الدرس في صلح الحديبية مسائل وأحكام 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
نزلت آية الامتحان في النساء المؤمنات المهاجرات فلم يُردن إلى الكفار، فطلق عمر امرأتين كافرتين. ثم عاد النبي للمدينة وقدم أبو بصير مسلماً فسُلم لقريش بموجب الصلح.
قتل أبو بصير مشركاً عند ذي الحليفة وفر إلى المدينة، فقال النبي: «ويل أمه مسعر حرب». فأدرك أنه سيرد فهرب إلى سيف البحر ولحق به أبو جندل.
اجتمع المهاجرون حول أبي بصير في سيف البحر واعترضوا تجارات قريش، فطلبت قريش الصلح والتنازل عن شرط رد الهاربين. أنزل الله آية ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ حفظاً للمسلمين وتيسيراً لعمرة القضاء.
أنهى المتحدث حديثه عن صلح الحديبية مشيراً إلى أن الدروس القادمة ستتناول الفوائد والمسائل المتعلقة به. سأل الله التوفيق والهدى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقد قرأنا بعض ما جاء في صلح الحديبية، في الصلح الذي عقده النبي عليه الصلاة والسلام على كفار قريش، وإن شاء الله تعالى نكمل قراءته، ثم بعد ذلك في الدروس التي ستأتي نذكر تفسير هذه وفوائد هذا الصلح، كذلك نذكر بعض المسائل وغيرها من هذا الصلح. قال: بعدما ذكر حلق النبي عليه الصلاة والسلام ونحره، لما أراد أن يرجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وقد أحسر، كما قال الله عز وجل: ﴿ فَإِنْ أَحْصَرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ﴾، فحلق، فذبح النبي صلى الله عليه وسلم هديه وحلق، وجاء الحلاق وأمره بأن يحلق. قال في الحديث: «ثم جاء نسوة مؤمنات»، أي من مكة، فأنزل الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ﴾، حتى بلغ: ﴿ بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ﴾، ﴿ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ﴾. قال: فطلق عمر يومئذ امرأتين، على أن الله عز وجل لما جاء النساء، هل هذا في الصلح أو ليس في الصلح؟ فالله عز وجل بيّن أنه ليس في الصلح، ليس النساء في الصلح، لأن النساء ضعيفات، ورجوعهن إلى الكفار لا يجوز، لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهم. معنى لو أرجعوا إلى أزواجهم، أزواجهم كفار وهن مسلمات، فلهذا لا يحلون لهم. فلهذا لما قال الله عز وجل للمؤمنين: ﴿ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ﴾، أي لا تمسكوا بعقد الكوافر، أي الكافرات التي في عقدكم، اخرجوهن من عقدكم، من عصمتكم. قال: فقال: فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، معنى كانوا في مكة، وهن من أهل الشرك، فطلقهن عمر لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا تمسكوا بعصم الكوافر». قال: فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، عندما كان لا يزال كافرًا، لأن معاوية أسلم في فتح مكة. قال: والأخرى صفوان بن أمية، ثم صفوان أيضًا أسلم في الفتح. قال: ثم رجع النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، أي بعدما انتهى من الصلح وحلق وذبح، رجع إلى المدينة عليه الصلاة والسلام مع أصحابه. قال: فجاءه أبو بصير، رجل من قريش، وهو مسلم، على هرب من قريش، وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. قال: فأرسلوا في طلبه رجلين، على ما اتفق عليه من الصلح، على أنه يسلمه لهم. فقالوا: العهد الذي جعلت لنا، معنى الصلح الذي عقدناه بيننا، أنك ترجع من جاءك من عندنا. فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به. قال: حتى بلغ ذا الحليفة، ذا الحليفة الوادي الذي كان نبي صلى الله عليه وسلم يحرم منه، وهو ميقات أهل المدينة، وذو الحليفة هو عند وادي العقيق، وقريب من المدينة، بينه وبين المدينة، بينه وبين المسجد النبوي، عشر كيلو أو نحوها. قال: فنزلوا يأكلون من تمر لهم، أي هؤلاء الكفار نزلوا يأكلون من تمر لهم. فقال أبو بصير لأحد الرجلين: «والله إني لأرى سيفك هذا فلان جيد»، فاستله الآخر، فقال: «أجل والله إنه لجيد». فأنا يقول هذا الكافر: لما قال له هذا السيف الذي عندك سيف جيد، فقام وخرجه من غمده، وقال: نعم إنه جيد، لقد جربت به، ثم جربت أنا، ضربت به وقتلت وفعلت بهذا السيف. فقال أبو بصير: «أرني أنظر إليه»، فأنا قال له: هذا السيف أنظر إليه. قال: فأمكنه منه، أعطاه إياه، فضربه حتى برد، لا حتى برد، أي من موته، ضربه بهذا السيف. قال: وفر الآخر حتى أتى المدينة، أنا رجع إلى المدينة، كان في يد الحليفة، فرجع هاربًا، خاف أن يقتله