الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 54، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يناقش تعريف المجمل في أصول الفقه، حيث يُعرّف المجمل على أنه ما يحتاج إلى توضيح لتعيين المراد. يشرح أمثلة على الإجمال بسبب الاشتراك في الألفاظ أو الحروف أو الأفعال.
يتناول مفهوم الإجمال في اللغة العربية والشريعة الإسلامية، ويقدم أمثلة على نصوص شرعية مجملة مع تحليل آراء الفقهاء حولها وتوضيح الأحكام الشرعية المتعلقة بها.
يناقش شرح حديث رفع المؤاخذة عن الأمة في حالات الخطأ والنسيان والإكراه، ويستدل على ذلك بأدلة من القرآن والسنة، ويفرق بين الإثم والضمان في هذه الحالات.
يفسر معنى الرفع في النصوص الشرعية بأنه رفع للإثم وليس بالضرورة رفعاً للأحكام، ويشير إلى أن الأحكام تحتاج إلى أدلة أخرى لتثبت، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: القسم الثالث المجمل، قال: وهو ما لا يفهم منه معنى عند الإطلاق، يعني في تفسير المجمل ما لا يفهم منه معنى عند الإطلاق. وهذا قال به بعض أهل الأصول في تفسير المجمل، وتفسير خاطئ؛ وذلك أن المجمل له معنى، لكن يحتاج إلى غيره في تعيين المراد، يحتاج إلى غيره في تعيين المراد. وأما القول بأن المجمل ما لا يفهم له معنى عند إطلاقه، هذا خطأ. ولهذا وقع كثير من الفقهاء في الخطأ في باب المجمل، كما ذكر الإمام أحمد رحمه الله أن أكثر خطأ الفقهاء في باب المجمل والقياس؛ لأنهم فسروا الإجمال بأنه ما ليس له معنى، فربما أتوا بمعاني يظنون أن هذا هو معنى لهذا المجمل، فيقعوا في الخطأ. وفي باب القياس يتوسعون في استعمال القياس مع وجود النص. قال: وقيل: محتمل أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر، كالألفاظ المشتركة. إلى آخره. وأفضل التعاريف أن يقال: المجمل ما لا يكفي وحده بالعمل به، ما لا يكفي وحده بالعمل به، أو محتاج إلى غيره في تعيين المراد. أما من حيث المعنى، فهو واضح ومعروف المعنى، يعني مثلا قول الله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، معنى الصلاة معروفة، لكن الإجمال في كيفيتها، يحتاج هذا النص إلى غيره ليبين كيفية هذه الصلاة. قال مقيد عفى الله عنه: اعلم أن التحقيق في معنى المجمل عند الأصوليين هو ما تقدم في تقسيم الكلام المفيد إلى نص وظاهر ومجمل، وهو ما احتمل معنيين، كالقرء للطهر والحيض، فالقرء يطلق ويراد به الطهر، ويراد به الحيض، لكن تعيين أحد المعنيين يحتاج إلى قرينة أو دليل يدل على أن المراد به أحدهما. قال: والشفق للحمرة والبياض، والمتردد بين معانين، يعني أكثر من معانين، كالعين للباصرة، يعني العين يبصر بها الإنسان، والجارية يسمى الماء الذي ينبع عين، عين جارية، والنقد يعني الذهب، قال: له عين. وهذا مثال الإجمال بسبب الاشتراك في اسم، اسم تشترك فيه عدة معاني، فيقع فيه الإجمال. وقد يأتي بسبب الاشتراك في حرف أو فعل، مثاله في الحرف: الواو في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، فإنها محتملة للعطف، فيكون الراسخون يعلمون المتشابه، ومحتملة للاستئناف، فيستأثر الله بعلمه. وكلا القراءتين صحيحة وسبعية، قراءة الوقف وقراءة الوصل. فهنا يحصل الاشتراك: هل الواو هنا للعطف أو للاستئناف؟ فإن قيل: أنها للعطف، فيكون المعنى أن الراسخون يعلمون المتشابه، ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، والراسخون في العلم يعني كذلك يعلمون تأويله. ومعنى وإن جعلت الواو استئنافية، فيكون قوله جل وعلا: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، انفراض الله جل وعلا بعلم التأويل، ويراد به في هذا الموضع حقيقة الأمور وما تأول إليه، فلا يعلمها إلا الله، وتكون الواو استئنافية، والراسخون في العلم يقولون: آمنا به، يعني يسلمون ويؤمنون به. قال: ورفضت «من» في قوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ مِنْهُ﴾، محتملة للتبعيض، فيشترط ما له غبار يعلق في اليد، ومحتملة لابتداء الغاية، فلا يشترط، فتكون «من» هنا حرف مجمل: هل مراد به ابتداء الغاية أو مراد به التبعيض؟ فإن أولد بها التبعيض، اشترط التراب له غبار يعلق باليد، ويعلق بها ابتداء الغاية، لم يشترط ذلك. والصواب أنه لا يشترط؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، والصعيد كل ما صعد على وجه الأرض، فيشمل التراب وغيره. ويكون قوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ مِنْهُ﴾، لابتداء الغاية. قال: ومثاله في الفعل قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾، مشترك بين أقبل وأدبر، عسعس يطلق ويراد به الإقبال، ويراد به الإدبار، فهو لفظ مشترك. قال المؤلف رحمه الله: وقد يكون الإجمال في لفظ مركب، كقوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾، متردد بين الزوج والولي، يعني هل مراد به الزوج الذي بيده عقدة النكاح، أو يراد به الولي؟ لأن الزوج بيده عقدة النكاح بحيث أنه يمسك المرأة ويستطيع طلاقها، والولي لأن المرأة لا تستطيع أن تتزوج إلا عن طريق الولي، فيكون له ماذا عقدة النكاح؟ فيكون هذا اللفظ وهذه الجملة مترددة بين الزوج وبين الولي. ولهذا وقع خلاف بين أهل العلم: هل مراد في هذه الآية الزوج أو الولي؟ وأكثر العلماء على أن المراد به الزوج، وهو الصحيح مذهب الإمام أحمد ومذهب أبي حنيفة، وصح قول الشافعي عن المراد به الزوج، وبه قال ابن عباس. قال: وقد يكون بحسب التصريف، كالمختار يصح الاسم الفاعل واسم المفعول، المختار يصح الاسم الفاعل ويصح اسم المفعول؛ لأنه متردد بين أن يكون أصله مختار بكسر الياء، فيكون اسم فاعل، وبفتحها مختار، فيكون اسم مفعول. فلما تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا، والألف لا تحمل الحركة، فوقع اللبس وحصل الإجمال. فالمختار متردد بين من وقع منه الاختيار، ويكون هذا اسم فاعل، ومن وقع عليه، فيكون اسم مفعول. فالله اختار نبيه، والنبي صلى الله عليه وسلم مختار، إذا المختار يصح الاسم الفاعل والاسم المفعول. قال مقيد عفى الله عنه: كل فعل على وزن افتعل إذا كان معتل العين، أي عينه حرف علة، أو مضعفا، يعني مشدد، يتحد اسم فاعله واسم مفعوله؛ لأن الكسرة المميزة لاسم الفاعل، والفتحة المميزة لاسم المفعول، كلتاهما تسقط للاعتلال والتضعيف. مثاله في معتل العين: المختار والمصطاد والمجتاب، هذه أسماء الثلاثة عينها حرف علة، وهو الألف. فكما مر معنا أن المختار أصله مخير، فلما تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا. قالوا: مثاله في المضعف: المضطر والمحتل. وكذلك كل صيغة فاعل مضعفة، يستوي لفظ اسم فاعلها واسم مفعولها، كما يستوي مضارعها المبني للفاعل ومضارعها المبني للمفعول. قال: كمضار لهما، أي الاسم الفاعل الاسم المفعول، ومضار للفعلين. ولأجل اختلف في إعراب «والدة» في قول تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ﴾، فقيل: فاعل، وقيل: نائب فاعل، هنا جاءت مضعفة. وكذلك «كاتب» و«شهيد» في قول تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾، هل مراد يعني فاعل أو نائب فاعل؟ قال: وحكم المجمل التوقف عنه حتى يعرف البيان كما تقدم، يعني توقف اللفظ المجمل حتى يتبين ما المراد منه. قال: وعرف المجمل في المراق بقوله: «وذو وضوح محكم والمجمل هو الذي المراد منه يجهل». قال: تنبيه، قد يكون الإجمال مع الوضوح في وجه آخر، كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، الآية، فإنه واضح في إتيان الحق، مجمل في مقدار الحق لاحتماله النصف أو أقل وأكثر. وأشار له في المراق بقوله: «وقد يجيء الإجمال من وجه ومن وجه يراه ذا بيان منفصلا واضحا». قال: والتحقيق أن ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ونحوه غير مجمل لظهوره من جهة العرف في تحريم الأكل، يعني بعضهم أدعى أنه من الإجمال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾، إيش حرم؟ الأكل، البيع، الشراء، الانتفاع. وقال بهذا القاضي أبو يعلى، ووافقه الكرخي، وأبو عبد الله البصري. قالوا: بأن هذا من الإجمال. وجماعة من المعتزلة، كالقاضي عبد الجبار، وأبي هاشم، والجبائي قالوا: وكذلك قوله: ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾، ليس بمجمل؛ لأنه على عمومه إلا ما أخرجه الدليل. وقال بالإجمال بعض الشافعية وبعض الحنفية. قال: وتظهر فائدته في حمل بيوع المسلمين على الصحة حتى يقوم دليل على الفساد، فالأصل حل البيع بأي طريقة حصل، فإلا ما دلت على تحريمه. قال: وكذلك قوله: «لا صلاة إلا بطهور» ليس بمجمل أيضا؛ لأن المراد نفي الصحة. وقال بالإجمال الحنفية والباقي اللاني وأبو عبد الله البصري. قال: وإن شئت قلت: نفي الصلاة بمعنى حقيقتها الشرعية، يعني لا صلاة ماذا؟ موافقة للشرع. والمعنيان متلازمان؛ لأن الصحة كل ما وجدت فحقيقة الصلاة الشرعية موجودة، وكل ما عدمت فهي معدومة. والتحقيق أيضا في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا عمل إلا بنية»، أنه غير مجمل أيضا، لا عمل إلا بنية كذلك غير مجمل؛ أن المراد لا عمل صحيح، فالنفي للصحة. قال: وحاصل تحرير المقام فيه أن العمل إن كان عبادة كالصلاة، فالنفي، فالمراد فيه نفي الصحة والاعتماد. وإن شئت قلت: نفي العمل باعتبار حقيقته الشرعية، كما قدمنا في مبحث «لا صلاة إلا بطهور»، يعني قوله: «لا عمل إلا بنية»، إن كان عبادة كالصلاة مثلا، فالمراد نفي الصحة؛ لأن لا عمل أو لا عبادة صح إلا بنية. وإن كان معاملة، والمعاملة عمل، قال: فهو يصح ويعتد به دون النية إجمعا، المعاملة إذا عامل الإنسان معاملة تجب عليه، من قضاء الديون أو رد المغصوب أو نحو ذلك، من غير نية نية الأجر والثواب، في مصح ويصح فعله ويعتد به، ولكن لا أجر له. وكذلك جميع التروك، يعني ما يؤجر عليها، وإن كانت تجزئ وتصح. قال: وكل هذه المسائل التي ذكرنا أنها غير مجملة، قال: فيها بعض العلماء بالإجمال، مستدلا بأن الصور غير منفية، فالنفي إذن