الأمر بالتوكل والتحذير من التشاؤم

الخطبة بعنوان الأمر بالتوكل والتحذير من التشاؤم، كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ٨ صفر ١٤٣٧ هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

حقيقة التوكل على الله وأركانه

توضح الخطبة أن التوكل على الله عبادة عظيمة تقوم على ثلاثة أركان: توحيد الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، والأخذ بالأسباب المشروعة مع عدم الاعتماد عليها، وإخلاص القلب لله مسبب الأسباب. كما تحذر من التطير والتشاؤم الذي ينافي حقيقة التوكل الصحيح.

حقيقة التطير وصوره وحكمه الشرعي

يبيّن المقطع أن التطير هو التشاؤم من المرئيات والمسموعات والمعلومات، وهو باب من أبواب الشرك الأصغر كما دلّت عليه نصوص القرآن والسنة. ويستعرض المقطع صوره المعاصرة كالتشاؤم بالطيور، وبشهر صفر، وبالأبراج ومنازل القمر، مع ذكر مواقف السلف الصالح في إنكار ذلك.

التحذير من التشاؤم وبيان علاجه بالتوكل

يحذر الخطيب من التشاؤم والطيرة مبينًا أنهما من الشرك الأصغر، ويسوق قصصًا وأحاديث تدل على بطلانهما، ويذكر العلاج بالتوكل على الله والدعاء المأثور. ويختم بصفات السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ومن خصائصهم عدم التطير والاعتماد على الله وحده.

