الدرس في شرح كتاب الطهارة 23، ألقاها
يشترط للمسح على الخفين لبسهما على طهارة وستر محل الفرض، مع اختلاف العلماء في بعض الحالات الخاصة. يُشترط أن يكون الخف مباحًا وطاهرًا.
يُشرح المقطع الشروط الخمسة لصحة المسح على الخفين، وهي إباحتهما وطهارة عينهما ووضع الخفين على طهارة والمسح في المدة المحددة شرعاً، مع إضافة شرط سادس وهو أن يكون المسح في الحدث الأصغر.
يُبين المقطع كيفية المسح على الخفين، حيث يكون على ظاهر الخف وأعلاه، ويحدد مدة المسح للمقيم والمسافر بناءً على الأحاديث النبوية.
يتم الإشارة إلى موضوع متعلق بمدة المسح على الخف ويتم الختام بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، مما يدل على أهمية اتباع السنة النبوية.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -فقه الله- المسألة الثانية: شروط المسح على الخفين وما يقوم مقامهما. قال: هذه الشروط هي: أولاً، لبسهما على طهارة؛ لما روى المغيرة قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفرٍ، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: دعهما؛ فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما. والحديث في الصحيحين. المغيرة من شعب رضي الله عنه كان مع النبي عليه الصلاة والسلام، فلما توضأ عليه الصلاة والسلام، أهوى المغيرة ليخرج وينزع خفي النبي عليه الصلاة والسلام، ظناً منه أنه يريد أو أنه سيغسل قدميه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: دعهما؛ فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما. فقوله: فإني أدخلتهما طاهرتين، يدل على أن المسح لا يشرع على الخفين إلا إذا لبسهما على طهارة. استدل العلماء بهذا على أنه يشترط للمسح على الخفين أن يلبس على طهارة. أما إن لبسهما على غير طهارة، فإنه لا يشرع له أن يمسح على خفيه. وطيب إذا توضأ، ثم غسل قدمه اليمنى، وقبل أن يغسل اليسرى لبس الخف الأيمن، ثم غسل اليسرى ولبس الخف الأيسر، هل في مثل هذه الحالة له أن يمسح عليه؟ ماء واضح الصورة: أن يغسل قدمه اليمنى، ثم يلبس الخف مباشرة قبل غسل القدم اليسرى، ثم يغسل اليسرى فيلبس الخف الأيسر، هل له في مثل هذه الحالة أن يمسح عليه ماء أم لا؟ من عنده جواب؟ عبد الرحمن، لماذا طيب؟ يقول: طهارة، طهرت اليمنى ولبستها، وطهرت اليسرى ولبستها، ها، ما أكمل الطهارة؛ يعني ما زالت الطهارة ناقصة. هكذا ما أكمل. نعم، هذا الصواب: أنه ما أكمل الطهارة؛ هو إذا لبس الخف الأيمن قبل غسل القدم اليسرى، ما زالت الطهارة ناقصة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: فإني أدخلتهما طاهرتين. ولا تكتمل الطهارة إلا بغسل اليسرى، ثم بعد ذلك يلبس الخف، ويكون بذلك لبسهما على طهارة. أما إذا لبسها قبل الغسل اليسرى، فهو لبسها قبل إكمال الطهارة. قال: ثانياً، سترهما لمحل الفرض؛ أي المفروض غسله من الرجل. فلو ظهر من محل الفرض شيء لم يصح المسح. يقول: يشترط في المسح على الخفين سترهما لمحل الفرض؛ أن تكون الخف ساترة لمحل الفرض، لا يظهر منه شيء. قال: فلو ظهر من محل الفرض شيء لم يصح المسح؛ يعني إذا كان الخف مخرق، في خرق طيب يظهر منه القدم. قالوا: في مثل هذه الحالة ما يشرع أن يمسح على هذا الخف؛ لماذا؟ لأن إذا ظهر محل الفرض، فالواجب غسله. فالواجب هو غسله، ولا يمكن أن يمسح على الخف ويغسل المحل المكشوف؛ إذن فلابد ماذا؟ أن يغسل قدمه، ولا يمسح على الخف ما دام أن محل الفرض ماذا ظاهر. هو صحيح في هذه المسألة أنه إذا ظهر محل الفرض، لكن هو شيء يسير، وما زال الخف يسمى خفاً، فإنه يصح المسح على الخف. هذا القول: بأنه إذا ظهر محل الفرض لا يشرع مسح الخف، هذا قول الإمام أحمد والشافعي. والقول الآخر، وهو قول شيخ الإسلام رحمه الله، وأيضاً قول الثوري وإسحاق ومن المنذر والأوزاعي، ذهبوا إلى أنه يجوز المسح على الخف إذا كان فيهما شيء من الخروق؛ إذا كان مخرقاً، فإنه يشرع المسح عليه ما دام أنه يسمى خفاً. وذلك أن الصحابة رضوان الله عليهم معروف أنهم كثير منهم كانوا فقراء ومساكين، فلا شك أنه ستكون عندهم خفاف مخرقة، ومع ذلك لم ينه النبي عليه الصلاة والسلام عن المسح عليها. وكذلك أيضاً ما دام أن القدم مغطى بالخف، وهو يسمى خفاً، فإنه يشرع المسح عليه؛ ولا دليل على المنع. قال: ثالثاً، لكن إذا كان يعني هذا الخف لا يسمى خفاً لكثرة ماذا الخروق الذي فيه والتمزق الذي فيه، حتى لا يسمى خفاً، في مثل هذه الحالة لا يشرع المسح عليه. قال: ثالثاً، إباحتهما؛ فلا يجوز المسح على المغصوب والمسروق، ولا الحرير لرجل؛ لأن لبسه معصية، فلا تستباح به الرخصة. قال: إباحتهما؛ يعني أن يكون الخفان مباحين؛ أي مما يباح لبسه، أن يكون خفاً حلالاً مباحاً. فبهذا يخرج الخف المحرم؛ يخرج بهذا الخف المحرم، سواء كان محرماً لكسبه أو كان محرماً لعينه. المحرم لكسبه كما ذكر المغصوب والمسروق؛ إذا اكتسب خفاً محرماً عن طريق الغصب، أخذه من إنسان غصباً، أو سرقه سرقه وأخذه خفية، ثم أراد أن يمسح عليه، فيقول: لا يجوز؛ لأن هذا الخف غير مباح ومحرم اكتسبه من حرام، فلا تستباح هذه الرخصة بمعصية. أو محرم لعينه كالحرير؛ الحرير محرم على الرجال، فإذا لبس خفاً من حرير لم يجز له أن يمسح عليه؛ لأنه يحرم عليه لبسه واستعماله. ويستدل بهذا لحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد. قال: رابعاً، طهارة عينهما؛ فلا يصح المسح على النجس كالمتخذ من جلد حمار؛ يعني أن يكون الخف طاهراً، لا يكون نجساً، سواء كانت هذه النجاسة نجاسة عينية أو نجاسة حكمية. النجاسة العينية كالمتخذ من جلد الحمار؛ لأن جلد الحمار مما لا يطهر بالدباغ؛ لأنه مما لا يأكل لحمه، فيكون نجساً لا يمكن أن يطهر. ومثله جلد الحية والسباع ونحو ذلك من نحو هذه الحيوانات المحرمة؛ فهذا لا يجوز أن يلبسه وأن يمسح عليه. أو نجاسة حكمية؛ يعني نجاسة طارئة، إذا طرأت على الخف نجاسة، لا يجوز له أن يمسح عليه إلا بعد أن يزيل النجاسة. قال: خامساً، أن يكون المسح في المدة المحددة شرعاً، وهي للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بليالهن. نعم، أن يكون المسح في المدة المحددة شرعاً، والشرع حدد للمقيم يوماً وليلة؛ يعني مدة 24 ساعة، وحدد للمسافر ثلاثة أيام بليالهن؛ يعني 72 ساعة. هذه المدة يشترط في جواز المسح على الخفين أن تكون في هذه المدة. فإذا تعدى اليوم والليلة؛ يعني مضت 24 ساعة، ثم أراد أن يمسح، فإنه لا يشرع له أن يمسح؛ لأنه قد انتهت مدة المسح. وإذا كان مسافراً ومسح ثلاثة أيام بليالهن، ثم أراد أن يمسح ويزيد، فإنه كذلك لا يشرع له المسح لانتهاء المدة. قال: هذه شروط خمسة استنبطها أهل العلم لصحة المسح على الخفين من نصوص النبوية والقواعد العامة؛ لا بد من مراعاتها عند إرادة المسح. ويزاد أيضاً على هذه الشروط أن يكون المسح في الحدث الأصغر؛ أن يكون المسح في الحدث الأصغر لا في الحدث الأكبر؛ لأن الحدث الأكبر يوجب الغسل؛ فلهذا يجب أن