الدرس في من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه 11، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول أهمية الزوجة الصالحة في حياة الرجل وضرورة معاشرتها بالمعروف وطاعة الزوج. كما يشير إلى الأسباب الشرعية لمفارقة الزوجة مثل عدم الالتزام بالشروط الشرعية.
يشرح أسباب فسخ النكاح مثل عدم الرضا وعدم توفر الشروط، وكيفية التعامل مع الخلافات الزوجية بالإصلاح والوعظ والهجر في الفراش وفقًا للقرآن والسنة.
يتناول أسباب الفراق مثل الإيلاء والظهار واللعان، وطرق معالجة الخلافات بالموعظة والهجر والتأديب، مع ضرورة التفريق إذا لم يكن هناك إصلاح.
يشرح أن الطلاق الشرعي يكون لله عز وجل خاصة إذا كان لأجل مرضاة الله، ويعوض الله من يطلق زوجته لأجل الله خيرًا منها.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فهذا تتميمًا لموضوعنا «من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه». ذكرنا بعض المحبوبات التي هي محبوبة للإنسان، واليوم -إن شاء الله تعالى- أيضًا نذكر آخر هذه المحبوبات، وهي مفارقة الزوجة. فأيضًا من المحبوبات -كما هو معلوم- الزوجة، فهي نعمة من نعم الله عز وجل، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، فهذه الآية تبين أن الزوجة نعمة من نعم الله عز وجل التي أنعمها على الإنسان، وينبغي ويجب أن يحافظ على هذه النعمة. وكذلك الشرح حث على المعاشرة بالمعروف للزوجة، وكذلك المرأة تعاشر زوجها بالمعروف، المراد بالمعروف أي بالمودة والطاعة، وأيضًا القيام بحقوقهن، «عاشروهن بالمعروف»، فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا. وأحث أيضًا الشرع على اختيار الزوجة الصالحة التي يدوم معها الوفاق، والتي تعرف حق زوجها. ولهذا جاء في حديث عبد الله بن عمر -في صحيح مسلم- أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة»، بل ربنا جل وعلا قال: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾، قال المفسرون: «قانتات» أي طائعات لأزواجهن. فلهذا أيضًا أمر الله عز وجل المرأة أن تطيع زوجها، ولا تنشز عنه، والنشوز هو عدم الطاعة، كما قال الله عز وجل: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾، فلهذا فالواجب على المرأة أنها تطيع زوجها. وقد ذكر النبي عليه الصلاة والسلام -كما جاء في الصحيح- أن المرأة إذا صلت فرضها، وصامت شهرها، وأطاعت زوجها، دخلت جنة ربها. فهذه الرابطة العظيمة، والتي حكى الله عز وجل عنها، عليها كما جاء في الصحيحين، في حديث عبد الله بن مسعود، قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ الباءة القدرة على النكاح، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء». وقال الله عز وجل: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾، ثم قال جل وعلا: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾، استعفوا عن الوقوع في الفاحشة؛ فإن الله عز وجل سيعوضهم. