الدرس في كتاب القضاء والدعاوى والبينات وأنواع الشهادات 8، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع باب الإقرار لغةً وشرعاً كاعتراف الإنسان بحق عليه، مستدلاً له بالكتاب والسنة والإجماع، مبيناً شروط صحته من تكليف واختيار. ويؤكد أن الإقرار يعد سيد الأدلة وأقوى من الشهادة لصدوره من المقر نفسه، ويعم جميع أبواب الفقه من عبادات ومعاملات.
يبيّن المقطع أنواع الإقرار في المعاملات والأنكحة والجنايات مشروطاً بخلوه من الإكراه أو السكر، وأن المقر يلزم بإقراره ولا يرجع عنه إلا ببينة. ويؤكد وجوب الاعتراف بجميع حقوق الآدميين والتحلل منها قبل الموت لمشاحتها يوم القيامة وأدائها بالحسنات والسيئات.
يقسم المقطع حقوق العباد إلى ثلاثة أقسام: حقوق النفس كقصاص ودية، وحقوق المال كردّه أو التصدق به، وحقوق العرض كسب وقذف وغيبة. ويوضح خلاف العلماء في التحلل من حقوق العرض بين اشتراط إعلام المجني عليه وقول ابن تيمية بالاكتفاء بالتوبة والثناء، مرجحاً النظر في حال المجني عليه.
يوصي المشايخ بالكتاب لاختصاره وأهميته العظيمة في الفقه، مشيرين إلى عناية العلماء المعاصرين بشرحه حتى بلغ عدد الشارحين عشرات المشايخ. ويُعد الكتاب مرجعاً أساسياً وعظيماً لمن فهمه وأتقن مسائله الفقهية.
الحمد لله، وصلوات السلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: "باب الإقرار". وختم المؤلف كتابه بباب الإقرار، قالوا: تفاؤلًا بالإقرار بالشهادة عند الوفاة، بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة». فهو كأنه يقول: أنا أقر أن لا إله إلا الله، فتفاءل بأن يقولها وينطق بها عند الوفاة، الله أعلم. والإقرار كما عرفه المؤلف فهو: اعتراف الإنسان بحق عليه بكل لفظ دال على الإقرار، كأن يقول مثلاً لمحمد: "علي عشرين ألفًا" مثلاً، أو يقول: "أنا قتلت فلانًا"، أو يقول: "أنا سرقت فلانًا"، يقر على نفسه. تمام، هذا هو الإقرار. والإقرار دل عليه الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب ففي قول الله عز وجل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾، فهذا فيه الإقرار على هذا الأمر. وأما السنة فأحاديث كثيرة، منها ما مر معنا: «اغدُ يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها». ما معنى "فإن اعترفت"؟ يعني: فإن أقرت. «فإن اعترفت» يعني: فإن أقرت. وهكذا في قوله عليه الصلاة والسلام في حديث ماعز: أنه حده بإقراره. وكذلك الغامدية حدها لما اعترفت، حدها لما اعترفت. قال: بشرط كون المقر مكلفًا شرعًا. هنا المؤلف شرع في ذكر شروط، ذكر شروط صحة الإقرار، يعني: ليس كل من أقر بشيء فإقراره صحيح، لا، فيشترط لصحة الإقرار شروط، ذكر منها المصنف التكليف. هذا هو الشرط الأول: أن يكون المقر مكلفًا، والمكلف هو البالغ العاقل، لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة»، وذكر منهم: «عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق». فلا يصح من صبي، ولا من مجنون، وكذلك ولا من سكران. لو سكران مثلاً حال سكره قال: "أنا قتلت فلان"، هو سكران، فلما فاق قيل له: "أنت أقررت أن قتلت فلان، إذن عليك حد القصاص". قال: "متى قلت هذا؟" قالوا: "قلت وأنت سكران". قال: "أنا ما قتلت، وأنا ما أدري ما أقول وأنا سكران". ما عليه شيء، لا يؤخذ بهذا الإقرار، لا يؤخذ بهذا الإقرار. ولهذا لم يؤاخذ النبي صلى الله عليه وسلم عمه حمزة رضي الله عنه قبل أن تحرم الخمر، كان حمزة رضي الله عنه شارِبًا، فلما تمكن منه السكر قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «هل أنتم إلا عبيد لأبي؟» هكذا يقول للنبي صلى الله عليه وسلم، فلم يعاقبه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يحكم عليه بشيء لأنه سكران غير واعٍ ما يقول، ولو قيل له: "قلت ذلك" بعد ما أفاق لندم رضي الله عنه. هذا هو الشرط الأول. الشرط الثاني من شروط صحة الإقرار: أن يكون مختارًا، فلا يصح الإقرار من مكره، بقول الله عز وجل: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تتكلم أو تعمل به»، و«إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». الشاهد: «وما استكره عليه». نعم، فإذا ادعى... يعني: لو الإنسان أكره، إيش معنى أكره؟ يعني: أمسك وقيل له: "أنت الذي سرقت المال". قال: "أنا ما سرقت شيء". قالوا: "إلا أنت الذي سرقت"، وأوجعوه ضربًا، ضربوه ضربًا شديدًا حتى كاد أن يغمى عليه، فمن أجل أن يدفع عن نفسه ألم الضرب قال لهم: "نعم، أنا سرقت المال". ثم بعد ذلك أرادوا قطع يده، فقال للقاضي: "إنما اعترفت نظراً للضرب الذي وقع بي، وإلا أنا لم أسرق". فهنا لا يعتد بإقراره لأنه إقرار المكره. لكن من ادعى الإكراه فإنه لا يقبل منه هذا الادعاء إلا ببينة، لا يقبل منه هذا الادعاء إلا بإيش؟ إلا ببينة. ما هي هذه البينة؟ هذه البينة مثلاً: أن يظهر على جسده أثر الضرب، قال للقاضي: "أنا إنما ضربت"، قال له: "دلني مواضع الضرب"، فوجد القاضي أثر العصي أو أثر الشيء الذي ضرب به، فهذه قرينة وحجة، أو كذلك بينة... أو بينة، هذه بينة، أو نحو ذلك. فهذا إذن لا تقبل منه هذه... أو لا يقبل منه هذا الإكراه، لا يقبل منه هذا الإكراه. نعم، قال: «وهو من أبلغ البينات». يعني: الإقرار من أبلغ البينات. لماذا من أبلغ البينات؟ لأنه اعتراف ممن عليه الحق، فلا يحتمل الشبهة، ما فيه شبهة. إنسان يقول لك: "أنا فعلت كذا"، في شبهة أنه ما وقع في هذا الشيء؟ ما فيه هناك شبهة. بخلاف الشهادة، ولذلك قالوا: الإقرار أقوى من الشهادة. ولذلك هنا الآن القضاء والفقهاء يسمون الإقرار "سيد الأدلة". الله، ما فيه بعد الإقرار... الإقرار يعد سيد الأدلة، فهو أبلغ البينات، أقوى البينات، أبلغ بمعنى أقوى البينات. واضح؟ فلذلك يسمونه سيد الأدلة، وهو أقوى من كل بينة، حتى أقوى من الشهادة. الإقرار. نعم، قال: «ويدخل في جميع أبواب العلم». أي: الإقرار ليس مقتصرًا على أبواب الحدود، بل هو عام في جميع أبواب الفقه، فيدخل كما ذكر هنا في العبادات والمعاملات والأنكحة والجنايات وغيرها. نمثل على ذلك قوله: العبادات، كأن يقر مثلاً بأنه صلى أربعًا، أو صام أيامًا، أو أدى زكاة في مال معين. هذا قد يحتاج منه إلى إقرار. مثلاً على سبيل المثال: جاء له وقيل له: "أنت ما أديت زكاة مالك". طيب، أنت ما أديت زكاة مالك، فهنا أقر أنه: "نعم، أنا ما أديت زكاة مالي". إذن هنا يعاقب على ذلك، يعاقب على ذلك من قبل ولي الأمر. طيب، فإذا ذهب به إلى القاضي... ها، وقيل له: "أنت ما أديت زكاة مالك". قال: "لا، أنا أديت". قال له: "كيف؟ أنت قد اعترفت من قبل". ها، فأنت كاذب في دعواك. إذن هذا يدخل في إيش؟ يدخل في العبادات، لأن الزكاة عبادة، الزكاة عبادة. طيب، نعم: إنسان مثلاً رفعت عليه قضية أنه ما يصلي، جاؤوا به وقيل له: "أنت ما تصلي". قال: "نعم، أنا ما أصلي". فمسكه القاضي، قال له: "أنت ما تصلي". قال: "أنا أصلي". قال له: "كيف؟ أنت قد اعترفت وأقريت على نفسك أنك ما تصلي". طيب، هذا قوله: "أنا ما أصلي"، أليس هذا في العبادات؟ نعم، هذا في العبادات. إذن الإقرار قد يكون في العبادات، مش في الجنايات فقط. فهمتم هذا الآن؟ مثال المعاملات: المعاملات كأن يقر مثلاً... كأن يقر أنه الذي أتلف مال فلان، أو وهب فلانًا مالًا، أو يقر أن فلانًا يطلبه مبلغًا من المال. هذا من المعاملات. قال: هذا الرجل أنه هو الذي سرق المال، أو هو الذي أتلف المال، أو وهب مال فلان، ثم ادعى أن المال له لأن الهبة ما يتراجع عنها، صح؟ فإذن هذا في المعاملات، ليس في الجنايات. واضح هذا الآن؟ كذلك في الأنكحة: الأنكحة مثلاً كأن يقر بأنه زوج فلانًا ابنته، ثم أنكر ذلك. قال: "أنا زوجت ابنتي لفلان"، ثم أنكر ذلك. أو أن المهر قدره مليون، فقر بهذا، ثم قال: "لا، هذا ما أعطاني إلا خمسمائة، إذا نريد خمسمائة أخرى". قال: "لو أنت قد أقريت أنك أعطيته مليون". إذن هذا في أيش؟ هذا في النكاح، يتعلق بالأنكحة، ما يتعلق بالجنايات. وقد يكون في الجنايات، وهذا قد مر معنا كثيراً، قد مر معنا كثيراً، كمن مثلاً يقر على نفسه بأنه قتل، أو بأنه ضرب فلانًا، أو كسر سن فلان، أو كل هذا من باب الجنايات، من باب الجنايات. نعم، قال: «وفي الحديث: لا عذر لمن أقر». لا عذر لمن أقر. هذا الحديث لا أصل له كما قال ابن حجر، وقال: وليس معروفًا على إطلاقه صحيحًا. لماذا ليس على إطلاقه صحيحًا؟ لأنه قد يكون الإقرار عن إكراه، أو عن سكر، أو نحو ذلك. فإنما لا عذر لمن أقر من توفرت فيه شروط صحة الإقرار، من توفرت فيه شروط صحة الإقرار، فهنا نعم لا عذر له، لا عذر له. فالحديث هنا ليس بصحيح، وليس هو على إطلاقه. قال: «ويجب على الإنسان...» طيب، قبل هذا نذكر مسألة: وهي إذا أقر المقر، فإنه يحكم القاضي عليه، ولا يجوز الرجوع عنه إلا ببينة. إذا كان في حقوق من حقوق الآدميين، فالمقر مواخذ بإقراره، فلو أنكر بعد ذلك فلا عبرة بإنكاره. خلاص، قال: "أنا قتلت"، وهو مختار، ليس مكرهًا، وليس سكرانًا، وليس صبيًا، عاقل، بالغ، صاحي، نحو ذلك. فهنا لا يمكن التراجع عن الإقرار. خلاص، إذا أقر على نفسه لا يلغى هذا الإقرار إلا ببينة، كما مر معنا، إلا ببينة: أيش السبب في رجوعك عن الإقرار؟ إذا أتى ببينة واضحة، بينة صحيحة، فهنا نعم. أما إذا لم توجد بينة، فلا عبرة بإنكاره، لا عبرة بإنكاره. وهذا يقع كثير في المحاكم، تجد الواحد أحياناً يعترف، ثم يقول للمحامي: "أنكر، أنت ما عليك"، فينكر. قال له: "كيف؟ أنت قد اعترفت". فيقول مثلاً المحامي: "نعم، اعترف تحت وسيلة الضغط". إيش القرينة على أنه تحت وسيلة الضغط؟ أين أثر الضرب مثلاً؟ أو أين أثر الضغط؟ من ضغط عليه يؤتى بمن ضغط عليه: "هل أنت ضغطت على فلان؟ أيش فعلت بفلان؟" لابد القاضي يتحرى في أمر الرجوع عن الإقرار، لا يعني يقبل رجوع المقر بدون أدلة، بدون أدلة. هذه مسألة مهمة. ثم قال المؤلف: «ويجب على الإنسان أن يعترف بجميع الحقوق التي عليه للآدميين ليخرج من التبع بأداء أو استحلال». والمراد بالتبع هنا الإثم، المراد بالتبعة هنا الإثم والعذاب يوم القيامة، يوم القيامة. نعم، فينبغي لمن يعني عليه حقوق أن يتبرأ منها وأن يتخلص منها قبل الموت، أن يتخلص منها قبل الموت. لماذا؟ لماذا؟ لأن حقوق الآدميين مبناها على المشاحة، يعني: يوم القيامة ما يتنازل أحد عن حقه، كل واحد يريد حقه، بخلاف المعصية التي بينك وبين الله، فالله عز وجل غفور، قد يغفر لك، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾. أما موضوع... أما موضوع الآدميين، فكل واحد يريد حقه. فإذن حتى لا تأتي يوم القيامة وتطالب بهذه الحقوق، وهذه الحقوق يوم القيامة ما تكون بإرجاع الأموال، خلاص انتهت، انتهت تكاليف، وإنما يكون إرجاع الحقوق بالحسنات والسيئات، كما أتى في الحديث، كما أتى في الحديث. فإذن هناك... فتحذير من عدم رد المظالم. جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ» يعني: من مال أو قصاص أو نحو ذلك، «فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ». يوم القيامة ما في دينار ولا درهم. «إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ». عندك عمل صالح، هذا الذي ظلمت يأخذ من حسناتك بقدر المظلمة التي ظلمته فيها. «وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ» هذا ما عنده حسنات، الظالم، أخذ من سيئات صاحبه المظلوم، هذا له سيئات، تأخذ سيئاته فتوضع على هذا الظالم، توضع على هذا الظالم. «أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ». رواه البخاري. وبمثله حديث المفلس، حديث أبي هريرة، لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟» قالوا: يا رسول الله، المفلس من لا دينار له ولا درهم ولا متاع. الإنسان ما عنده مال، هذا يقولون له الناس: مفلس في الدنيا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْمُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَصَدَقَةٍ، فَيَأْتِي وَقَدْ شَتَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، وَقَتَلَ هَذَا، وَأَخَذَ مَالَ هَذَا، فَيُؤْخَذُ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، حَتَّى إِذَا فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ فِي النَّارِ». هذا يدل على خطورة أن يموت الإنسان وفي رقبته مظلمة لأحد، وفي رقبته مظلمة لأحد. وجاء حتى لو كان دينًا، مع أن الدين ربما تأخذه بحق، أو تأخذه بصورة... يعني شرعية، أو صورة صحيحة، لكن ما استطعت أن توفي هذا الدين، فإنه يبقى عليك إلى يوم القيامة. جاء في حديث أبي قتادة قال: قال عليه الصلاة والسلام... أو قال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن قتلت في سبيل الله تكفر عني خطاياي؟ قال: «لَوْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ هَلْ تُكَفِّرُ خَطَايَاكَ؟» فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «نَعَمْ، إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ». قال: «إِلَّا الدَّيْنَ». شوف استثنى هذا، شوف شهيد مات في المعركة، ومع هذا الدين ما يعني يكفر عنه. قال: «إِلَّا الدَّيْنَ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ قَالَ ذَلِكَ». رواه مسلم. يعني: قال له: الدين ما يكفر، ولو كان من شهيد، ولو كان الذي عليه شهيد مات في سبيل الله. فهذا يدل على خطورة ماذا؟ خطورة البقاء على المظالم، والموت وأنت في رقبتك هذه المظالم. وحقوق العباد تنقسم إلى أقسام. حقوق العباد تنقسم إلى أقسام: القسم الأول: أن تكون في النفس. هذا الحق في النفس، مثل أن يكون قد جنى عليه بقتل، أو بضرب حتى جرح، أو قطع عضو من أعضائه. فكيف يكون التحلل من هذه المظلمة؟ يكون التحلل منها بأن يمكن صاحب الحق من القصاص، أو بذل الدية إذا لم يكن القصاص. شخص قتل شخص، لا تبرأ ذمة هذا الشخص حتى يسلم نفسه إلى الورثة أو أولياء الدم، فإن شاء طالبوا بالقصاص، فكفارة قتله هذا أن يقتص منه بقتله، أو يرضون بالدية. وكذلك من جرح، من جرح يبذل الدية في ذلك، كأن قطع إصبعًا، أو قطع رجلًا، أو نحو ذلك. فما يكون في النفس يكون فيه القصاص أو بذل الدية. هذا في النفس. وقد... القسم الثاني من أقسام حقوق العباد: قد تكون في المال. أخذ منه مالًا ظلمًا، سرق، أو غش، أو كذب، أو دين، أو نحو ذلك. فإن التحلل من ذلك أن يرجع له ماله، يرد له ماله. سرقت عليه مليون، فإن هذا المليون إذا لم تعطيه إياه في الدنيا أخذه منك حسنات في يوم القيامة. المال هذا لابد أن ترده إليه، أو سيرده ربك سبحانه وتعالى له يوم القيامة بالحسنات والسيئات. طيب، إذا مات صاحب الحق مثلاً؟ محمد من الناس له مليون عندي، ثم مات محمد، وأنا أريد أن أتحلل من هذا المال، أي أفعل؟ تسلمه للورثة، تعطيه الورثة. محمد معه أبناء، تعطي الأبناء، وهكذا. فبهذا تكون قد تحللت. طيب، لم تجد ورثته؟ وهذا يسأل عنه بعض الناس، يأخذ مالًا مثلاً من أحد دين، ثم يغيب عنه صاحب الدين، وما يدري أين هو، وما يدري من ورثته. فهنا تتصدق بهذا المال بنية أنه لصاحبه، تتصدق بهذا المال، هذا يكفي في التحلل، لأنه سيجده صدق يوم القيامة. واضح؟ هذا في المال. القسم الثالث: إن كانت المظلمة في العرض، مثل سب، أو شتم، أو كذلك غيبة، أو قذف بباطل. فهذا اختلف العلماء في كيفية التحلل منه على قولين. اختلف العلماء في كيفية التحلل من هذا القسم على قولين: القول الأول: اشترطوا الإعلام والتحلل. إيش معنى الإعلام؟ يعني: قذفت إنسانًا، تذهب عنده تخبره: "يا فلان، سامحني، أنا تكلمت عليك بباطل، وأنا نادم الآن، أو كذبت عليك، أو قذفتك، أو سبيتك، فسامحني وتحلل منك". قالوا: هذا، قالوا: لأن الذنب حق آدمي، فلا يسقط إلا بإحلاله منه وإبرائه. إذا لم... يعني: يسامحك، إذا لم يسامحك فيبقى حقه، فيبقى حقه عليك، فيبقى حقه عليك. هذا القول الأول. القول الثاني: أنهم لا يشترطون الإعلام والذهاب إليه للتحلل منه بما نال من عرضه أو قذفه أو اغتيابه. قالوا: بل يكفي توبته بينه وبين الله، وأن يذكر هذا الذي سبه أو قذفه بخير وبالثناء. فإذا اغتابه يذكره بالجميل ويذكره بالفضائل، وإن سبه كذلك يذكره بما هو ضد هذا السبب. لو سبه بالكذب، يقول: "فلان رجل صادق، فلان كذا". يكفي أن... ماذا؟ يثني عليه. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله، وحجته في ذلك أن الإعلام والإخبار قد يكون فيه مفسدة أعظم. تصور: لو اغتبت إنسانًا وقلت... لو أنا اغتبت، ها، اغتبتني أنت كذا وأنت كذا، ربما يتزايد العداوة، صح؟ وربما كذلك يزيد حنق هذا الإنسان، وربما كذلك يتضارب معك، ها: "ليش أنت تقول عنه كذا؟". فلذلك قال شيخ الإسلام: يكفي في هذا أن يتوب إلى الله عز وجل ولا يعود، ويثني على هذا الشخص، ويذكره بالجميل، ويذكره بالجميل. وفرّق شيخ الإسلام بين الجنايات وبين هذه المسألة وهي الأعراض من وجهين. يعني: لماذا في الجنايات ضربت إنسانًا لابد أن يقتص منك؟ لماذا؟ وفي الأعراض لا تخبره ولا تعلمه؟ أيش الفرق؟ قال: هناك فرق. الفرق الأول: أن في الجنايات عند إخبار المجني عليه قد ينتفع بهذا الإخبار. ما هو هذا الانتفاع؟ قد يعطى دية، صح؟ فينتفع بهذه الدية. بخلاف الغيبة والنميمة والسب، ما فيها شيء مال، هذا ما فيها شيء مال، طيب؟ فلا ينتفع بها المخبر، ما ينتفع بها هذا. الوجه الثاني: إذا أعلمه بها لم تؤذه ولم تهيج منه غضبًا ولا عداوة. هذا صاحب الجناية، إذا أخبرت أني أنا الذي قطعت يدك، تمام، هذا ربما هذا لا يفرح بهذا، ليش؟ لأنه قد يحصل مال من ورائه، واضح؟ بخلاف لو أخبرت إنسانًا سببته أو اغتبته، فلربما هذا يؤدي إلى العداوة والحزن والبغضاء ونحو ذلك. فلذلك فرّق شيخ الإسلام بين هذا وهذا. والصواب، الله أعلم، أن تنظر حال من اغتبته ومن سببته، تنظر إلى حاله. فإن غلب على ظنك أنك إذا أخبرته... إذا أخبرته ما ستحصل مفسدة، فالأولى أن تخبره. سبيت فلانًا، ثم رأيت أنك أخطأت في ذلك، تذهب عنده تقول: "يا فلان، سامحني، والله أنا شوف زللت وخرجت كلمة مني وكذا"، إن شاء الله مسامح. إذا رأيت أنه يقول: "خلاص، الأمر طيب"، وتعرف من أخلاقه العفو والصفح وكذا، هذا الأولى أن تخبره، حتى تبرئ ذمتك، طالما أنك غلب على ظنك أنه سيسامحك. لكن لو رأيت إنسانًا لو أخبرته ربما ضاربك، وربما عاداك، وربما قال لك: "أنا ما أسامح"، إذا إيش الفائدة من هذا؟ فهنا يكفي أنك تتوب بينك وبين الله، وماذا؟ وتثني عليه، وتذكره بالجميل. وهذا إن شاء الله يكفي في ذلك، قاله الله أعلم. وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد، على آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. علقه كاتبه الفقير إلى الله، الراجي منه أن يصلح دينه ودنياه، عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي، غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين. نقلته من الأصل، وتم النقل في الثالث من ذي الحجة لعام تسعة وخمسين وثلاثمائة وألف من الهجرة. قبل كم سنين هذا؟ نقص ألف وأربعمائة وسبعة وأربعين من ألف وثلاثمائة وتسعة وخمسين. من عنده قوة في الحساب كم يساوي؟ ثمانية وثمانين. ثمانية وثمانين. طيب، ليش قل ثمانية وثمانين؟ لأن سبعة وأربعين لو نقصتها من تسعة وخمسين كم يساوي؟ سبعة وأربعين... تسعة وخمسين ناقص سبعة وأربعين ثلاثة... وتسعة بيساوي ثلاثة عشر. طيب، إذن بيكون سبعة وثمانين. أنت قلت كم؟ سبعة وثمانين. تسعة وأربعين ناقص سبعة وأربعين... تسعة وخمسين ناقص سبعة وأربعين كم فيها؟ تسعة وخمسين ناقص سبعة وأربعين كم يساوي؟ ثلاثة عشر، صح؟ ثلاثة عشر، إذن يكون سبعة وأربع... سبعة وثمانين. والله أعلم. وبهذا نكون قد انتهينا من شرح هذا الكتاب، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. ونصيحة لكم أن تعتنوا بهذا الكتاب، وأن تراجعوه بين الفينة والأخرى، وأن كذلك تجعلوه الأصل في معرفة المسائل الفقهية، فقد حوى هذا الكتاب على غالب مسائل الفقه بأسلوب مختصر، وبكذلك ذكر الأدلة من الكتاب والسنة والقواعد الفقهية. الشيخ عبد الرحمن الناصر السعدي مشهور بتضلعه في علم الفقه وأصوله وترجيحه ونحو ذلك، فهذا كتاب يعني... مشايخنا يوصون به، وكذلك اعتنى العلماء بشرحه، تجد هذا الكتاب شرحه عشرات المشايخ المعاصرين، ما من شيخ من مشايخ السنة إلا وربما شرح هذا الكتاب لاختصاره وأهميته، فهو يعني كتاب عظيم لمن فهمه وأتقن مسائله، والله تعالى أعلم. طيب، نكتفي بهذا، والحمد لله رب العالمين.