غيرها، ولم يصرح به، فإنه محتمل، وإذن فهو مجمل، يعني هكذا عللوا في حصول الإجمال بها: أن هذه الصور غير منفية، والنفي في غيرها، ولم يصرح به، إذن هنا حصى الاحتمال، فيكون من باب الإجمال. وقال: واعلم أن التحقيق فيه، وأنه غير مجمل، وإليه الإشارة بقول صاحب المراقي: «والنفي للصلاة والنكاح والشبه محكم لدى الصحاح»، يعني سم المجمل. قال: وكذلك خبر: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان»، على تقدير ثبوت هذا اللفظ، والحديث بهذا اللفظ منكر، وإنما ثبت بلفظ: «إن الله تجاوز عن أمتي»، رواه ابن حبان والبيهقي وغيرهما، معنى ابن عباس هذا، يعني أصح ألفاظ هذا الحديث. قال: ليس بمجمل أيضا؛ لأن العرف يبين أن المراد رفع المؤاخذة، يعني رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، ما الذي رفع؟ هل رفع الإثم أو رفع المؤاخذة أو رفع وقوع الخطأ والنسيان نفسه؟ فجعلوا هذا من الإجمال. قال: لأن العرف بيّن أن المراد رفع المؤاخذة، يعني الإثم، وهو الحق. ولا يلزم من ذلك رفع ضمان ما أتلفه خطأ أو نسيانا؛ لأن ضمان المتلفات وأرش الجنايات من خطاب الوضع، ولذا يلزم الصبي مع أن القلم مرفوع عنه، يعني يلزم الصبي ضمان المتلفات مع أنه غير مكلف، غير مكلف، لو أتلف شيئا، نقول: ليس عليه إثم، لكن عليه الضمان، يضمن ما أتلفه. قالوا: يجب على العاقلة في دية الخطأ مع أنهم لا علم لهم بالجناية، يعني يقتل الإنسان خطأ، وتجب الدية على العاقلة، على غرماء هذا القاتل، هذا من خطاب الوضع؛ لأجل التخفيف عنه والإعانة له. قال: وما ذكره المؤلف عن أبي الخطاب من أن إرادة نفي المؤاخذة لا تصح، مستدلا بأنه لو أراد نفي الإثم لم يكن لهم في هذه الأمة مزية؛ لأن الناس غير مكلفين في جميع الشرائع، يعني أبي الخطاب يقول: ليس المراد هنا رفع المؤاخذة. قال: لو أردنا نفي المؤاخذة ونفي الإثم لم تكن لهذه الأمة مزية على غيرهم الأمم؛ لماذا؟ قال: لأن الناس غير مكلفين في جميع الشرائع، وهو أيضا في شريعتنا غير مكلف، فما الفرق إذن بين هذه الشريعة وبقية الشرائع؟ قال: فيه عندي أمران: أحدهما أن إثم الناس عندك إن رفع صح. نعم، أن رفع إثم الناس والمخطئ من غير هذه الأمة غير مسلم، يعني ما نسلم بأن غير هذه الأمة إذا وقع في الخطأ والنسيان يسقط عنه الإثم. قال: ورود أدلة تدل على اختصاص هذه الأمة بعفو الخطأ والنسيان، وما استكره عليه، منها: هذا الحديث الذي نحن بصدده، فقوله: «عن أمتي» يفهم منه أن غير ليس كذلك، يعني غير هذه الأمة ليس لها نفس هذا الحكم. قال: ومنها حديث طارق بن شهاب في الذي دخل النار في ذباب قرب لصنم مع أنه مكره بالخوف من القتل؛ لأنهم قتلوا صاحبه لما أبى عن ذلك. وهذا الحديث الصحيح في الوقف على سلمان. قال: ومنها أن قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، يعني أنه أكره على أن يقدم شيء، فقدمه. ومع ذلك دخل النار، ولم يعذر بذلك. قال: ومنها أن قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، وقول الله: «قد فعلت» كما في صحيح مسلم، يدل على أن المؤاخذ بالخطأ والنسيان كانت معهودة على من قبلنا؛ إذ لو كانت مرفوعة عن كل أحد لما دعت ضرورة إلى ذلك الدعاء، وإظهار الكرام بالإجابة بقولي: «قد فعلت»، فظاهر الإمتنان أنه خاص بنا. قال: ويؤيد لهذا ما ذكره البغوي