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ثلاثة حق على الله يعانتهم»، وذكر «الناكح يريد العفاف؛ يعني يريد أن يتزوج لأجل أن يعف نفسه»، فإن الله عز وجل يعينه على ذلك. وليس هذا موضوعنا، وإنما موضوعنا معنى الأسباب الشرعية التي شرعها الشرع في مفارقة الزوجة. ولا شك أن المفارقة من الأمور التي لا ينبغي أن يفعلها الإنسان إلا إذا اضطر إليها، وإلا فإنه لا ينبغي أن يفارق امرأته، بل يعاشرها بالمعروف، وأيضًا إن أراد أن يفارقها يفارقها بالمعروف، كما ذكر الله عز وجل: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، أي أن الإنسان لا يظلم المرأة ولا يضر بها، ويمسكها ضرارًا لأجل أن يعتدي عليها أو أن يعاقبها، فإن هذا كله قد حرمه الله عز وجل. فأسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم، ولا تضاروهن لتضيق عليهن، معنى لا يجوز للمسلم أن يضر بامرأته، معنى يكرهها ويريد أن يطلقها، فيقوم يضيق عليها فيحبسها أو فيمسكها ولا يطلقها، يعلقها، وهذا مما لا يجوز؛ لأن هذا فيه ضرر على المرأة، وحرم الله عز وجل الضرر. ولا تضاروهن لتضيق عليهن، وأيضًا ما يفعله بعض الناس، يضيق على المرأة حتى تفتدي حتى تخلع، فإن هذا أيضًا مما لا يجوز، لا يريد هو أن يطلقها وهو يريد مفارقتها، فيقوم يضيق عليها، يعاشرها بعدم المعروف، وأيضًا كذلك يواجهها بكل ما تكرهه، ولا يطلق حتى تفتدي، فهذا أيضًا مما حرمه الشرع، مما حرمه شرع الله عز وجل؛ لأنه فيه ضرر بهذه المرأة. فإن كان لا يريدها فإنه يطلقها، إذا كان لا يريدها لا يضيق عليها حتى تفتدي، فهذا مما لا يجوز، وفيه أنانية. وكذلك أيضًا النبي عليه الصلاة والسلام -من باب أيضًا المعاشرة- والذي ينبغي أن يكون بين الزوجين، وما يحصل أيضًا في الواقع أن الرجل قد يكره أشياء في المرأة لا تلائم طبعه أو لا تلائم ما عنده، أو قد تكون غير صحيحة بالنسبة لتعاملها. لكن كما قال النبي عليه الصلاة والسلام -كما جاء في صحيح مسلم-: «لا يفرق مؤمن مؤمنة؛ إن كره منها خلقًا رضي آخر»، لا يفرق مؤمن مؤمنة، أي لا يفكها هكذا؛ فإنه إن كره منها هذه الأخلاق، ستكون أيضًا فيها أخلاق أخرى جميلة. فلهذا -كما قلنا- أن لا ينبغي المسلم أن يفارق زوجته بدون سبب شرعي، وقد عدّه بعض العلماء -كالحنفية- أنه مما لا يجوز، وذهب جمهور العلماء إلى جوازه مع الكراهة، أنه من المكروه أن يطلق زوجته، يفارقها من غير سبب شرعي. وأما إذا وجد السبب الشرعي فإنه يكون يفارقها، وهذه الأسباب الشرعية منها ما هو باختياره، ومنها ما هو باختياره لكنه فرض عليه، ومنها ما هو ليس باختياره، بل واجب عليه أن يفارقها، أن يفرق بينهما الشرع أو القاضي. فمن هذه الأسباب الشرعية التي جاءت في مفارقة الزوجة: أن عدم الالتزام بالشروط -عدم الالتزام بالشروط- سواء كانت شروطًا شرعية أو الشروط التي أحدثها أحد الزوجين أو كلاهما. فالشروط الشرعية -مثلًا- الرضا، فإذا كانت -مثلًا- المرأة لم ترضَ بهذا الزواج، أكرهها والدها بالزواج، وهي رافضة، فهذا الزواج غير صحيح، ولو دخل عليها الزوج. ولو دخل عليها الزوج، وتبين أنها تزوجت وهي كارهة ورافضة، فهذا لابد عليه أن يفسخ هذا النكاح، لابد عليه أن يفسخ هذا النكاح؛ لأنه افتقد شرطًا من شروط النكاح. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام -لما جاءت تلك المرأة- كما جاء عند أحمد والترمذي: «جاءت امرأة إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقالت له: يا رسول الله، إن أبي زوجني ابن أخيه لكي يرفع قصيسته، وأنا كارهة لذلك»، فرد النبي عليه الصلاة والسلام نكاحها، معناه رد هذا النكاح وفسخه. فلهذا -فإذا لم ترضَ الزوجة بالزواج- فإنه يرد، وليس معنى ذلك -مثلًا- ما يفعله بعض المأذونين -مثلًا- أنه يذهب إلى المرأة ويقول لها: هل أنت موافقة أو لا؟ فلان سيتزوجك، لا، هذا ليس صحيحًا، العبرة بالولي، فإن زوج بنته وهي كارهة، فإنه إذا رفعت هذا القضية إلى القاضي، يرد النكاح. أو أن الزوج إذا علم بذلك فإنه لا يجوز له أن يستمر مع هذه المرأة، وهي رافضة للنكاح. كذلك أيضًا -أما معنى العبرة بالولي- استأمر الولي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «أتزوج ابنتك لهذا؟ وأتزوج أختك أو كذا؟»، فالعبرة بالولي، ولا ينبغي للإنسان أو القاضي أن يذهب إلى المرأة ويسألها، وخاصة إذا كانت بكرًا. فإذا افتقد شرط من شروط النكاح -سواء كان كما قلنا الشروط الأساسية التي في النكاح- مثل: الرضا، أو كذلك رجل تزوج بمحرم له، وهو لا يعرف، رجل تزوج بامرأة هي أخته من الرضاعة، وهو لا يدري بذلك، ثم عرف، فإنه لا بد أن يفارقها، ولو قد جاء له بأولاد منها، ولو ولدت له، ثم تبين أنها أخته من الرضاعة، فإنه يجب عليه أن يفسخ النكاح، ويجب على القاضي أن يفسخ هذا النكاح، ولا يجوز له أن يستمر معها. فإن استمر معها في ذلك فهو مرتكب لجريمة، وكبيرة عظيمة. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام -كما جاء عنه في صحيح البخاري- لما جاء إليه عقبة بن الحارث، وقال: «يا رسول الله، إني تزوجت امرأة، ثم جاءت امرأة سوداء، وقالت: إني قد أرضعتكما»، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «فارقها»، كيف وقد قيل أمره النبي صلى الله عليه وسلم بمفارقتها؟ هذا فقط في قول امرأة، وإن شككت في هذا الباب، فأبرأه النبي صلى الله عليه وسلم أن يفارقها، فكيف لو كان الأمر يقينًا؟ أن لو أجقن الإنسان أن هذه المرأة التي تزوجها هي أخته من الرضاعة، فهنا لابد أن يفارقها. وهذا -كما قلنا- من الأمور التي ليست باختياره، بل لابد أن يفسخ العقد. وغالبًا -بل كل- الشروط إذا لم تتوفر أو لم يقم بها أحد الزوجين أو كليهما، فإنه فإن العقد يفسخ، كذلك حتى الشروط التي تكون مع النكاح، يشترطها الرجل أو تشترطها المرأة. فإذا اشترطت -اشترط مثلًا الرجل- أنه لا يأتي المرأة هذه المرأة إلى بيته إلا يومين -مثلًا- أو مثلًا اشترط عليها أن لا تخرج إلا بإذنه، أو اشترط عليها هذه العناة من الشروط التي قبل النكاح، أو اشترطت امرأة أنه يسكنها في بيتها، في بيت وحدها، أو كذلك اشترطت عليه شيئًا من هذه الشروط التي -مثلًا- أن لا يسافر بها إلى بلد كذا، مثلًا يكون هذا شخص من بلاد بعيدة، فهي تشترط عليه أنه لا يأخذها من بلدها، فهذا شرط صحيح. فإن التزم بهذا الشرط ووافق، فإنه يجب عليه أن يلتزم، قد جاء في الصحيحين -في البخاري-: «إن حق ما أوفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج»، معنى لابد أنه يفي بهذا الشرط. فإن لم يفي بهذا الشرط، فإن للمرأة أن تفسخ النكاح، أن يكون الخيار هنا عند المرأة، إذا لم يف بشرطها، فإن لها أن تفسخ النكاح ولها أن تستمر. إن رضيت بذلك -فإنها- كان مثلًا لم يفعل لها بيتًا، ورضيت بذلك، أو سافر بها إلى تلك البلاد، ورضيت بذلك، فإنها لا يجوز