله تعالى». قال: «ويصح أن يقال الإخلاص تصفية الفعل من ملاحظة المخلوقين»، وهو بمعنى ما تقدم، إخلاص الفعل من ملاحظة المخلوقين، بمعنى أنه يعمل العمل ولا يراقب ولا ينظر إلى أحد إلا إلى الله رب العالمين جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: وعن حذيفة المرعش، طيب الله ثراه، قال: «الإخلاص استواء أفعال العبد في الظاهر والباطن»، أي أن ظاهره وباطنه يكونان سواء، لا يكون له ظاهر وله باطن يخالف ذلك الظاهر. هذا لا يكون من مخلص، أي أن من كان كذلك فليس بمخلص، لأنه قد دخل في قلبه ما دخل من العمل من الالتفات من النظر إلى غير الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: وعن ذي النون رحمه الله قال: «ثلاث من علامات الإخلاص استواء المدح والذم من العامة»، من العامة لا يفرق بين مدحهم وقدحهم، لا يفرق بين مدحهم وقدحهم، لماذا؟ لأنه يعلم علم يقين أن هؤلاء لا يرفعونه ولا يخفضونه، فلا يحزن إن ذموه ولا يفرح إن مدحوه. قال رحمه الله تعالى: «ونسيان رؤية الأعمال في الأعمال»، أي إذا عمل العمل العبد لا يلتفت إلى ذلك العمل، بل يزدري نفسه ويهضم نفسه ويخشى أن يكون ذلك العمل غير متقبل، فلا يلتفت إلى عمله ولا يغتر بعمله، بل يعمل العمل ويتقرب بذلك العمل إلى الله وحده لا شريك له، ومع هذا لا يتكل عليه ولا يلتفت إليه. قال رحمه الله تعالى: «واختضاء ثواب الأعمال في الآخرة»، أي أن يريد بعمله وجه الله والدار الآخرة، لا يريد بعمله ذلك الثواب العاجل ولا الأجر الدنيا، وإنما يريد ما عند الله تبارك وتعالى. فهذه من علامات الإخلاص. نسأل الله تبارك وتعالى بمنه وكرمه أن يمن علينا بالإخلاص في القول والعمل. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.