الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 617، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتحدث هذا الفصل عن ترجمة الإمام أبي عبد الله بن معجر ومحمد بن يحيى الذهلي، ويشرح كتاب السنن لابن معجر ومكانة محمد بن يحيى كإمام لأهل نيسابور. كما يتناول الخلاف بين محمد بن يحيى والبخاري حول مسألة اللفظ بالقرآن.
يفسر هذا الفصل آية الكفارة في القرآن، حيث يبين سبب نزولها وأنها تتعلق بإطعام المساكين من أوسط ما يطعم الإنسان أهله. كما يذكر بعض التفاصيل عن سفيان بن عيينة ومالك بن أنس ومكانتهما في العلم.
يشرح هذا الفصل تفاصيل كفارة الصيام وتفسير الإطعام، حيث يشمل التخيير بين الإطعام والكسوة وعتق الرقبة، ثم صيام ثلاثة أيام إذا لم يجد. كما يبين أن الإنفاق يجب أن يكون حسب السعة والضيق.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى: قال الإمام أبو عبد الله بن معجر رحمه الله. أبو عبد الله بن معجر هو محمد بن يزيد بن معجر القزويني، أبو عبد الله الإمام الحافظ. وكتابه «السنن» يدل على إمامته وعلى حفظه، وإن كان هو أقل السنن في المرتبة لكثرة الضعيف فيه، ولأنه روى عن أناس أو أدرك أناسًا من كبار المحدثين لكنهم من الضعفاء، وأكثر عنهم، فلهذا تأخرت مرتبته. قال أبو عبد الله بن معجر رحمه الله: حدثنا محمد بن يحيى، ومحمد بن يحيى هو ابن خالد بن فارس الذهلي، أبو عبد الله الإمام، إمام أهل نيسابور بلا منازعة، بل هو من أئمة أهل خراسان وأهل المشرق جميعًا، وكان حافظًا من حفاظ الحديث، أثنى عليه الأئمة كثيرًا، وكان عارفًا بعلم الحديث والعلل، حتى قال الإمام الدارقطني: من أراد أن ينظر قصور علمه بعلم السلف، فليقرأ كتاب محمد بن يحيى في علل الزهري. فهو إمام، وكان المقدم في خراسان في وقته. وما حصل بينه وبين البخاري، فالبخاري اعتبر تلميذًا، وما حصل بينه وبينه إنما كان من الوشاة. ومعلوم أن في ذلك الوقت انتشرت بدعة اللفظ بالقرآن، يقولون إن اللفظ بالقرآن مخلوق، وكان البخاري يتحاشى مثل هذا اللفظ، لا يأتي به، وكان محمد بن يحيى يشدد في هذا الباب، وكل من سمع أنه يقول بهذا لا يجعله يحدث أو أنه يحذر منه، فوشى إليه بعض الناس أن محمد بن إسماعيل يقول بهذا، فأرسل من يسأله. فلما جاء البخاري إلى نيسابور ترك له محمد بن يحيى المجلس، وتكاثر الناس عنده، فحصل ما حصل. وأرسل محمد بن يحيى من يسأل البخاري عن هذه الكلمة: هل تقول لفظي بالقرآن مخلوق؟ فقال: أقول أفعال العباد مخلوقة. هذا جواب صحيح. فهل السنة يعتقدون أن أفعال العباد مخلوقة؟ فكما يقول بعض السلف: الصوت صوت القارئ، والقرآن أو المثل كلام الله عز وجل أو كلام البارئ. فهو قال: أفعال العباد مخلوقة، الصوت والورق والكتابة هذا كله مخلوق، لكن الكلام الذي فيه هو كلام الله، سواء كان في ورق أو بصوت أو بغيره، فهو كلام الله. أقول: القرآن كلام الله مهما تصرف، فهو كلام الله، أي سواء كان صوتًا أو مكتوبًا أو غير ذلك، فهو كلام الله جل وعلا. فلهذا كان جوابه صحيحًا، ولم يقل بخلق القرآن أبدًا، ولم يكن يقول بهذه