لها بعد ذلك أن تفسخ النكاح؛ لأنها قد رضيت وتنازلت عن شرطها. وكذلك الزوج إذا تنازل عن شرطه، معنى خالفت المرأة شرطه، وتنازلت ورضيت وسكت، فإنه أيضًا لا يجوز له بعد ذلك أن يفسخ النكاح. فلهذا فأول سبب من الأسباب هو عدم القيام بالشروط. وأيضًا كذلك من الأسباب الشرعية التي يحصل فيها مفارقة الزوجة: الاختلاف بين الزوج والزوجة، وليس المراد أن كل اختلاف يكون فيه مفارقة. الله عز وجل تجد أنه في القرآن رتب كيف تعالج هذه المفارقات أو هذه الاختلافات بين الزوج والزوجة. فأول شيء ينبغي للمرأة أو للرجل أن يصلح بينهما، قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، وحضرت الأنفس الشح، معنى إذا حصل الاختلاف. وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا، يعرض عنها، وأيضًا لا يقوم بحقها، فهنا لا بد أن يصلح بينهما، أي كلاهما، يعني إما إن كان الخطأ مثلًا من المرأة، فالمرأة تستسمح من الرجل وتراضيه، وإن كان الخطأ من الرجل أيضًا كذلك، والمهم أنه لا بد من التنازل. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَحَضَّتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ﴾، معنى كل نفس تشح بما عندها، تريد حقها فقط، ولا تتنازل، لكن هذا إذا حصل ما سيحصل الصلح، لكن لابد أن يتنازل الرجل للمرأة، وتتنازل المرأة لزوجها حتى يحصل الصلح بينهما. وأيضًا هناك طريقة أخرى ذكرها الله عز وجل في إعراض المرأة ونشوزها وعدم طاعتها لزوجها، أن زوجها يأمرها بكذا وهي ترفض أو تخالفه، الله عز وجل يقول: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾، فهنا ذكر ربنا جل وعلا معالجات للاختلاف الذي يحصل بين الرجل وامرأته. فإذا كانت هذه المرأة ناشز لا تطيع زوجها، وأيضًا تخالف أوامره وتخالف ما أراده منها، فإن هذه المرأة هنا يتخذ الزوج أولًا أنه يعظها، يذكرها بالله عز وجل، وأن طاعة الزوج واجبة، ويذكرها كذلك أيضًا بما يرقق قلبها، وأيضًا يحاول أنه يستميل قلبها إليه، وغيرها من هذه الأمور التي يكون فيها وعظ الزوجة. فإن لم ينفع ذلك، قال: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾، أيضًا هذا حل من الحلول، أنه يهجر الفراش، وهذا من الترك الخاص، من الترك الخاص للزوجة، وهو أنه يترك الفراش. النبي عليه الصلاة والسلام -في حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده- قال: قال الرجل للنبي صلى الله عليه: «ما حق المرأة على الزوج؟»، قال: «أن لا تضربها، ولا تقبح، أو قال: لا تضربها في الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت، ولا تهجر إلا في البيت». فهذا الحديث قال العلماء: إنه يبين أن الزوج إذا أراد أن يؤدب زوجته، يهجر فراشها، يهجر، لا يأتيها، وأيضًا يهجر مجالستها في البيت، لكن لا ينبغي له أنه يجعل ذلك خارجًا، يخرج من البيت ويترك امرأته، ويظن أن هذا هجر، لا، هذا ليس صحيحًا. ممكن أنه أيضًا -قال الفقهاء- ممكن يهجرها بعدم كلامها، لكن عند جمهور العلماء -الحنابلة والشافعية- يقولون: إنه له ثلاثة أيام فقط، وأجاز الحنفية والمالكية أنه يطول هذه المدة للمصلحة. وصحيح أن الأصل أنها ثلاثة أيام، له ثلاثة أيام، لا يحل للمرء أن يهجر أخاه فوق ثلاثة؛ لأن هذه أمور دنيوية، وبعض