ينزع الخفين وأن يغسل قدميه. وإنما يكون مسح الخفين في الحدث الأصغر كالبول والغائط ونحو ذلك من نواقض الوضوء. طيب إذن هذه ستة شروط: أن يلبس على طهارة، أن تكون ساترة للقدمين، إباحتهما، طهارتهما، أن يكون المسح في المدة المحددة شرعاً، والسادس أن يكون المسح من حدث أصغر. قال: المسألة الثالثة: كيفية المسح وصفته. قال: المحل المشروع مسحه ظاهر الخف؛ والواجب في ذلك ما يطلق عليه اسم المسح؛ يعني لا يشترط التعميم؛ تعميم ظاهر الخف كله، لكن الأغلب يمسح؛ وما يسمى مسحاً فإنه يجزئ. والذي يمسح هو ظاهر الخف؛ يعني أعلى الخف. قال: وكيفية المسح أن يمسح أكثر أعلى الخف؛ لحديث المغيرة بن شعبة الذي بيّن فيه وصف مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم على خفيه في الوضوء، فقال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على الخف على ظاهرهما. وهذا الحديث أخرجه الترمذي وصححه الألباني رحمه الله. قال: ولا يجزئ مسح أسفله وعقبه؛ ولا يسن؛ يعني أن يمسح الأسفل من الخف، وهكذا أيضاً العقب؛ لا يسن؛ أي ليس من السنة أن يمسح أسفل الخف. قال: قول علي رضي الله عنه: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلى؛ وقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه. هذا الأثر رواه أبو داود والبيهقي. يقول علي رضي الله عنه: لو كان الدين بالرأي؛ يعني بآراء الناس وعقولهم وأهوائهم، لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلى؛ لماذا؟ لأن المكان الذي يمشي عليه الإنسان من الخف هو الأسفل، والذي سيعلق به الوسخ هو الأسفل. ومع ذلك ما يمسح من الخف إلا الأعلى. قال: وقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه؛ يمسح على ظاهر خفيه؛ يعني كان النبي صلى الله وسلم يمسح على ظاهر الخف وأعلى الخف، ولا يمسح أسفله. قال: ولو جمع بين الأعلى والأسفل صح مع الكراهة؛ يعني لو مسح إنسان أعلى الخف وأسفل الخف، صح المسح؛ لأنه مسح أعلاه وظاهره، لكن كره ذلك؛ لأنه لا يسن أن يمسح أسفل الخف. والذي ينبغي فقط هو مسح الأعلى فقط؛ أن يمسح أعلى الخف دون أسفله. قال: المسألة الرابعة: مدة المسح على الخفين بالنسبة للمقيم ومن سفره لا يبيح له القصر يوم وليلة، وبالنسبة للمسافر سفراً يبيح له القصر ثلاثة أيام بليالها؛ لحديث علي رضي الله عنه قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام وليالهن للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم. والحديث رواه مسلم. هذه مدة المسح التي حددها الشرع: أنه للمقيم يوماً وليلة؛ يعني مدة 24 ساعة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها؛ أي مدة 72 ساعة. يمسح في خلال هذه المدة؛ يلبس الخف أو الشراب أو الجورب، ويبقى لابساً لها طيلة هذه المدة؛ إذا جاء وقت الصلاة أو أراد يتوضأ يتوضأ ثم يمسح على الخف حتى تنتهي هذه المدة. والدليل هذا الحديث؛ حديث علي رضي الله عنه في توقيت المسح. والعجب للرافضة مع غلوهم في علي رضي الله عنه، ومع ذلك لا يرون مشروعية المسح على الخف؛ وهذا علي رضي الله عنه يروي التوقيت في مدة المسح عن النبي عليه الصلاة والسلام. وأيضاً بحديث صفوان بن عسال أن النبي عليه الصلاة والسلام وقت لهم أن يمسحوا على الخفاف ثلاثة أيام ولياليهن؛ قال: إلا من جنابة. لكن من غائط وبول ونوم... وسيأتي معنى متى يبتدأ مدة المسح التي يحسب بها من لبس الخف. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.