دعاء لنصرة المجاهدين والتحالف على الحوثيين

يحتوي المقطع على دعاء يطلب فيه الداعي من الله نصر إخوانه المجاهدين ودول التحالف على الحوثيين، مع طلب تثبيت أقدامهم وتسديد رميهم. ويختتم الخطيب بالاستغفار والرحمة والتوبة ختاماً للخطبة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن التوكل على الله عز وجل عبادة الصالح الصادقين، وسبيل المخلصين، أمر الله عز وجل به أنبياءه المرسلين وعباده المتقين، فقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾، وقال عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، وقال عز وجل في سبعة مواضع من كتابه الكريم: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. إن التوكل على الله عز وجل، كما قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم، هو صدق اعتماد القلب على الله عز وجل في استجلاب المصالح ودفع المضار في أمور الدنيا والدين. هذه هي حقيقة التوكل على الله سبحانه وتعالى. فلذلك ذكر العلماء للتوكل أركانًا ثلاثة: أولها: توحيد الله عز وجل في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. ففي ربوبيته: أن تعتقد اعتقادًا جازمًا أن الله عز وجل هو مدبِّر هذا الكون، وإن نواصي الخلْق جميعًا بيده سبحانه وتعالى، وأنه هو النافع والضار. وهكذا توحيد الله عز وجل في ألوهيته: أن تعتقد أن التوكل على الله عز وجل عبادة لا يجوز صرفها إلا لله سبحانه وتعالى وحده، فهي عبادة جليلة، كما قال الله عز وجل: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، فقدم ما حقه التأخير وهو الجار والمجرور، ليدل ذلك على الحصر، أي أن التوكل على الله عز وجل لا يجوز إلا بالله سبحانه وتعالى وعليه وحده، فلا يجوز أن تقول: توكلت على الله ثم عليك، وأقبح من ذلك أن تقول: توكلت على الله وعلى فلان. وأما توحيد الله عز وجل في أسمائه وصفاته: بأن تعلم أن الله هو الرازق، وهو المعطي سبحانه وتعالى، وهو الذي له الأسماء الحسنى والصفات العُلى. فلذلك، أيها المؤمنون، عباد الله، من أول أركان التوكل هو توحيد الله عز وجل. وهكذا الركن الثاني: الأخذ بالأسباب، وأن ذلك لا ينافي التوكل على الله سبحانه وتعالى، وإن كانت هذه الأسباب ضعيفة في نفسها، أو يسيرة، أو يسيرة في العمل بها. فقد أخرج الترمذي في جامعه من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رجلًا أتى إلى النبي عليه الصلاة والسلام، أو أطلقها وتوكل لراحلته، أي كان معه راحلة، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «اعقلها وتوكل»، أي خذ بالأسباب ولا تطلقها هكذا. وهكذا جاء عند البخاري من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم، أو أنه قال رضي الله تعالى عنهما: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، فإذا جاءوا إلى مكة سألوا الناس، وكانوا يقولون: نحن المتوكلون، فأنزل الله عز وجل، فأنزل الله سبحانه وتعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾، أي خذوا بالأسباب، ثم قال عز وجل: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام يقول لمعاذ بن جبل لما أراد أن يبشر الناس: «لا تبشرهم فيتكلوا»، فتأخذ بالأسباب يا عبد الله. وهذا من صميم التوكل على الله سبحانه وتعالى. ولكن لتعلم أن الأخذ بالأسباب يكون بالسبب الذي شرعه الله عز وجل، إما بوحيه وإما بقدره، كما قال العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله: «فإذا قصد العبد سببًا من الأسباب فإنه لا يكون صحيحًا إلا إذا شرعه الله عز وجل إما بوحيه وإما بقدره، إما بوحيه وإما بقدره»، أي إما أن هذا السبب مما شرعه الله في كتابه وفي سنة نبيه عليه الصلاة والسلام، وإما أن الواقع والقدر قد دل على نفعه وعلى أنه سبب يفيد. هذا هو المعنى، عباد الله. وهكذا الشرط الثالث، أو الركن الثالث: ألا تعتمد على ذات السبب، وإنما تعلق قلبك بالله عز وجل مسبِّبَ السبب، فإن الله عز وجل هو الذي يقدر الأمور، وهو الذي يسر لك ما تريد. أيها المسلمون، عباد الله، إن مما ينافي التوكل على الله سبحانه وتعالى: التطير. والتطير: وسمي التطير لأن العرب كانوا يتطيرون