مجازته قال: للتأديب، فلا بأس أنه يكثر، لكن الأفضل أنه لا يزيد على الثلاثة الأيام، هذا في الكلام. وأما في هجر الفراش فله أن يكثر؛ لأن الله عز وجل أطلقه: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾، ولم يحدد شيئًا في الهجر في المضجع، وهذا بحسب المصلحة، بحسب مصلحة الرجل في هذا. فإن رجعت وتابت، فقال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾. ثم بعد ذلك ذكر الضرب إذا احتاج إليه، إذا احتاج إليه، ولكن لا يكون ضربًا موجعًا، معنى مبرحًا، كما يقولون، معنى شديدًا، وإنما فقط ضرب من باب التأديب فقط، معنى مثلًا يضربها بمسواك، يضربها بشيء خفيف، فهكذا؛ لأجل مثلًا أن يعلمها أنها خاطئة، لكن لا ينبغي مثلًا أن يأتي بعود ويكسر ظهرها أو كذا من هذه الأشياء، فهذا لا يجوز. طيب أيضًا كذلك إذا حصل مثل هذا الشيء، وعظها وذكرها وهجرها، ولم يحصل فائدة، لم تحصل فائدة، ولم ترجع المرأة، فهنا الله عز وجل ذكر شيئًا آخر، فقال جل وعلا: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾، فهنا الخطوة الأخيرة في ذلك أنه يؤتى برجل من أهل الزوجة، ورجل من أهل الزوج، فيأتيان ويجلسان معًا، وينظران في القضية، وما الذي جعل هذه الزوجة تبرأ من زوجها، وما الذي جعل الزوج يختلف مع زوجته، وهكذا فيرون المسألة في ذلك، ويتشاوران في هذا. ممكن أنهم يجلسون مع الرجل، يجلسون مع المرأة -مع الضوابط الشرعية-؛ لأجل حل هذه المسألة، لأجل حل هذه المسألة، ممكن مثلًا يستعينون بغيرهما. فقال الله عز وجل: ﴿إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾، معنى بعد هذه العلاجات كلها، أو المعالجات، إن كانت المرأة أو الرجل يريد أن يرجع لزوجته، وأن يدوم بينهما، وكذلك المرأة، فإن سيوفق الله عز وجل بينهما. لكن إن رأى الحكمان -إن رأى الحكمان- أن الزوجين لا يريدان الرجوع، ولا يريدان الإصلاح، فقال الله عز وجل: ﴿إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾، فإن لم يريد، معنى مفهوم الكلام: إن لم يريدا إصلاحًا، فالأصل أنهم يفارقان، الرجل امرأته، فهذا إذا يأس من المعالجات، ومعنى آخر العلاج هو الطلاق. مثل ما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «المرأة خلقت من ضلع أعوج، وإن أعوج ما فيه أعلاه»، على لسانه، قال: «فإن ذهبت تقيمه كسرته»، معنى إذا أردت أن تقيمه لابد أن تكسره، معنى المرأة تسير كذا على بعض الناس، تجد يشدد في هذا الباب، لابد المرأة تسير على النظام الذي يريده، أحيانًا بعض النساء ما ترغب هذا النظام -مثلًا- والمرأة -معنى- إذا مثلًا أعوجت تعوج، فإذا أراد أن يقيمها بشدة وبالقوة، سيكسر هذا الأمر أو هذا العوجاج، وكسرها -كما قال النبي صلى الله عليه وسلم- طلاقها. فلهذا الواجب على المسلم أنه لا ينبغي أن يثير الخلاف، وأيضًا يكثر الخلاف، وكذلك المرأة، ويحاول أن يعالج بمعالجات سريعة، ولو بالتنازل. وهذه هي المرأة هي نصف الرجل، وحياته التي يعيش بها، فلهذا لا بد أن يتنازل، فإن لم يتنازل لها فسيتنازل لمن، وكذلك المرأة، وهي حق بذلك أنها تتنازل لزوجها حتى يصلح الوئام، ويصلح بينهما، ولا ينبغي للمرأة أن تفتعل المشاكل، وكذلك الرجل. طيب إذا كان حصل هذا ولم يستطع أن يصلحها، فإنه يفارقها، وخاصة