آثار وآداب الصيام 9

الدرس في آثار وآداب الصيام 9، ألقاها

أثر الصبر في رمضان ومقدمته

يتحدث عن أهمية الصبر في شهر رمضان وأثره في حياة المسلمين، حيث يظهر من خلال الكتاب والسنة والحس. يشير إلى أن الصيام والقيام يتطلبان الصبر.

تعريف الصبر وأنواعه المختلفة

يعرّف الصبر بأنه حبس النفس على ما جاء بالكتاب والسنة، ويشمل أنواعًا مثل الصبر البدني والنفسي، والاختياري والاضطراري. أفضلها الصبر النفساني الاختياري.

أهمية الصبر في الطاعة والمعصية

يشرح أنواع الصبر الثلاثة: على الطاعة، والمعصية، وأقدار الله المؤلمة. يبرز أهمية الصبر على الطاعة والمعصية، ويستشهد بآيات وأحاديث نبوية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فنجدد بكم اللقاء في هذا الوقت ومع ما نتكلم فيه من آثار رمضان وآدابه. فإن شاء الله تعالى في هذا الوقت نذكر أيضا أثرا من آثار رمضان العظيمة، هذا الشهر العظيم الذي فيه هذه الآثار العظيمة. فمن هذه الآثار العظيمة أثر الصبر في هذا الشهر. أثر الصبر في هذا الشهر ظاهر بالكتاب والسنة، وكذلك أيضا في الحس، وأيضا هو في لمسات الناس وواقعهم. فمما جاء في الشرع مما يدل على الصبر في هذا الشهر العظيم، وخاصة في صيامه وفي قيامه، معلوم أن الصبر ما من طاعة إلا وهي لا تخلو من الصبر، بل أن الطاعة لا تستقيم إلا بالصبر. فلهذا كان الصبر له أهمية عظيمة. ومن هذا الباب أن هذا الشهر أيضا يدربنا على الصبر. وجاء في الحديث القدسي الذي قد ذكر أكثر من مرة أن الله عز وجل يقول: «يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي». هذا الصبر عظيم أن الإنسان يمتنع عن الطعام، يصبر عن الطعام، يصبر عن الشراب، يصبر عن الشهوة. فهذا صبر عظيم. بل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سمى هذا الشهر بشهر الصبر. جاء عند أبي داود والنسائي مما ذكره ثابت بن أسلم البناني رحمه الله عن أبي عثمان النهدي أنه قال: كنا في سفر ومعنا أبو هريرة رضي الله عنه، فقدم طعاما، فقال رجل لأبي هريرة: إني أرسل رجلا إليك على أنه يأتيك إلى الطعام. فقال أبو هريرة: إني صعب. ثم لما كادوا أن يفرغوا من الطعام جاء أبو هريرة، فنظروا إلى هذا الرجل الذي أرسله، فقالوا: كيف تقول أنه صعب وهو الآن يأكل؟ فقال أبو هريرة: صدق، إني قلت له إني صعب. قالوا: كيف تقول صعب وأنت الآن تأكل؟ فقال: سمعت رسولت الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من صام شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر كان صوم الدهر». وإني هكذا اخترت مضاعفة الله عز وجل. وجاء أيضا عند أبي داود، وكذلك ذكره النسائي في السنن الصغرى، وهو عند أحمد أيضا، أن أبا العلاء بن الشخير وهو يزيد بن عبد الله بن الشخير أخو مطرف بن عبد الله، وكان رجلا من أولياء الله الذين عرفوا في ذلك، فكان أبو العلاء قال: كنت أنا ومطرف أخي في السوق، فجاء عرابي بإبل له، فقلنا: يا عرابي، لم تغشان بإبلك؟ فقال: لم أغش، وإني سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: وما سمعت؟ فقال: عندي كتاب من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال لهم: أفيكم من يقرأ؟ فقال له أبو العلاء: أنا. فقرأ كتابه، فقال: من صام شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر، ذهب الله عنه وحر الصدر. والمراد وحر الصدر: أي ما يكون في صدر الإنسان من ضيق أو من غل أو كذلك من وساوس. فالمراد يذهب وحر الصدر: أي يصفيه مما يكون يدخل على الصدر من هذه الوساوس وهذه الخطرات، وأيضا ما يكون فيه من ضيق ويكون فيه من غل وغيرها من هذه الأمور التي هي من أمراض القلب. فيصفيه هذا الأمر أن يصوم الإنسان هذا الشهر العظيم ويصوم ثلاثة أيام من كل شهر. فالصبر في لغة العرب معناه الحبس والامتناع. فالصبر: صبرت على كذا، أي امتنعت عنه أو حبست نفسي. ولهذا جاء في الحديث: نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تصبر البهائم. فالصبر هو الحبس، حبس ما يكون من حبسه. ولهذا تجد الإنسان يصبر، فيصبر مثلا على الأذى، فيحبس نفسه. والصبر أنواع كثيرة. نذكر منها ما ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله. فمن ذلك أن الصبر على نوعين: صبر بدني وصبر نفساني. فالصبر البدني: ما يكون في البدن، كأن يتحمل الإنسان مثلا المشاق، يحمل مثلا أشياء ثقيلة. هذا صبر بدني. والنفسي: ما يكون في النفس، بما يتحمله الإنسان ويصبر عليه، كأن يكظم غيظه، مثلا يستعف، يعف نفسه. والصبر أنواع: صبر اختياري واضطراري. فالبدني الاختياري: مثلا إنسان يتحمل أشياء ثقيلة، هذا باختياره. والنفسي الاختياري: أن يختار مثلا يمنع نفسه من الشهوات، مثل عادة الصيام، هذا الصيام هو اختيار اختياري نفسي. والاضطراري: مثل أن يحبس الإنسان في مكانه، يحبس الإنسان في سجن، فهو يريد أن يخرج، يريد أن يخرج من هذا السجن، لكن مضطرا أنه يبقى، فيصبر اضطرارا. وأفضل هذه الأنواع: النفساني الاختياري، هو من أفضلها. ومعناه: أن الإنسان يصبر في نفسه وهو مختار. وهذا كما قلنا أكثر العبادات على هذا. فالصبر في شرع الله عز وجل تنوعت العبارات العلماء في معناه. وأفضل معنى أن يقال: هو حبس النفس على ما جاء بالكتاب والسنة، أو بمعنى آخر: الثبات على الكتاب والسنة. فلهذا تجد أن الصبر يحول المساوئ إلى محاسن، ويحول الرذائل إلى فضائل. فمثلا على سبيل المثال: الإنسان إذا صبر عن الشهوات المحرمة، سمي عفة. كذلك أيضا إذا صبر عن ما يلهيه عن الله عز وجل وعن رسوله من أمور الدنيا، يعتبر زهدا. وإذا صبر على كلام من أعطاه كلاما سرا، فصبر أنه لا يخرج هذا الكلام لأحد، فهذا يسمى كاتم السر. وجاء في حديث الزهري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن أبا سعيد رضي الله عنه قال: جاء أناس من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقالوا: فأطلبوا منه مالا، فأعطاهم، ثم طلبوا منه، فأعطاهم. ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم: «ما كان معي شيء فلن أدخره عنكم». ثم قال: «ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغني يغنيه الله، ومن يتصبر يصبره الله. وما أعطي أحد عطاء خير وأوسع من الصبر». فالصبر والعفة والغنى كله أصلا بمعنى الصبر. هذه المعاني أصلا معناها الصبر، لكن تحولت إلى معاني أخرى بحسب ما مثلا جاء بها الشرع أو بحسب ما تكلمت به العرب. فالعفة مثلا هي صبر عن الشهوات. والغنى هو القناعة، وهي أيضا صبر نفساني اختياري. والصبر كما تعلمون أيضا قسمه العلماء إلى ثلاث أقسام: صبر على طاعة الله جل وعلا، وصبر على معصية الله، وصبر على أقدار الله جل وعلا. وهذه جمعت في قول الله جل وعلا في سورة لقمان: «يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك». فالإقامة الصلاة والأمر بالمعروف صبر على طاعة الله، والنهي عن المنكر صبر على معصية الله، واصبر على ما أصابك صبر على أقدار الله جل وعلا. فالصبر على طاعة الله عز وجل: أي أنك تصبر وتصبر نفسك على هذه الطاعة. سواء كانت صلاة أو صيام أو زكاة أو حج. والصبر على المعصية: عن الشهوات أو عن كل معصية إذا علم أن هذه معصية، صبر أن لا يتم وإن كانت فيه مصلحة له. والصبر على الطاعة والصبر على المعصية أعظم من الصبر على المصائب. ولهذا الله عز وجل امتدح يوسف في صبره عن امرأة العزيز أكثر من ما امتدحه لما صبر لما ألقي في الجب. وكذلك أيضا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن صبر الأنبياء على طاعة الله وعلى الدعوة أعظم من صبر أيوب عليه السلام على المرض. فلهذا كما قلنا فهذه أنواع الصبر الثلاث: صبر على الطاعة، صبر على المعصية، وصبر على أقدار الله عز وجل المؤلمة. ونحن الآن في الكلام كلامنا أكثر على الصبر على الطاعة، لأن هذا الذي هو موجود في هذا الشهر العظيم. وكذلك أيضا الصبر عن المعصية، لأن الصبر عن الطاعة هو الصبر على الصيام، والصبر عن المعصية أي عن معصية الشهوات التي تحبها النفس. فأعظم الصبر: عباد الله، والصبر على الطاعة، وخاصة إذا كان هذا الصبر صبرا جميلا، صبرا جميلا بدون شكوى ولا أيضا إدية. ومعنى صبر جميل: سماه الله عز وجل صبرا جميلا، هذا من جماله وكماله أنه جعله جميلا. والصبر اشتقت منه كلمات، وكل هذه الكلمات لها معاني الصبر. فمنها: المصابرة والاستبراء والتصبر. فالله عز وجل يقول: «يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا». فالمصابرة: معناها أن تصابر فيما بينك وبين عدوك، على عدوك، يصبر، وأنتم سابقوه في الصبر، واغلبوه في الصبر. فالمصابرة هنا ما تكون إلا بين شخصين أو بين أكثر، فيتسابقا على الصبر، وغالبا ما تكون بين الشخص وعدوه، وغالبا ما تكون في القتال. والتصبر: كما جاء في حديث أبي سعيد: «ومن يتصبر يصبره الله». والتصبر هو اكتساب الصبر، اكتساب الصبر. ولهذا هناك مسألة ذكرها العلماء: هل الصبر فطري وجبلي أو أنه يكتسبه الإنسان؟ ورجح شيخ الإسلام ابن تيمية، وكذلك ابن القيم، أن الأصل أن الصبر هو جبلي فطري، لكن تجد أنه أيضا يكتسب أيضا زيادة عليه. وضد الصبر: الطيش والحدة والجزع. فلهذا فالصبر قد يكون الإنسان نياحا من فطرته أنه صبر، يصبر على الأذى، يصبر على أذية الناس. لكن الإنسان لا يجعل نفسه هكذا، ولو فطر خلقه الله عز وجل وجبله على الحدة، جبله على الطيش، جبله على الجزع، جبله على السرعة والعجلة. كل أمور لا يجعل نفسه هكذا، بل لابد أن يصبر نفسه، يحاول أن يصبر نفسه. فكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن يتصبر يصبره الله». فالله عز وجل يعينك على الصبر إذا كنت تحاول أنك تصبر نفسك. فتكظم غيظك، ليس الشديد بالسرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب. هذا صبر عظيم. وأعظم الصبر: أن يصبر نفسه على الطاعة. الآن مثلا عندنا في شهر رمضان، وعندنا القيام، وعندنا أيضا غيرها من الطاعات الكثير. السيادة أيضا معنا، الاعتكاف وغيرها. هذه الأشياء تحتاج إلى صبر، الإنسان يصبر نفسه على صلاة القيام، لا يجعل نفسه تلعب به. فالحمد لله رب العالمين.

شاركنا على