بالطير، والتطير هو التشاؤم من كل مرئي أو مسموع أو معلوم، فنسبه إلى الطير. فلقد كانت العرب إذا أراد أحدهم أمرًا قصد عش طير فهيجه، فإذا أخذ الطير جهة اليمين تيمن به ومضى في أمره، وهو ما يسمونه بالسانح، وإذا أخذ الطير جهة اليسار (الشمال) تشاءم منه وكف عن أمره، وهو ما يسمونه بالبارح. فنسب التطير إلى ذلك، وإن كان له صور كثيرة كانت موجودة في الجاهلية، وبعضها أحدثه بعض الناس في هذه الأزمان. فهذه هي حقيقة التطير: التشاؤم من كل مرئي أو مسموع أو معلوم. وكما قال العلامة ابن القيم عليه رحمة الله: «لم يحكي الله عز وجل التطير إلا عن أعداء الرسل، إلا عن أعداء الرسل»، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَنَرْجُمَنَّكَ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾. وهكذا قال قوم فرعون لموسى ومن معه: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾. وهكذا قال قوم صالح: ﴿إِنَّا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾. التطير، عباد الله، هو باب من أبواب الشرك بالله سبحانه وتعالى. قال العلامة ابن القيم عليه رحمة الله: «ومن امتنع بها، بها أي بالتطير، ومن امتنع بها عما عزم عليه فقد فتح أو قرع بابًا من أبواب الشرك، بل ولجه، وتبرأ من التوكل على الله عز وجل، وفتح على نفسه بابًا من أبواب الخوف والتعلق بغير الله سبحانه وتعالى». ذكر ذلك في كتابه مفتاح دار السعادة. وهذا مأخوذ مما جاء عنه عليه الصلاة والسلام، كما عند الترمذي من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك، وما منا إلا، ولكن يذهبه الله بالتوكل». حكم بعض علماء الحديث على تلك العبارة الأخيرة في هذا الحديث بأنها مدرجة من كلام ابن مسعود، كما ذكر ذلك ابن رجب وابن القيم وغيرهما. فإذا، عباد الله، الطيرة باب من أبواب الشرك؛ لأنه تعلق بسبب لم يكن شرعيًا ولم يكن قدريًا، وهكذا اعتقاد أن هذا السبب له تأثير في الإقدام أو الامتناع، فلذلك هو من الشرك الأصغر الذي ينبغي أن يحذره أهل الإسلام. وهكذا جاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص عند الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من ردته الطيرة من حاجة فقد أشرك». صححه العلامة الألباني عليه رحمة الله. وهكذا، عباد الله، التشاؤم له صور كثيرة لا تنحصر بالتشاؤم بالطير فحسب، بل له صور في مسموعات ومرئيات ومعلومات كثيرة. فبعض الناس يتشاءم ببعض الطيور، إما بأصواتها وإما كذلك بنوعها، فبعضهم ربما يتشاءم من البومة أو من صوتها، وقد فسر ما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر»، ففسرت الهامة بتخفيف الميم: ذلك الطير الذي يشبه البومة أو هي البومة بعينها، كما ذكر ذلك العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله. فلا يجوز التشاؤم بصوت طير أو حيوان، أو بلونه وشكله، وإن ذلك من أعمال أهل الجاهلية. وهكذا من أنواع وصور التشاؤم المنتشر في أوساط المسلمين: التشاؤم بهذا الشهر، وهو شهر صفر، فلا يعقدون فيه نكاحًا، ولا ينشئون فيه سفرًا، ولا يضربون فيه بيعًا، كل ذلك تشاؤم بهذا الشهر. وقد سمعت ما جاء في حديث أبي هريرة: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر». فإن صفر مما جاء في تفسيره أنه هذا الشهر، كان أهل الجاهلية يتشاؤمون به، وقيل إنه مرض يصيب بطن الإبل فينتشر فينتقل إلى غيرها. وإن كان العلامة ابن العثيمين رجح القول الأول، وأن المراد بصفر هو ذلك الشهر المعلوم، فلقد كان أهل الجاهلية يتشاؤمون به كما كانوا يتشاؤمون بالطير. وهكذا، عباد الله، من صور التشاؤم في هذا الزمان: التشاؤم ببعض منازل القمر، أو ما يسمى بالأبراج، الذي توجد في آخر الصحف، وأن من كان برجه كذا وكذا فسيحصل له كذا وكذا من الخير، ومن كان برجه كذا وكذا فسيحصل له كذا وكذا من الشر. هذا من التشاؤم الذي حذَّرنا الله عز وجل منه. جاء، جاء، جاء عن ابن عبد الحكم أنه قال: خرج عمر بن عبد العزيز من المدينة، أي أنشأ سفرًا. قال: «وَكَانَ الْقَمَرُ فِي الدَّبَرَانِ»، أي في منزلة تُسمَّى الدَّبَرَانَ، وَكَانُوا يَتَشَاءَمُونَ مِنْ هَذِهِ الْمَنْزِلَةِ. قال: فَكَرِهْتُ أَنْ أَخْرُجَ بِهِ. قال: فَقُلْتُ لَهُ: مَا أَحْسَنَ الْقَمَرَ، مَا أَحْسَنَ الْقَمَرَ وَمَا أَحْسَنَ مَنَزِلَتَهُ. فَتَفَطَّنَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِقَصْدِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَالَ: تُرِيدُ أَنْ تُخْبِرَ أَنَّ الْقَمَرَ فِي الدَّبَرَانِ، فَإِنَّنَا لَا نَخْرُجُ بِشَمْسٍ وَلَا بِقَمَرٍ، وَإِنَّمَا نَخْرُجُ بِاللَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ. هكذا ردَّ عليه رحمه الله تعالى. وهكذا جاء عن عكرمة كما عند ابن أبي شيبة وغيره قال: كُنَّ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعِنْدَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: فَصَوَّتَ غُرَابٌ، فَقَالَ أَحَدُ الْقَوْمِ: خَيْرٌ خَيْرٌ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: لَا خَيْرَ وَلَا شَرٌّ، لَا خَيْرَ وَلَا شَرٌّ. هكذا كان السلف الصالح رحمهم الله تعالى يُنكِرون مثل هذه الألفاظ وهذه الأعمال؛ لأنها مخالفة لعقيدة التوحيد وللتوكل على الله سبحانه وتعالى. أسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا جميعًا لما يحب. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واستنَّ بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، وهكذا بعض الناس، وهذا من صور التشاؤم، قد يتشاؤم من بعض ناقص الخلقة كالأعور أو الأعرج أو الأبرص أو إلى غير ذلك، وهذا يدخل في التشاؤم الذي حذَّرنا منه، عباد الله. ذكر ابن القيم في مفتاح دار السعادة أن أميرًا من أمراء المؤمنين خرج لبعض مهماته، فلقي أعورًا في الطريق، فغضب وأمر بسجن هذا الأعور، ثم مضى في حاجاته، فلما رجع أطلق سراح هذا الأعور. ولكن الأعور قال له: أريد أن أعرف ما ذنبي حتى سجنتني؟ فقال له: تشاءمت منك. فقال له هذا الأعور: وما وجدت في يومك؟ قال: ما وجدت إلا خيرًا. فقال له هذا الأعمى: لقد خرجت ورأيتني، ورأيتني ولقيت خيرًا وسرورًا، ورأيتك ووجدت سجنًا وشرًا، فمن هو أشأم؟ من هو أشأم؟ ومن هو بالطيرة أولى؟ فاستحيا هذا الأمير وأمر له بعطاء. انظروا، عباد الله، إلى أن التطير لا يقدم شيئًا ولا يؤخر، فإن الأمر كله لله سبحانه وتعالى وحده. وهكذا بعض الناس ربما يتشاءم من بعض الأعداد، أو من بعض الأيام، أو من بعض كذلك الأشخاص، وكل ذلك من التشاؤم المذموم. كل ذلك من التشاؤم الذي حذرنا منه، عباد الله. أيها المسلمون، إن من وقع في شيء من التشاؤم ينبغي عليه أن يتدارك نفسه حتى لا يقع في هذا الشرك. فالناس أصناف: منهم من يتشاءم فيرده ذلك عن متابعة حاجته والإمضاء فيها. ومنهم من يتشاءم ولكن يمضي في حاجته، ولكن يبقى عنده شيء من الخوف وشيء من كذلك القلق أن يصيبه تأثير هذا التشاؤم، وهذا وإن كان أحسن من الذي قبله إلا أنه فيه شيء من التشاؤم والعياذ بالله، فينبغي عليه أن يذهب ذلك بالتوكل على الله سبحانه وتعالى، كما سمعت في حديث ابن مسعود أنه قال: «وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل، ولكن الله يذهبه بالتوكل». وهكذا، عباد الله، مما يعالج به من وقع في شيء من هذا التشاؤم: أن يدعو الله سبحانه وتعالى بأن يصرفه عن ذلك، كما جاء في حديث عبد الله بن عمر، عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من ردته الطيرة من حاجة فقد أشرك». فقالوا: يا رسول الله، ما كفارة ذلك؟ قال: «أن يقول: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك، ولا إله غيرك». فقد تقع في شيء من ذلك، فادع بهذا الدعاء، ادع بهذا الدعاء. وهكذا من الأسباب التي تعينك على علاج ما قد يقع في القلب من التطير: أن تعلم النصوص الكثيرة في التحذير من التشاؤم وفي عاقبة المتشائم. فقد سمعت من الأحاديث أنه شرك، بل وقد تبرأ النبي عليه الصلاة والسلام من فاعله، كما جاء في حديث عمران بن حسين عند البزار والطبراني، وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، قال عليه الصلاة والسلام: «ليس منا من تطير أو تطير له»، ليس منا، أي هذا العمل ليس على طريقتنا وليس من سنتنا. فإذا استشعرت هذه النصوص الشرعية وآمنت وأيقنت بها، دفع ذلك