الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 6، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح الإمام البخاري مفردات آيات سورة هود المتعلقة بقوم مدين وشعيب عليه السلام مثل معنى "وراءكم ظهرياً" و"أراذلنا"، وينتقل لذكر باب "ويقول الأشهاد" مع تعريف الرواة كمسدد ويزيد بن زريع. كما يوضح أساليب العرب في الخطاب ومصطلحات الآيات الكريمة.
يبين المقطع كيفية التفريق بين الرواة المتفقين في الاسم كهشام وسعيد حسب شيوخهم، ويذكر أن سعيد بن أبي عروبة وهشام الدستوائي من أحفظ أصحاب قتادة مع التنبيه لاختلاط سعيد أواخر عمره. وينقل حديث النجوى الذي رواه هشام عن قتادة عن صفوان بن محرز عن ابن عمر.
يصف المقطع مشهد العرض يوم القيامة حيث يُنادى على الكافرين بأنهم كذبوا على ربهم، بينما يُدنى المؤمن فيُقرره الله بذنوبه فيعترف بها فيغفرها له سترةً عليه. ويوضح الفرق بين العرض اليسير للمؤمنين والمناقشة الدقيقة للعذاب ومصير المنافقين.
يؤكد الحديث أن سيئات العبد تذهب ويغفرها الله عز وجل له سترةً عليه في الدنيا والآخرة، وهو ما ورد في نص حديث النجوى المذكور سابقاً. ويختتم المقطع بالتأكيد على هذا المعنى العظيم من معاني المغفرة الإلهية.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب: وإلى مدين أخاهم شعيباً». قال: «إلى أهل مدين»، لأن مدين بلد، وهذا من أساليب العرب أنهم يأتون بالقرية ويريدون بها أهلها. ومثله: «وسأل القرية»، و«سألت العير»، يعني أهل القرية وأهل العير. وبعضهم يعدون هذا مجازاً، والذين ينفون المجاز كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وابن القيم يقولون: إنه أسلوب من أساليب العرب. قال: «وراءكم ظهرياً». يقول: لم تلتفتوا إليه. ويقال: إذا لم يقضي الرجل حاجته ظهرت بحاجتي وجعلتني ظهرياً. والظهري هاهنا: أن تأخذ معك دابة أو وعاء تستظهر به، أو تبتعد أو تجعله معك. فقول: «وراءكم ظهرياً» يقول أبو عبيدة: لم تلتفتوا إليه؛ لأنه خاطبهم نبي الله شعيب، خاطب قومه أنهم جعلوا كلام الله وراءهم ظهرياً، لم يلتفتوا إلى كلام الله بل عارضوه، أي أنهم لم يبالوا به. قال: «أراذلنا». أي: سقاط. وأنا أبرأ به الضعفة. والأراذل من الشيء: هو أسقطه، أو ما كان فيه رداءة. فهم سموا الضعفاء أراذل. قال: «إجرامي»: هو مصدر من أجرمت. وهذا بسبب أنهم أهل التكبر، فهم سموا الضعفاء من الناس أراذل. ولستهم أراذل أبداً، بل هؤلاء الكفار هم الأراذل. قالوا: بعضهم يقول: «جرمت إجرامي» هو مصدر من أجرمت. وبعضهم يقول: «جرمت»، أنا هذا جرمي. قال: «والفلك والفلك واحد»، وهي السفينة والسفن. «ومجراها»: أي مدفعها، وهو مصدر أجريت. «وأرسيت»: حبست. ويقرأ «مجراها» من جرت هي، و«مرساها» من رست هي. أنا مجري إذا تحركت، والراسي إذا وقفت ورست في مرساها الذي تكون فيه وتخف فيه. قال: «ومجريها ومرسيها»: من فعل بها. معنى: يقول أنها قرية بالألف، وقرية بالياء. وقراءة حفص عن عاصم بالإمالة إلى الياء. أنا في «مجريها مجريها ومرساها» فإمالة إلى الياء. وبعضهم في قراءة البصريين الظاهر أنها بالياء. قال: «الراسيات»: ثابتات. قال: «باب: ويقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين». قال: واحد الأشهاد: شاهد، مثل صاحب وأصحاب. قال: «حدثنا مسدد»، وهو مسدد أبو الحسن البصري. قال البخاري: هو مسدد كاسمه. قال: «حدثنا يزيد بن زريع»، وهو أبو خالد، إمام أهل واسط، حافظهم. أقصد: يزيد بن زريع أبو معاوية البصري. ويزيد بن هارون هو أبو خالد الواسطي. هذا يزيد بن زريع أبو معاوية البصري، حافظ من حفاظ أهل البصرة، وهو أوثق الناس في سعيد بن أبي عروبة، وقد روى عن سعيد قبل الاختلاط. قال: «حدثنا سعيد وهشام». سعيد: هو ابن أبي عروبة. وهشام: هو ابن أبي عبد الله الدستوائي. قلنا: إذا جاء هشام قبل قتادة فهو ابن أبي عبد الله الدستوائي. وإذا جاء قبل يحيى بن أبي كثير فهو أيضاً الدستوائي. وإذا جاء قبل عروة فهو ابنه هشام. وإذا جاء قبل ابن جريج فهو هشام بن يوسف الصنعاني. وإذا جاء قبل ابن سيرين فهو هشام بن حسان. وكذلك إذا جاء قبل حفصة من تسيرين فهو هشام بن حسان. وكذلك إذا جاء قبل الحسن، حسن بن أبي الحسن البصري، فهو هشام بن حسان. وسعيد بن أبي عروبة وهشام أيضاً، وهما من حفاظ أصحاب قتادة. حفاظ أصحاب قتادة ثلاثة كما ذكرناه من قبل: هشام، وسعيد، وأمير المؤمنين في الحديث شعبة. هشام وسعيد أوثق الناس في