إذا كانت هذه المرأة سيئة الخلق، إذا كانت هذه المرأة سيئة الخلق، وهو لم يستطع أن يعدلها، فإن هذا الذي ينبغي له أن يتركها لله، فإن الله عز وجل سيعوضه خيرًا منها. وقد جاء عند الحاكم -وبإسناد صحيح- أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ثلاثة يدعون ولا يستجاب لهم»، وذكر منهم: «الرجل تكون عنده المرأة سيئة الخلق، ولا يفارقها»، تكون عنده المرأة سيئة الخلق، معنى تسبه وتسب أولاده، ودائمًا تتكلم بكلام لا ينبغي أن تتكلم به، من الفحش والبذاء، فهذه المرأة تكون سيئة الخلق، لا تتعامل مع زوجها بالمعاملة الشرعية، بل كله بالغلظة والفضاضة والكذا. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ثلاثة لا يستجاب لهم»، وذكر الرجل تكون عنده المرأة سيئة الخلق. ولهذا من شقاوة الرجل -كما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام-: «أن تكون عنده المرأة السيئة»، المرأة السيئة، فلهذا فإن هذا الاختلاف آخره -إذا كان كما قلنا- عنده امرأة سيئة، أو لم تتعدل هذه المرأة لسوءها، ولسوء أخلاقها، فالأولى أن يدعها لله عز وجل، أن يدعها لله عز وجل. وهناك أيضًا أسباب شرعية ذكرها الله عز وجل، منها الإيلاء، وهو أن يحلف الرجل أن لا يأتي زوجته، فإن مرت أربعة أشهر -كما قال الله عز وجل-: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِن فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، وإن عزم الطلاق فإن الله سميع حليم. إذا آل الرجل من زوجته، حلف أنه لا يأتي زوجته، فإن قيده بمدة معينة، فهذا يكون إلى المدة هذه المعينة، وإن لم يقيده وأطلقه، تكون أربعة أشهر، تربص أربعة أشهر، بعد الأربعة أشهر يأتي به القاضي، ويقول له: إما أن ترجع لامرأتك، وإما أن تطلق، ما يجوز لك أن تستمر على هذا، ما تستمر على هذا الحال؛ فأنتك لا تأتي زوجتك. وهذا الإيلاء كذلك أيضًا من الأسباب المفارقة، اللعان، إذا لعن الرجل زوجته، إذا كان مثلًا اتهمها بالزنا، أو اتهمها بأن هذا الولد ليس ولده، تبرأ من بعض أولاده، فهذا يعتبر أيضًا معنى يفرق فيه اللعان، يحلف الرجل أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. وكذلك تحلف المرأة تشهد أربع شهادات، ثم الخامسة: وأن غضب الله عليها إن كانت من الصادقين، ثم بعد ذلك -كما قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه-: «فكانت سنة المتلاعنين المفارقة»، إذا تلاعنوا كلاهما، يفارق بينهما القاضي، معنى مجرد الملاعنة مفارقة، على الصحيح من أقوال العلماء، معنى يعتبر فراقًا. وكذلك أيضًا الظهار، إذا ظاهر الرجل المرأة، فإنه إما أن يرجع إلى زوجته أو يطلقها، ويفارقها بحكم القاضي، وغيرها من الأسباب التي ذكرها العلماء في هذا الباب. وخلاصة هذا الأمر أن الشاهد من هذا: أن الإنسان إذا أراد أن يترك زوجته، يكون تركه شرعيًا، هذا يكون لله عز وجل، وخاصة إذا تركها لأجل الله، لأجل لا معنى -مثلًا- كما ذكرنا: أنه لأجل خلافها، وسوء خلقها، تركها، أو كذلك أيضًا حصل مثلًا شيء مما يؤدي إلى المفارقة، ففارقها، فهنا يكون فارقها لله عز وجل. ولا شك أن الله عز وجل سيعوضه خيرًا منها، فهذا بعض الأسباب التي تذكر في هذا الباب، أو في هذا الموضوع، فنكتفي بذلك، والله تعالى أعلم.