عن الكلب من أن من قبلنا كانوا يؤاخذون بالخطأ والنسيان. وهذا ذكره عن بني إسرائيل. قال: وقد قال الله تعالى في آدم: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾، وقال: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾، فأضاف إليه العصيان والنسيان، فدل على المؤاخذة به. قال: وأما على القول بأن نسي بمعنى ترك، فلا دليل في الآية، يعني إذا كان النسيان معنى الترك: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾، معنى ترك الأمر، ليس بدليل. قال: وذكر القرطبي أن أكثر المفسرين على أن النسيان هنا بمعنى الترك، ورجح القرطبي ذلك؛ أنها بمعنى الترك. قال: ومن الأدلة على مؤاخذتهم في الإكراه قوله تعالى عن أصحاب الكهف: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾، فهذا صريح في الإكراه، مع أنهم قالوا: ﴿وَلَنْ نُفْلِحَ أَبَدًا﴾، فدل على عدم عذرهم به، يعني أنهم أخبروا أنهم إن ظهروا عليهم، يعني أصحاب ذي قرانوس ممن كان في زمنهم، إذا ظهروا عليهم وامسكوهم، يقتلوهم أو يعيدوهم في ملتهم. قال: وإذا فعلوا ذلك وعادوا في ملتهم: ﴿وَلَنْ نُفْلِحَ أَبَدًا﴾، لن يحصل لهم فلاح مع أنهم مكرهون، لكن دل هذا على أنهم غير معذورين بالإكراه، فدل على اقتصاص هذه الأمة بالإكراه. قال: ثانيهما: وهو أن نقول: متعلق الرفع في قوله: «رفع عن أمتي» إلى آخره، لابد أن يكون أحد أمرين أو كليهما، وهما الإثم والضمان، يعني رفع عن أمتي ماذا؟ لي رفع، إما الإثم أو الضمان، أو الرفع أو الإثم والضمان. قال: إذ لا وصفة يتعلق به الرفع إلا الإثم والضمان، لكن وليس المراد نفي وقوع الخطأ والنسيان؛ لأن هذا أمر واقع، إذن المرفوع شيء آخر مقدر، وهو هذا: إما الإثم وإما الضمان، أو الإثم والضمان. قال: والإثم مرفوع قطعا؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾، فرفع الله سبحانه وتعالى الإثم والمؤاخذة فيما وقع من الإنسان على جهة الخطأ. وقوله في الحديث القدسي: «قد فعلت» كما تقدم، يعني في قول جل وعلا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، وقال جل وعلا: «قد فعلت». والضمان غير مرفوع إجماعا؛ لتصريحه تعالى بضمان المخطئ في قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾، إلى قوله: ﴿إِلَى أَهْلِهِ﴾، يعني ضمنه بالدية. قال: ومن قتل مؤمنا خطأ، فتحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلمة إلى أهله، فحصل القاتل خطأ، ومع ذلك حصل الضمان، وهو الدية. قال: فاتضح أن الإثم مرفوع، وأن الضمان غير مرفوع، فتعين كون المرفوع متعلق الرفع في الحديث كما هو واضح. قال ابن رجب رحمه الله في شرح جامع علوم الحكم: «المرفوع عن الناس والمخطئ هو الإثم، رفع الإثم عنهما؛ لأن الإثم مرتب على المقاصد والنيات، فإذا حصل من الإنسان الخطأ أو النسيان عن غير قصد وعمد، فإنه لا يؤخذ على ذلك، ولا يأثم، فالناس والمخطئ لا قصد لهما، فلا يثم عليهما». قال: «أما رفع الأحكام عنهما فليس مرادا من هذه النصوص، فيحتاج في ثبوتها أو تعينها إلى دليل آخر»، يعني المراد الآن الرفع، يقول: الرفع هنا خاص برفع الإثم، المرفوع هو الإثم. وأما ما يتعلق بالضمان، فهذا بأدلة أخرى يحتاج إلى أدلة أخرى تبينه. نتهي بهذا القدر. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.