الدرس في فضائل شهر رمضان للعلامة ابن باز 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الدرس بشرح أهمية الترتيب في الكلام باستخدام "أما بعد"، حيث أنها تستخدم لفصل المقدمة عن الموضوع الرئيسي. وقد استخدمها النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الحاجة.
يشرح الدرس عظمة شهر رمضان وفضله كما وصفه الله تعالى في القرآن والسنة النبوية. يتميز هذا الشهر بشرف الزمان والمكان، مما يؤدي إلى مضاعفة الأجر إما عدديا أو معنويا.
يناقش الدرس أحكام الطاعات الجماعية في رمضان، حيث شرع الله الطاعات الجماعية لتحقيق المقصود منها. الله تعالى شرع ذلك ليجتمع المسلمون ويتعاونوا على الخير في هذا الشهر الفضيل.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه الرسالة الصغيرة في حجمها، العظيمة فيما تحويه، رسالة شيخنا العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله بفضائل شهر رمضان. وصدرها رحمه الله تعالى بالسلام، ثم قال رحمه الله: أما بعد، أيها المسلمون، إنكم في شهر عظيم مبارك، ألا وهو شهر رمضان، شهر الصيام والقيام وتلاوة القرآن، شهر العتق والغفران، شهر الصدقات والإحسان، شهر تفتح فيه أبواب الجنات، وتضاعف فيه الحسنات، وتقال فيه العثرات، شهر تجاب فيه الدعوات، وترفع الدرجات، وتغفر فيه السيئات. شهر يجود الله سبحانه فيه على عباده بأنواع الكرامات، ويجزل فيه لأوليائه العطايات، شهر جعل الله صيامه ركنًا من أركان الإسلام، فصامه المصطفى صلى الله عليه وسلم وأمر الناس بصيامه، أخبر أن من صامه إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قامه إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه. شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم. أورد رحمه الله تعالى هذه المقدمة ثم الفاصل وهو «أما بعد». وأما بعد لغة معناها: مهما يكون من شيء بعد، وهي تفصل بين المقدمة والموضوع، وهذا أحد فوائدها. ومن فوائدها كذلك أنها تنبه السامع إلى الموضوع، كأنه يقول: المهم من هنا يبدأ. وهكذا كذلك كما فيه التنبيه الصوتي، كذلك فيه التنبيه النظري، حين ترى الرسالة مقدمة ثم «أما بعد» ثم الموضوع، فأنت يكون تركيزك على ما بعد «أما بعد» لأنه المقصود. وهكذا كذلك من فوائدها أنها ترتب الرسائل والكلمات، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يستخدمها في خطبة الحاجة. وذكر أهل العلم غيرها كذلك من الفوائد للإتيان بهذه الكلمة. ولهذا شرع الإتيان بها اقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ولما فيها من المنافع اللغوية والمعنوية المشار إلى بعضها ها هنا. وقوله رحمه الله: «أيها المسلمون»، النداء بالإسلام يقتضي التنبيه أن ما يأتي من لوازمه، وأن ما يذكره مما يكمله، فيكون في هذا إشارة إلى أن المسلم ينبغي أن لا يفوت ما يأتي، فإنما يأتي شيء عظيم مما يكمل المسلم به إسلامه. وهو كما قال رحمه الله تعالى: «إنكم في شهر عظيم مبارك»، أي هذا الشهر، شهر رمضان، شهر عظيم لعظم ما فيه من الخيرات وأبواب الحسنات كما سيأتي إن شاء الله. ووصفه بعظيم معنويًا مذكور في الكتاب وفي السنة، فقد ذكر معنى هذا الشهر وتعظيمه في عدة آيات، من ذلك قوله سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، فمن عظمة هذا الشهر أن الله خصه بنزول القرآن إلى السماء الدنيا كما جاء عن ابن عباس، وكما قال في سورة