البدعة، لكن اتهم بهذا. والمهم حصل ما حصل وخرج من نيسابور، وغيرها مما حصل في هذه الفتن. قال: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، وهو الإمام الحافظ الكبير، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، سفيان بن عيينة أبو محمد الهلالي المكي، أصله قوفي، وهو من أئمة مكة. قال الشافعي رحمه الله: لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز. الناس ابتجهوا إلى البصرة والكوفة، فبقي مالك في المدينة، وجاء سفيان وحل في مكة، فجاء الناس إلى المدينة ومكة لأجل السماع من مالك وسفيان، أي في سفيان في مكة ومالك في المدينة، وجاءوا بأحاديث أهل الحجاز أكثر مما معهم من أحاديث أهل العراق. مالك عنده أحاديث أهل المدينة، وسفيان بن عيينة أيضًا كذلك عنده أحاديث أهل مكة كعمر بن دينار المكي، وكان أكثر الناس ملازمة له، أي سفيان بن عيينة. ثم جلس مكانه في الحرم، واجتمع الناس إليه، وجلس فترة طويلة رحمه الله، وحج سبعين حجة، حتى ذكر ابن أخيه عمران أنه قال: حججت مع عمي سفيان، فكان في البطحاء - والبطحاء هذه هي الزاهر الآن في مكة يسمى الزاهر - فكان رحمه الله تعالى يقول: إني قد حججت سبعين حجة، فكل حجة يقول: اللهم لا تجعل هذه السنة آخر سنة لحجة، أو كما كان يدعو. معنى يقول: أنه يريد أن يحج فيحج حتى تلك السنة، قال: فسقط من ربي وقبض رحمه الله عليه في تلك السنة، سنة تسعين ومئة، ومات هو وعبد الرحمن بن مهدي ويحيى القطان وغيرهم في هذه السنة، أي في سنة تسعين ومئة، حتى سميت سنة موت العلماء. قال عن سليمان بن أبي المغيرة وهو العبسي الكوفي، وهو الثقة، وأحمد قال عن سعيد بن جبير، وسعيد هو إمام واسع العلم، وأثنى عليه الإمام أحمد كثيرًا، وقال: مات سعيد وليس على وجه الأرض مثله، أي في علمه وسعة أو في سعة علمه وفقهه، وأيضًا جرئه على منوال السلف، على منوال الصحابة رضي الله تعالى عنهم. قال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وهو الحبر البحر ترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: كان الرجل يقوت أهله قوتًا فيه سعة، وكان الرجل يقوت أهله قوتًا فيه شدة، فنزلت ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. قال: هذا حديث صحيح، رجاله رجال الصحيح إلا سليمان بن أبي المغيرة العبسي، وقد وثقه يحيى بن معين. هذا الحديث يقول ابن عباس في تفسير هذه الآية وسبب نزولها: أن الصحابة رضي الله عنهم كان الرجل يقوت أهله قوتًا فيه سعة، عنده سعة، معناه أنه غني ويوسع على أهله، مثلًا يكون طعامه اللحم وكذا. وهناك كان يقوت أهله قوتًا فيه شدة، المراد فيه شدة، أي أنه فقير، ما عنده إلا شيئًا يسيرًا، معناه يعطيهم من أدنى الطعام ما عندهم من أدنى الطعام، فأنزل الله عز وجل ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ أي في الكفارة، فأراد أن يبين أن الله عز وجل لم يكلف الإنسان قوتًا غير الذي يقوت أهله، وطعامًا غير الذي يطعم به أهله، معناه ليس هناك طعام معين. لم يذكر الله عز وجل طعامًا معينًا، فقال: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾. فالثلاثة