الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 260، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستهل الدرس بتفسير تسمية سورة المزمل وبيان معنى التبتل الوارد في مطلعها بأنه الانقطاع للعبادة وإخلاص النية لله تعالى. ويوضح أن الإسلام لم يشرع التبتل بمعنى الرهبانية وترك الزواج، بل سن الزواج ونهى عن إرهاق النفس، مؤكداً على التدرج في العبادة كما قرره ابن القيم.
يؤكد المحور على منهج الاعتدال في الدين محذراً من التشدد المفضي إلى الفتور، مستدلاً بالأحاديث النبوية في الاقتصاد في العبادة. ثم ينتقل لتفسير آيات سورة المزمل التي تصور عذاب الكافرين بالأنكال والجحيم، وتصف تصدع السماء وتحول الجبال يوم القيامة.
يفسر هذا المحور الآيات الكريمة التي تصف تفتت الجبال يوم القيامة لتصير كالصوف المبلول أو الرمل السائل مستشهداً بتفسير ابن عباس. كما يبين أن قيام الليل كان واجباً على النبي ﷺ خاصة، مع ذكر الأعذار الشرعية التي وردت في خاتمة السورة للمرضى والمسافرين والمجاهدين.
يختتم الدرس ببيان فضل قيام الليل وأنه من أعظم القربات التي يغفر الله بها الذنوب، مستشهداً بالحديث النبوي الدال على شرف المؤمن بقيام الليل. ويوضح أن عز المؤمن الحقيقي يكمن في استغنائه عن الناس بتوجهه لربه في جوف الليل.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله: سورة المزمل. وهذه سورة تسمى هكذا: المزمل، تسمىها بعضهم: يا أيها المزمل. والمزمل هو المتغطي بغطاء أو يشمل جسمه كله تزمل به، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «زملوني، زملوني»، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وجاء أيضا في معنى: المدثر. والمزمل أصله المتزمل، لكن حُذفت التاء، ولهذا ذكر الحافظ أن في قراءة أبيّ على الأصل: المتزمل. وهي باتفاق أهل العلم مكية. وقال مجاهد: ﴿وَتَبَتَّلْ﴾ أي: أخلص. والمراد بالتبتل هو الانقطاع عن الدنيا لأجل العبادة، الانقطاع عن الدنيا لأجل العبادة، فلذلك قال مجاهد: أخلص، أي: لا تجعل في نيتك شيئا غير الله جل وعلا. ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾، فالتبتل هو التعبد والانقطاع في العبادة، ولهذا يسمى أيضا ترك الزواج تبتل، وسميت فاطمة البتول لانقطاعها في العبادة والطاعة أو لعفتها، وكذلك سميت مريم مريم البتول لأنها انقطعت عن الزواج لأجل العبادة. إلا أنه في الإسلام لا يجوز أن يعتقد الإنسان أن التبتل أفضل من الزواج، فالنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن الاختصاء، ونهى أيضا عن التبتل. وكان النبي صلى الله عليه وسلم لما قال ذلك الرجل: «أما أنا فلا أتزوج النساء»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من رغب عن سنتي فليس مني». فلذلك سنة الأنبياء النكاح والزواج، وأما التبتل فهو من دين النصارى، ترك الزواج والتبتل من دين النصارى. قال: وقوله هنا: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾، أي: تدرج في هذا التبتل، لا ينبغي للمسلم أنه يهجم على التبتل والانقطاع بدون تهيئة نفسه لهذا التبتل. لهذا قال: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾. ثم قال ابن القيم: أي: تدرج في التبتل، ولا تكلف نفسك، لا تهجم على التبتل حجمة واحدة. إنسان مثلا يتوب إلى الله وقد كان غارقا في الدنيا، ثم تاب وأراد أن ينقطع بالكلية عن الدنيا ويأتي إلى العبادة ويجتهد فيها، فهذا قد لا يستطيع، لأن هذا يتكلف شيئا عظيما. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «سددوا وقاربوا»، وقال في حديث أبي هريرة: «عليكم القصد القصد تبلغوا»، وقال عليه الصلاة والسلام: «إن هذا الدين يسر، ولن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه». إذا شدد على نفسه فإنه يأتي عليه اليوم الذي يترك. فلذلك قال الله عز وجل: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾، تدرج في الطاعة، تدرج في العبادة، لا تنقطع، لا تنقطع وهلة واحدة، بل إن هذه العبادة تحتاج إلى تدرج. قال رحمه الله: ﴿وَتَبَتَّلْ﴾ أي: أخلص. قال مجاهد: أي: أخلص عبادتك، أي: يريد إخلاص العبادة، المراد به الانقطاع، لا تجعل لأحد النية في طاعته. قال الحسن: ﴿أَنْكَالًا﴾: قيودا، ﴿أَنْكَالًا وَجَحِيمًا﴾: أي قيود وأغلال