الدخان: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ وهي التي ذكرها في سورة القدر: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. فمن عظمة هذا الشهر فيه ليلة خير من ألف شهر، فيها أنزل القرآن. وكذلك ما ذكره رحمه الله من الخصال وخصائص هذا الشهر كلها تدل على عظمته. ومعنى «مبارك»: أي جعل الله عز وجل فيه البركة، والبركة بتكثير القليل والانتفاع الكثير، وهذا حاصل في شهر رمضان. فالحسنات تضاعف مضاعفة عظيمة كثيرة، كما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين: «كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به». ومعناه أن أجر الصوم أعظم من سبعمائة ضعف، اكتنزه ربنا سبحانه وتعالى عنده. وهكذا كذلك ما جعل الله عز وجل فيه من الأعمال الصالحة الكثيرة في وقت وشهر واحد، فلا يوجد شهر تجتمع فيه أعمال مباركة صالحة كثيرة مثل ما يجتمع في هذا الشهر: الصيام، والقيام، والقرآن، وهكذا الصدقة، وطعام الطعام، وغيرها من أعمال الخير والبر التي هي من أصناف الحسنات وصنوف المبرات. وهكذا كذلك من بركته هذا الشهر أن الله عز وجل -وهذا هو القول الصحيح من أقوال أهل العلم- يضاعف الحسنات فيه، ليس فقط في الصيام بل في غيره كذلك من الأعمال. فشرف الزمان والمكان سبب في المضاعفة، إما العددية وإما المعنوية. العددية كما في الحسنات، فإنه جاء نصًا صريحًا أن سائر الحسنات إلى سبعمائة ضعف، وأن الصوم أكثر من ذلك. وأما المعنوية فما يحف بالعمل الصالح من شرف الزمان والمكان ما يجعل له فضلًا وأجرًا أكثر. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عمرة في رمضان تعدل حجة معي». لماذا؟ لشرف الزمان. وهذا من المعنوية. فإذا كان هذا في العمرة، فكذلك يقال في غيرها من الطاعات. والشرع لا يفرق بين مجتمع كما لا يجمع بين مفرق، فكل الحسنات في رمضان فيها إحدى المضاعفتين: إما المضاعفة العددية وإما المضاعفة المعنوية. وقد دل على كلا الأمرين أدلة الشرع. وهكذا كذلك من معاني البركة التي جعلها الله عز وجل في هذا الشهر أن الله عز وجل أعان من وفق للطاعة في هذا الشهر إلى أنواع كثيرة من الطاعة مسهلة ميسرة، فصار سوقًا للتنافس. مثل الذي يذهب إلى السوق ليس مثل الذي يذهب إلى تاجر واحد، إذا ذهبت إلى تاجر واحد فأنت لن تجد إلا ذاك الصنف الذي عنده، ذاك التاجر لن تستطيع أن تتخير ولن تستطيع أن تملأ سلتك من صنوف المنتجات. بخلاف إذا ذهبت إلى سوق مليء بأنواع التجارات وأصناف المعروضات، فإنك ستأخذ من تلك الأصناف الشيء الكثير. وهذا معنى من معاني البركة. وهذا جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: «تفتح فيه أبواب الجنة» في رواية: «الجنات»، في رواية: «الجنان»، يعني أبواب كثيرة تتفتح للإنسان، وهذا من البركة. وليس هذا فحسب، بل تتيسر، ولذلك تجد الصائم في هذا الشهر يجد هذه الأبواب سهلة ميسرة له، بخلاف غيره في الأيام الأخرى، يصوم بينما في الأيام الأخرى يثقل عليه الصيام، يقرأ القرآن بينما في الأيام الأخرى يثقل عليه قراءة القرآن، يتصدق بينما في الأيام الأخرى يثقل عليه كذلك، وهكذا غيره كثير من أصناف الطاعات. وهكذا من البركة كذلك -وهذا سيأتي إن شاء الله- أنه يجد الإعانة على فعل الطاعات بكثرة الفاعلين. ولهذا شرع الله عز وجل أصنافًا من الطاعات أن تؤدى جماعة ليتحقق المقصود في ذلك. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.