أيضًا. قال: فدخل المسجد يعدو، يجري إلى المدينة حتى دخل المسجد. فقال النبي عليه الصلاة والسلام حين رآه: «لقد رأى هذا دعراء»، معنى خاف من شيء في شيء خوفه. فلما انتهى إلى النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «قتل والله صاحبي، قتل والله صاحبي، وإني لم أقتل». معنى: قد قتل صاحبي، ويريد أن يقتلني أيضًا. فجاء أبو بصير، فقال: «يا نبي الله، قد أوفى الله ذمتك، قد أوفى الله ذمتك، وعطيتني إياهم، وأنا عملت حيلتي حتى جئت، وقتلت واحدًا منهم، قد رددتني إليهم، ثم أنجاني الله منهم». فقال عليه الصلاة والسلام: «وَيْلَ أُمِّهِ مِسْعَرُ حَرْبٍ، لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ». وهذه الكلمة عظيمة، سيأتي كيف حصل هذا أبو بصير على أناس يؤيدونه، فكان له دور عظيم في إرغام الكفار، وأيضًا كذلك في خزيهم وخسارتهم أموالًا كثيرة. قال: «وَيْلَ أُمِّهِ مِسْعَرُ حَرْبٍ»، معنى: رجل حروب، ورجل قوي وشجاع، لو كان له أحد، يعني لو وجدوا ناسًا معه لفعل الأفاعيل. قال: فلما سمع ذلك، أي أبو بصير، لما سمع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم، عرف أنه ما سيقبله، قال: عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر، أو حتى أتى سيف البحر، أنا سيف البحر معروف، الساحل، ساحل من سواحل جدة، قرب جدة، فجلس هناك، جلس هناك أبو بصير حتى لا يرجع إلى الكفار. قال: وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل، معنى: مرة ثانية أرجعه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبيه، ثم انفلت منهم مرة أخرى. قال: فلحق بأبي بصير، سمع أن أبو بصير ذهب إلى سيف البحر، فلحق به أبو جندل. قال: فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، من أخرج من قريش لحق بأبي بصير في سيف البحر. قال: حتى اجتمعت منهم عصابة، مجموعة، اجتمعوا في ذلك المكان. قال: فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها، فقتلوهم وأخذوا أموالهم، لأن هؤلاء كفار أخذوا أموال المسلمين، فأحل الله عز وجل، أحل للمسلمين أموالهم، فإذا رأوا عيرًا لقريش خرجت اعترضوها، وقتلوا من فيها، وأخذوا أموالهم. قال: فأرسلت قريش إلى النبي عليه الصلاة والسلام تناشده بالله والرحم، لما أرسل، معنى: هؤلاء القريش هم الذين ناشدوا النبي صلى الله عليه وسلم، أراد يقول لهم: خلاص، خذهم، خذهم إلى المدينة، معنى: نحن متنازلون عنهم، فيناشدون النبي صلى الله عليه وسلم بالله والرحم، لأنه منهم عليه الصلاة والسلام. قال: «فَمَنْ أَتَاهُ فَهُوَ آمِنٌ»، قلاص تنازلوا عن الشرط. هذا انظر إلى حكمة النبي عليه الصلاة والسلام، ولأن هذا من الله، هذا الأمر من الله الذي يعلم السر وأخفى، والذي يعلم أيضًا عواقب الأمور، فلهذا تنازلوا عن هذا الشرط. فقالوا: من جاءك فهو آمن، قلاص خذهم، الذي يأتي من قريش اجعله عندك فهو آمن. قال: فأرسل النبي عليه الصلاة والسلام إليهم، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ﴾. معنى: معنى: الله عز وجل ذكر هذه الآية لأجل أنه من على قريش، لأن لو بقيت هذه العصابة وبقي هؤلاء في ذلك المكان، لما كانت لقريش عير، فكلما مرت عير قتلوها وأخذوا أموالها، فسيصيبهم القحط، وأيضًا ما يجدون بعد ذلك الطعام. فلهذا قالوا: من جاءك فأمنه، فهو آمن إليك. فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، فرجعوا إلى المدينة، فأنزل الله عز وجل هذه الآية، أو هذه الآيات: ﴿ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ﴾، إلى أن قال الله عز وجل: ﴿ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾. قال الزهري: وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله. هذا حمية من حميتهم، وهم يعلمون أنه رسول الله، وأنه صادق، لكن الكفر والعناد وحمية الجاهلية. فقال: وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت، حالوا بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين البيت، لكن وعدوه أنه يأتي من العام، وعدوه يأتي من العام القابل. فجاء النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة القضاء في العام الذي بعده، ودخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة، وطاف بها هو وأصحابه، رضي الله تعالى عنهم. فبهذا انتهى هذا الحديث في صلح الحديبية، وإن شاء الله تعالى في الدروس اللاحقة نذكر الفوائد والمسائل في هذا الحديث. فنسأل الله عز وجل التوفيق والسداد والهدى، والحمد لله رب العالمين.