تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 95

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 95

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 95، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفاوت الدرجات بين أهل الرضوان وأهل السخط

يقرر العلامة السعدي عدم استواء من يتبع رضوان الله بالأعمال الصالحة مع من يصر على المعاصي ويسخط ربه، مستدلاً بآيات تفرق بين المؤمن والفاسق. ويبين أن الناس درجات عند الله متفاوتة بتفاوت أعمالهم، حتى أهل رضوان الله أنفسهم متفاوتون في الدرجات.

أعمال ترفع الدرجات وتكفر السيئات

يوضح المقطع أن الناس يتفاوتون في الجنة والنار حسب أعمالهم، ويستشهد بحديث النبي ﷺ أن قارئ القرآن يرتقي بكل آية. ويذكر حديث أبي هريرة في إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة كموجبات لمحو الخطايا ورفع الدرجات.

تفاوت أهل الجنة في الدرجات ومصير الموحدين

يبيّن المقطع أن أتباع رضوان الله في الجنة يتفاوتون في الدرجات حتى يرى الأدنى الأعلى كالكوكب الدري، بينما المنافقون والكافرون في دركات النار الأسفل. ويؤكد أن من مات على التوحيد فهو تحت مشيئة الله، وإن دخل النار فسيخرج منها حتمًا.

خلود المشركين في النار ومصيرهم الأبدي

يشير المقطع إلى أن من وقع في الشرك يخلد في نار جهنم أبداً لا يخرج منها، مبيناً الفرق الجوهري بين مصير أهل التوحيد وأهل الشرك. ويذكر أن هذا الخلود هو ما أخبر به الله تعالى عن أهل الشرك مقابل مشيئة الله في أهل التوحيد.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿ أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَن بَاءَ بِسَخَطٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ [آل عمران: 162-163]. قال رحمه الله: يخبر تعالى أنه لا يستوي من كان قصده رضوان ربه والعمل على ما يرضيه، كمن ليس كذلك ممن هو مكب على المعاصي، مسخط لربه. هذان لا يستويان في حكم الله وحكمة الله، وفي فطر عباد الله. إن الذي يتبع ويتتبع رضوان الله عن الأعمال الصالحة ويخلص لله جل وعلا، لا يستوي مع من يتقحم المعاصي وكذلك يداوم عليها ويستمر فيها. ﴿ أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَن بَاءَ بِسَخَطٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾. فلهذا قال: لا يستويان في حكم الله وحكمة الله، وفي فطر عباد الله الصالحين أيضا؛ حتى الفطرة تبين أنه لا يستوون أبدا. قال الله عز وجل: ﴿ أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ ﴾ [السجدة: 18]. وقال الله عز وجل: ﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ [القلم: 35-36]. قالوا لهذا قال هنا: ﴿ هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ ﴾، أي كل هؤلاء متفاوتون في درجاتهم ومنازلهم بحسب تفاوتهم في أعمالهم. حتى الذين رضي الله عز وجل عنهم واتبعوا رضوان الله، هم درجات، ليسوا كلهم سواء. وكذلك أيضا من أسخط الله جل وعلا وعمل بالمعاصي والمخالفات، أيضا ليسوا كلهم سواء، بل هم درجات. قال: فالمتبعون لرضوان الله يسعون في نيل الدرجات العاليات والمنازل والغرفات، فيطعمهم الله من فضله وجوده على قدر أعمالهم. والمتبعون لمساخط الله يسعون في النزول في الدركات إلى أسفل سافلين، كلا على حسب عمله. فهذا يسعى في درجات الجنة والرضوان، وهذا يسعى في درجات السخط والنار، وهم أيضا على قدر أعمالهم، كلا الفريقين. فأهل الرضوان أيضا يعطيهم الله عز وجل من فضله ونعيمه وجوده على قدر أعمالهم. وكذلك أيضا المتبعون لمساخط الله يسعون في النزول في الدركات إلى أسفل سافلين. وغالبا الكتاب والسنة يسمي ما يكون في الجنة «درجات»، وإذا كان في النار سماها «دركات»؛ لأنها إلى الأسفل، والجنة إلى أعلى فهي درجات، كلما صعد كلما على درجة. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في قارئ القرآن: «اقرأ وارتقِ، اقرأ وارتقِ»، أي اصعد ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها. فبحسب الآيات تكون الدرجات. وأيضا كذلك هناك من الأعمال الصالحة ما يرفع الله عز وجل بها الدرجات، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟» حديث أبي هريرة في مسلم: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط». فلهذا لا يستوي من اتبع رضوان الله جل وعلا، فهؤلاء لهم درجات عظيمة، وأيضا هم ليسوا سواء. حتى أنه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم». إن أهل الجنة ليتراءون، فيرى أحدهم صاحبه، يعني الذي فوقه، كالكوكب الدري. الدري: أي الذي يكون فيه ضوء، والكوكب هو النجم، يعني النجم اللامع في السماء. فيرى هذا الذي تحت يرى الذي فوقه، يراه مثل النجم الوهاج الذي يكون فيه اللمعان، وإن كان بعيدا جدا. وأما أهل النار فهم دركات، والله عز وجل لما ذكر المنافقين قال: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ﴾ [النساء: 145]، أي آخر الدركات وآخر النار. وجمعهم الله عز وجل مع أعتى العتاة وأكفر الكافرين، جمع معهم المنافقين جزاء وفاقا، فجعلهم مع أولئك. ﴿ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ﴾ [النساء: 140]. فلهذا فهم كما قلنا على درجات: أي أهل رضوان الله عز وجل، وأهل المساخط الذين اتبعوا مساخط الله عز وجل، وأيضا ينتهكون حرماته ولا يتوبون ولا يرجعون إلى الله، فهؤلاء مأواهم جهنم وبئس المصير. كما قال الله عز وجل: فمن كان من أهل التوحيد فهو تحت المشيئة، ومن لم يكن منه من أهل التوحيد فهو من الخالدين في النار، والعياذ بالله. وأيضا كذلك من كان من أهل التوحيد ودخل النار فإنه يخرج منها ولابد، مادام أنهم وحدوا الله. وأما إذا حصل الشرك منه فإنه مخلد في نار جهنم. فهذا ما يذكر الله تعالى من أهل التوحيد.