الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 262، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع حديث جابر بن عبد الله الذي يرى أن سورة المدثر هي أول ما نزل، مع ذكر خلاف الروايات التي تؤكد أن سورة العلق هي أول الوحي، مبيناً أسانيد الحديث ومناقشة أقوال المحدثين في ترجيح رواية عائشة.
يوضح المقطع حادثة رؤية النبي ﷺ للملك في الأفق بعد خروجه من غار حراء، ونزول سورة المدثر، مع تصحيح الترتيب الزمني بأن الوحي بدأ بسورة اقرأ في الغار كما في حديث عائشة، وأن حادثة المدثر جاءت لاحقاً لبدء الإنذار العام.
يصف المقطع رؤية النبي ﷺ لجبريل عليه السلام بصورته الأصلية ذات الستمائة جناح، وما أعقبه من روع شديد طلب على إثره التغطية والتبريد، فنزلت سورة المدثر آمرة بالإنذار وتكبير الرب، مؤكدةً وقوعها بعد مرحلة الدعوة السرية.
يفسر المقطع دلالة نزول سورة المدثر باعتبارها لحظة الإرسال الرسمي للنبي ﷺ بالإنذار والتكبير، مستشهداً بقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: «نُبِّئَ بِاقْرَأْ وَأُرْسِلَ بِالْمُدَّثِّرِ»، مبيناً أن هذه الحادثة تمثل انطلاق الدعوة بالتبشير والإنذار بإذن الله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب». حدثني يحيى، وهو ابن موسى البلخي، أو قد يكون ابن جعفر، ومحتمل أيضًا أن يكون يحيى بن معين، فهو لم يبين من يحيى هنا. قال: حدثني يحيى، قال: حدثنا وكيع. لكن الغالب أنه يحيى بن موسى البلخي؛ لأنه ممن اشتهر يروي عن وكيع. قال: عن علي بن مبارك، وعلي بن مبارك هو الهنائي، أو يُنسب إلى هناء بالضم والتخفيف: الهنائي. علي بن مبارك وهو من أهل البصرة، ثقة، وهو من أصحاب يحيى بن أبي كثير، قال عن يحيى بن أبي كثير: «أنا من حفاظ أصحاب يحيى، علي بن مبارك، وأوثقهم في يحيى هو هشام، هشام بن أبي عبد الله دستوان». قال: عن يحيى بن أبي كثير، قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن. أبو سلمة فقيه من فقهاء أهل المدينة. قال: فسألته عن أول ما نزل من القرآن، قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾. قلت: يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن ذلك، وقلت له مثل الذي قلت، فقال جابر: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: «جاورت بحراء، فلما قضيت جواري هبطت، فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أر شيئًا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئًا، ونظرت أمامي فلم أر شيئًا، ونظرت خلفي فلم أر شيئًا، فرفعت رأسي فرأيت شيئًا، فأتيت خديجة فقلت: دثروني، وصبوا علي ماءً باردًا». قال: فدثروني وصبوا علي ماءً باردًا، قال: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾. فهذا الحديث في سبب نزول هذه الآية أو هذه السورة: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، وكلام جابر يدل على أنها أول ما نزل، كما جاء صريحًا عنه رضي الله عنه. لكن الصحيح أن أول ما نزل هو ﴿اقْرَأْ﴾، كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها. وقد يكون جابر لم يصله ذلك، أي ما سمع بهذه الحادثة التي حصلت مع النبي عليه الصلاة والسلام. وهذه الحادثة - حادثة الغار - قبل هذه الحادثة، قبل أن يرى جبريل وهو ذاهب إلى بيته بعدما جاء من حراء. وكان النبي عليه الصلاة والسلام يتعبد في غار حراء الليالي ذات العدد، ثم يخرج إلى بيته. فالظاهر أنه إما أن يكون في نفس هذه الخرجة التي خرجها، وإما أن يكون في خرجة أخرى. فلعل هذا معنى لهذا: زاد من روعه عليه الصلاة والسلام، زاد من خوفه أنه رأى هذا الملك أو جاءه بصورة الرجل في غار حراء، ثم جاءه بصورته التي خلقه الله عز وجل عليها في الطريق، قال: «فرأيت الملك الذي جاءني في حراء»، وهذا يدل على أن هذه الحادثة - حادثة حراء - كانت قبلها. فقال: «فرأيت الملك الذي جاءني في حراء، وهو قد سد الأفق، له ستمائة جناح»، فرآه بصورته التي خلقه الله عز وجل عليها. فقال: فلما جاء إلى بيته، قال لزوجته خديجة: «دثروني»، أي: غطوني، وصبوا علي ماءً باردًا. إن صب الماء البارد هنا لأجل ارتفاع حرارة الجسم؛ فإن الإنسان لما يحصل له شيء من الروع تأتي له مثل الحمى. فقال عليه الصلاة والسلام: «صبوا علي ماءً باردًا». ولهذا عُرف أن المحموم يصب عليه ماء بارد، وليس باردًا على ما نعلمه الآن من ماء الثلاجات، هذا لا. الماء البارد المراد الذي ليس بحار، المراد ليس حارًا، يكون فيه برودة، وليس باردًا على أنه عندما يشرب باردًا لا، وإنما باردًا على أنه ليس حار، أي عكس الحرارة، لا يكون ماء حارًا، يكون باردًا. قال: فدثروني وصبوا علي ماءً باردًا، قال: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾. وهذا يدل على أن هذه السورة نزلت بعد الدعوة السرية، وهذا ما يدل على أن حادثة الغار غير هذه الحادثة. معنى هذه الحادثة في الإرسال: قد يكون في الدعوة السرية، أو قد يكون في الجهرية، لكن فيها أمر الله عز وجل لنبيه بالأمر بالدعوة إليه سبحانه وتعالى: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾. وكما قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: «نُبِّئَ بِاقْرَأْ وَأُرْسِلَ بِالْمُدَّثِّرِ». نُبِّئَ بِاقْرَأْ وَأُرْسِلَ بِالْمُدَّثِّرِ. معنى هذه الحادثة هي بداية رسالة النبي عليه الصلاة والسلام، وأن الله عز وجل أمره بأن يبلغ وينذر الناس، وأنه بشير ونذير بإذن الله جل وعلا. فهذا ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.