قتادة، هم هؤلاء الثلاثة: حفاظ أصحاب قتادة: سعيد، وهشام، وشعبة. هؤلاء أحفظ لحديث قتادة. وبعضهم يدخل معهم همام بن يحيى العوذي. وسعيد اختلط في سنة، في سنة الهزيمة، لما هزمه إبراهيم بن محمد بن الحسن بن علي بن أبي طالب رحمه الله. ففي تلك السنة اختلط سعيد بن أبي عروبة. فكل من روى عنه بعد الاختلاط فروايته ضعيفة. ومعنى كما قلنا: اختلط، أي أصابه الخور، أو معنى الخرف، معنى خرف؛ لأنه قد كبر. وهشام: وكان الإمام أحمد يقدم هشام غالباً على أي أحد من أهل، حتى على سعيد وشعبة. لكن في حديثهم تجد كما قال الإمام البردعي رحمه الله: يقول: إذا اجتمع اثنان على واحد، سعيد وهشام على شعبة، فالمقدم سعيد وهشام. وإذا أيضاً شعبة وسعيد، فيقدم سعيد وشعبة. فالاثنان أفضل من الواحد. طيب، لكن الإمام أحمد يقول: أن هشام أثبتهم؛ لأنه كان عنده كتاب. أنا يقول الإمام أحمد: أنه يعتمد رواية هشام لأنه عنده كتاب، والكتاب أوثق. قال: «حدثنا قتادة وابن دأب»، أبو الخطاب السدوسي رحمه الله. قال: عن صفوان بن محرز. قال: بينما ابن عمر يطوف، إذ عرض رجل، فقال: يا أبا عبد الرحمن، أو قال: ابن عمر، هل سمعت النبي عليه الصلاة والسلام في النجوى؟ أنا هل سمعت يذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً في النجوى؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «يدني المؤمن من ربه». وقال هشام: «يدني المؤمن حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه: تعرف ذنب كذا؟ فيقول: أعرف. فيقول: رب، أعرف، مرتين. فيقول: سترتها في الدنيا وأغفرها لك اليوم». ثم تطوى صحيفة حسناته. وأما الآخرون أو الكفار، فينادى على رؤوس الأشهاد: «هؤلاء الذين كذبوا على ربهم». وقال: «وقال شيبان عن قتادة: حدثنا». أي: أن قتادة صرح بالتحديث في هذه الرواية. طيب، هذا الحديث ذكره هنا في النجوى، أو في هذه الآية، وأن هذا يكون يوم قيام، ينادى على رؤوس الأشهاد: «هؤلاء الذين كذبوا على ربهم». أن يشهد عليهم كل من كان في ذلك الموقف العظيم، يشهدون على هؤلاء أنهم كذبوا على ربهم. «ألا لعنة الله على الظالمين». وأما المؤمن، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يدني المؤمن حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه». وهذا العرض كما جاء عند أحمد وغيره، أن هذا يسمى العرض. يعرض الله عز وجل العبد، أو يعرض الله عز وجل ذنوب العبد عليه على هذا العبد، ثم يقرره إياها، فيقر بها، فيقول له الله عز وجل: قد غفرتها لك. وفي هذا يقول: «سترتها في الدنيا وأغفرها لك اليوم». وهذا المقصود به في حديث عائشة الذي أخرجه البخاري ومسلم، لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من نوقش الحساب عذب». من نوقش الحساب عذب. فقالت عائشة رضي الله عنها: فكيف يقول الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «ذاك العرض، ذاك العرض». فالعرض هو أن يقرر الله عز وجل للعبد ذنوبه فيعترف بها، فيقول: اذكر كذا، اذكر يوم كذا فعلت كذا، فيقول: نعم يا رب، قد فعلت. وأما غيرهم فلا يقروا. وقد ذكر ربنا جل وعلا عن أناس يقررهم سبحانه وتعالى ذنوبهم فينكرون، فيقال: ﴿أَفَوَاهُهُمْ﴾، أو فيختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وأرجلهم: ﴿يَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. وقالوا لجلودهم: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾؟ قالوا: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾. وجاء في الحديث أيضاً: أنه يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وأرجلهم بما كانوا يكسبون. فهؤلاء قيل: أنهم المنافقون، وقيل: الكفار، ينكرون ما يقررهم ربنا جل وعلا عليه، فيقولون: يا رب، نحن لا نرضى إلا بشاهد من أنفسنا. مع أن الله عز وجل يقول: ﴿أَلَا تَرْضَوْنَ بِي شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾، والملائكة الكرام شهوداً عليكم. فيقولون: يا رب، لا نرضى إلا بشاهد من أنفسنا. فيختم على أفواههم وتتكلم جوارحهم. وأما أهل الإيمان فيقرون بهذه الذنوب التي فعلوها. فيقررهم الله عز وجل ما فعلوا من الذنوب، فيقرون بها ويعترفون، فيقول الله عز وجل: قد سترتها في الدنيا وأغفرها لك اليوم، وأغفرها لك اليوم. ثم تطوى صحيفة حسناته، أنا عنده حسنات. وأما سيئاته فذهبت، وغفرها الله عز وجل له. فهذا ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.