الأولى تخيير، الإطعام والكسوة واعتاق الرقبة، هذا تخيير، معناه يأخذ واحد منها، إما أن يطعم عشرة مساكين، وإما أن يكسوهم، وإما أن يعتق رقبة، وأن يعتق عبدًا. وإذا لم يجد هذه الثلاثة، فبعد ذلك يصوم ثلاثة أيام، كما قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾. ليس أن الإنسان مثلًا إذا كانت عنده كفارة يمين يقول: سأصوم ثلاثة أيام، لا، ثلاثة أيام متى؟ إذا لم يجد الإطعام والكسوة وعتق الرقبة. قال هنا ربنا جل وعلا: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلَكُمْ﴾، أي ما يأكله الإنسان. من هنا قيل: أوسط بمعنى أفضل، وقيل: أوسط بمعنى الوسط. وهنا فسرها أكثر العلماء أنه الوسط، لا يعطيهم من أفضل الطعام الذي يأكله، ولا يعطيهم من أدنى الطعام الذي يأكله، من الوسط، أو أنه يعطيهم مما يأكل دائمًا، هذا الوسط مما يأكل دائمًا الإنسان. مثلًا يأكل أرزًا ولحمًا، هذا دائمًا، أحيانًا يأتي يأكل دجاجًا، أحيانًا يأكل لحمًا، فهذا الأحيان لا يدخل هذا الأفضل، أيضًا أحيانًا مثلًا يأكل أرزًا بدون لحم أو شيء آخر، فالمعنى الوسط، فالمعنى الوسط هو أنه يعطيهم أرزًا ولحمًا، أو أنه مثلًا إذا أراد أن يعطيهم نيئًا، لأن الكفارة الإطعام هنا سواء كان إطعامًا نيئًا أو مطبوخًا، فهو يعتبر من الإطعام. وقد كان السلف يعطون نيئًا غالبًا، وجاء عن بعض السلف كما جاء عن أنس أنه أعطى في كفارة الصيام أو في فدية الصيام أعطى مطبوخًا، فلهذا فالأمر جائز، إن شاء أعطى نيئًا وإن شاء أعطى مطبوخًا. إن كان نيئًا فالإطعام جاء عن كثير من السلف أنه مد من الطعام، وجاء عن بعضهم أنه نصف صاع، لكن نصف صاع كثير، نصف صاع كثير في الإطعام، لأن المراد بالإطعام إطعام وجبة، معناه وجبة من الوجبات. فالمد يكفي في إطعام واحد من الناس، معناه المد يعتبر وسط، فقد يكفي، معناه يكفي غالب الناس، لكن بعض الناس قد لا يكفيهم، وبعض الناس يزيد عليهم كثيرًا، فلهذا فهو وسط. الآن مثلًا المد إذا قلنا أنه ربع الصاع، سيكون المد كيلو ونصف، وإذا قلنا أنه كيلوين، سيكون نصف كيلو، أقصد معناه المد سيكون نصف كيلو. طيب وإذا قلنا زائد قليل بحسبه، لكن نقول مثلًا ثلاثة كيلو فيخرج مثلًا من الأرز أو من الدقيق أو من مثلًا ما يطعم من الطعام، الدرة أو الشعير، إذا كان يطعم شعيرًا يخرج منه كيلو ونصف لكل واحد، لكل واحد من العشرة كيلو ونصف، يعني يخرج مثلًا على العشرة يخرج خمسة عشر كيلو. فهذه الكفارة التي ذكرها الله عز وجل ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾، لكن من كان قوته في سعة يخرج أيضًا من قوته، إنسان مثلًا يأكل مثلًا دجاجًا مع أرز ودجاج دائمًا هذا غالب قوته، أو لحمًا مثلًا أكثر قوته لحمًا، وأحيانًا يأكل مثلًا غير اللحم، دجاجًا أو سمكًا أو كذا، فغالب الآن قوته والذي هو وسط معناه دائمًا يأكله هو اللحم، فيخرج لحمًا. فلهذا أعطى الله عز وجل لكل أحد سعته، فمن كان عنده سعة يوسع على الناس، ومن كان عنده شدة يخرج على قدر ما عنده، فهذا المراد. والله تعالى أعلم.