يغل بها الشخص يوم القيامة. قال: ﴿مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾: مثقلة به. وهذا جاء أيضا عن مجاهد، أقصد: جاء عن قتادة، وجاء أيضا عن مجاهد شيء آخر، جاء عن الحسن، عن قتادة أنه قال: ﴿مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ أي: مثقلة به، والمراد به هنا في كلام الحسن أنه يوم القيامة، ولهذا قال: مثقلة به يوم القيامة. أي: من شدة يوم القيامة تثقل السماء فتتفطر، تتفطر بمعنى: تتشقق هذه السماء. لكن جاء عن مجاهد قال: ﴿مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾: تنفطر من ثقل ربها تعالى، أن جعل الضمير عائدا لله، وأنه ينزل إلى السماء الدنيا فتتفطر هذه السموات وتتشقق، فهكذا فسره مجاهد، لكن اللفظ لا يدل عليه، ولهذا قال الحافظ: وعلى هذا فالضمير لله معنى على كلام مجاهد. قال: ويحتمل أن يكون الضمير ليوم القيامة، وظاهر الأمر كما قال ابن القيم أنه على يوم القيامة، وليس الضمير يعود إلى الله، والمراد أن هذه السماء تتفطر وتتشقق لهول ذلك اليوم العظيم. ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ * كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾. وقال ابن عباس: ﴿كَثِيبًا مَهِيلًا﴾، ﴿كَثِيبًا مَهِيلًا﴾: تصير هذه الجبال الرواسي والشامخة والأوتاد تصير كثيبا مهيلا. قد ذكرنا قبل في الحاقة وغيرها كيف تكون هذه الجبال يوم القيامة، فيدقها الله عز وجل. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾. وقال الله عز وجل في هذه الآية: ﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ دَكًّا دَكًّا﴾، أن الأرض والجبال تدك، فإذا دكت الجبال صارت كثيبا مهيلا. صارت أول شيء كما قال الله عز وجل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾. وقال أيضا: ﴿يَوْمَ تَكُونُ الْجِبَالُ كَالْمُهْلِ﴾، كالمهل هو القطران الذي يقطر من النار، وعنها كأنها لما تندك كأنها تخرج متقطرة، ثم تكون كالصوف المبلول، ثم بعد ذلك تكون كالكثيب، تنزل وتكون كالكثيب المهيل، أو الكثيب الذي ينجر فيه الهواء، ﴿يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ فيذرها قاعا صفصفا، أنه في ذلك المكان خلاص يمحى ذلك الجبل، فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمت. معنى أنه يسوي هذه الأرض سبحانه وتعالى. وقيل: أن هذه الأرض هي أرض المحشر. وقال ابن عباس: ﴿كَثِيبًا مَهِيلًا﴾: أي الرمل السائل. وقال: ﴿وَبِيلًا شَدِيدًا﴾، فهذا الوصف لهذا العذاب، وهذه المطر التي تأتي تكون وابلا شديدا، والوابل هو المطر الشديد، فقال: ﴿وَبِيلًا﴾ أي: شديدا. وهذا كما قال الحافظ: أنه من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وهذه صحيفة صحيحة، أن الذي فيها صحيح، وإن كان علي بن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس، لكن الواسطة هو مجاهد أو غير، لكنها صحيحة، صححها محمد وغيره. وفي هذه الآية في بدايتها وفي نهايتها ذكر الله عز وجل قيام الليل، وأن قيام الليل واجب على النبي عليه الصلاة والسلام، وليس واجبا على أمته. ولهذا في آخر السورة قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ ۚ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ۚ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾. ثم ذكر الأعذار على من سيكون منكم مرضى، وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله، وآخرون يقاتلون في سبيل الله، ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. فهذه الأشياء أعذار، أي: أن الله عز وجل لا يكلف النفس إلا ما كسبت وما طاقت، فلذلك لم يأمر الله عز وجل بصلاة الليل، لكن جعلها عبادة عظيمة يناجي العبد ربه فيها، لأنها في وقت إخبات، وفي وقت نوم الناس، فيقوم العبد إلى ربه جل وعلا ويترك فراشه، فيباهي الله عز وجل به من كان عنده من الملائكة، فيقول: «انظروا إلى عبدي ترك فراشه، ترك لذاته، وقام إلي، اشهدوا أني قد غفرت له»، أو كما جاء في الحديث. فلذلك فقيام الليل من أعظم الصلوات، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه أحمد وغيره: «شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس، شرفه وكرامته قيامه بالليل». طيب، هذا ما تكفل الله تعالى عنه.