إلى أن تفر من التشاؤم وأن لا تقع في شيء منه. وهكذا من الأصناف التي هي تجاه التشاؤم: من لا يبالي، ومن قد علَّق قلبه بالله سبحانه وتعالى وحده، فهؤلاء لهم البشارة العظيمة من الله سبحانه وتعالى، بل إنهم يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، كما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ، فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ... فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، إِذْ عُرِضَ عَلَيَّ سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي، فَقِيلَ لِي: هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ، ثُمَّ نَظَرْتُ فَإِذَا بِسَوَادٍ عَظِيمٍ، فَقِيلَ لِي: هَذِهِ أُمَّتُكَ، هَذِهِ أُمَّتُكَ، وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ». ثُمَّ نَهَضَ وَدَخَلَ بَيْتَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَبَاتَ، فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ، فَبَاتَ النَّاسُ وَهُمْ يَقُولُونَ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَعَلَّهُمُ الَّذِينَ صَحِبُوا النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَعَلَّهُمُ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ وَلَمْ يُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَقَالُوا غَيْرَ ذَلِكَ، حَتَّى خَرَجَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَأَخْبَرُوهُ بِمَا قَالُوا، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ». فَإِنَّ مِنْ صِفَاتِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يَتَطَيَّرُونَ، وَإِنَّمَا يَعْتَمِدُونَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَحْدَهُ. فَأَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، احْذَرُوا مِنَ التَّشَاؤُمِ، سَوَاءَ كَانَ بِالْأَيَّامِ أَوْ بِالْأَشْخَاصِ أَوْ بِالشُّهُورِ أَوْ بِالْأَعْدَادِ أَوْ بِأَصْحَابِ الْعَاهَاتِ أَوْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْأَمْرَ خَطِيرٌ، وَإِنَّهُ مِنَ الشِّرْكِ الْأَصْغَرِ الَّذِي حَذَّرَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُ، وَهُوَ أَعْظَمُ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، فَيَنْبَغِي عَلَيْنَا مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ نَحْذَرَ هَذَا الْمَسْلَكَ، وَنَسْأَلَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ عِبَادِهِ الْمُتَوَكِّلِينَ الَّذِينَ لَا يَعْتَمِدُونَ إِلَّا عَلَى رَبِّهِمْ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَحْدَهُ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الْكُفْرَةَ وَالْمُشْرِكِينَ أَعْدَاءَكَ أَعْدَاءَ الدِّينِ. اللَّهُمَّ هَيِّئْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ أَمْرَ رَشَدٍ يُعَزُّ فِيهِ أَهْلُ طَاعَتِكَ وَيَذِلُّ فِيهِ أَهْلُ مَعْصِيَتِكَ، وَيُؤْمَرُ فِيهِ بِالْمَعْرُوفِ وَيُنْهَى فِيهِ عَنِ الْمُنْكَرِ. اللَّهُمَّ انْصُرِ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ. اللَّهُمَّ انْصُرِ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ. اللَّهُمَّ انْصُرِ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ. اللَّهُمَّ انْصُرْ إِخْوَانَنَا الْمُجَاهِدِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ. اللَّهُمَّ انْصُرْ إِخْوَانَنَا الْمُجَاهِدِينَ الَّذِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِكَ وَمِنْ أَجْلِ إِعْلَاءِ كَلِمَتِكَ. اللَّهُمَّ انْصُرْ دُوَلَ التَّحَالُفِ عَلَى الْحُوثِيِّينَ، اللَّهُمَّ انْصُرْ عَلَيْهِمْ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. اللَّهُمَّ سَدِّدْ رَمْيَهُمْ، اللَّهُمَّ ثَبِّتْ أَقْدَامَهُمْ، اللَّهُمَّ ثَبِّتْ أَقْدَامَهُمْ يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَتُبْ عَلَيْنَا، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.