كتاب البيوع 18

الدرس في كتاب البيوع 18، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تعريف الأرض الموات وإحياؤها

يُعرّف المقطع الأرض الموات بأنها الأرض التي لا مالك لها ولا اختصاصات، ويوضح كيفية إحيائها بفعل مثل بناء حائط أو حفر بئر. يُشرح أن إحياء الأرض الموات يترتب عليه ملكيتها عدا المعادن الظاهرة.

ملكية المعادن والأراضي الموات

يتناول المقطع مسألة ملكية المعادن الباطنة وهل تملك بملك الأرض أم تكون للإمام، كما يتناول حكم إحياء الأراضي الموات وملكيتها. يُبيّن أن هناك تفصيلا في ملكية المعادن الظاهرة والباطنة.

شروط إحياء وتملك الأرض الموات

يشرح المقطع شروط إحياء الأرض الموات وتملكها، ويبين أن من يقطع أرضا يكون أحق بها إذا أحياها. يُوضح أن الجمهور لا يشترطون إذن ولي الأمر لإحياء الأرض الموات، وأن الإهمال قد يؤدي لفقدان الحق فيها.

أحكام الأرض الميتة وحرية استخدامها

يُبيّن المقطع أن الأرض الميتة مباحة للجميع شرعا ولا يحق للقبائل منع أحد من غير القبيلة من استغلالها. تعتبر الأرض الميتة ملكا للجميع لأنها ليست مملوكة لأحد.

  • 14 جمادى الآخرة 1443هـ - 17/01/2022مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال علامة سعد رحمه الله في كتابه «من الجسالكين» في كتاب البيوع، قال: باب إحياء الموات، قال: وهي الأرض البائرة التي لا يعلم لها مالك، فمن أحياها بحائط أو حفر بئر، أو إجراء ماء إليها، أو منع ما لا تزرع معه، ملكها بجميع ما فيها إلا المعادن الظاهرة، لحديث ابن عمر: «من أحيا أرضا ليست لأحد فهو أحق بها» رواه البخاري. وإذا تحجر مواتا بأن أدار حوله أحجارا، أو حفر بئرا لم يصل إلى مائها، أو أقطع أرضا، فهو أحق بها، ولا يملكها حتى يحييها بما تقدم. هذا الباب باب إحياء الموات، والموات بفتح الميم، ويقال: موات، ويقال: ميتة، ويقال: موتان. هي في اللغة: ما لا روح فيه، ويقال له: موات وميتة. واصطلاحا: قال: هي الأرض البائرة التي لا يعلم لها مالك، أو يقال: هي الأرض المنفكة عن الاختصاصات، وملك معصوم. الأرض المنفكة عن الاختصاصات، يعني المواضع التي تختص بالناس، ويحتاج لها الناس، وتعتبر من مصالحهم العامة، فهذه لا تحيى، مثل مواضع نزول الماء، وكذلك أيضا مواضع القمامات، مثلا، وهكذا أيضا مواضع الرعي والاحتطاب، فهذه من اختصاصات الناس، هذه لا يمكن إحياؤها، فلابد أن تكون منفكة عن الاختصاصات، والأرض المنفكة عن الاختصاصات، وملك معصوم، كذلك أن تكون هذه الأرض لا يملكها أحد، وهذا المعصوم سواء كان مسلما أو كان ذميا على الصحيح. فالأرض التي يملكها إنسان لا يجوز لأحد أن يأتي ويحييها، وإنما تكون الأرض موات إذا لم يكن لها مالك، الأرض المنفكة عن الاختصاصات، أو ملك معصوم، هذه هي الأرض الموات التي يجوز إحياءها. قال: فمن أحياها بحائط، يعني بنى حائطا على هذه الأرض، سواء هذا الحائط يعني من لبن أو من حجر، أو كان بمثلا أعواد النخل، المهم جعلها حائط ساتر. بعضهم يقول: أنه قدر متر ونصف، يعني ما يسمى حائط. فمن أحياها بحائط، أو حفر بئر، حفر بئرا ووصل إلى الماء، لأنها تسمى بئر، إلا إذا وصل إلى الماء، وأما إذا كانت حفر بلا ماء، هل تسمى حفرة؟ ما تسمى بئر. وقوله: حفر بئر، يعني وصل إلى مائها. قال: أو إجراء ماء إليها، إجراء الماء إلى هذه الأرض عن طريق الشروج مثلا، فعل شروج حتى وصل الماء إلى الأرض، أو عن طريق المشروع، أوصل لها ماء عن طريق المشروع. قال: أو منع ما لا تزرع معه، الأشياء التي لا تصلح للأرض للزراعة، فأبعدها، كالأحجار مثلا، أو وجود أشجار، يعني لا يصلح معها الزرع، فأبعد هذه الأشجار حتى جعلها صالحة للزراعة. قال: ملكها بجميع ما فيها، يعني إذا أحياها بهذه الأمور، أو كذلك أيضا بما جرت العادة والعرف أنه من إحياء الأرض، هذه كأمثلة وليس هي محصورة، بل ما جرى به العرف أنه من إحياء الأرض يعتبر إحياء. قال: ملكها بجميع ما فيها، يعني بجميع ما في هذه الأرض. قال: إلا المعادن الظاهرة، المعادن الظاهرة، قال أهل العلم: كالملح والجص والنورة والكبريت، قالوا: فهذه المعادن الظاهرة لا يملكها، لأنها مما يحتاج لها الناس، وإذا أخذها تضرر الناس بذلك، فهي من مصالح العامة التي يشترك فيها الناس في الانتفاع بها، فلا تملك، بل تكون لعامة الناس. وأما المعادن الباطنة كالذهب والفضة والحديد والرصاص ونحو ذلك، فهذا فيه خلاف بين أهل العلم، هل يملكها بملك الأرض أم لا؟ فمن أهل العلم من يقول: لا يملكها، وإنما تكون للإمام، تكون لولي الأمر. ومنهم من قال: بل يملكها، لأنه ملك الأرض، ومن ملك أرضا ملك الأرض بما فيها، وهذا القول الثاني، والله أعلم بالأظهر. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من اقتطع من الأرض قيد شبر طوقه من سبع أراضي يوم القيامة». هذا أنه إذا أخذ الأرض أخذها وملكها بما تحتها. وأيضا في حديث أبي هريرة في قصة الرجلين الذين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنهما، أنه باع أحدهما أرض الآخر، فوجد المشتري فيها كنزا، فقال البائع: هذا الكنز لك، أنا إنما اشتريت الأرض فقط. وقال الآخر: بل بعت لك الأرض بما فيها. ثم اختصم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «هل لك ما غلام هذا؟» قال: نعم. قال: «لك جاري؟» قال: نعم. قال: «أنكح الغلام الجاري، وأنفق عليهما من هذا الكنز». الشاهد أنه قال: «بعتك الأرض بما فيها». فهذا يدل على أن من ملك أرضا ملكها بما فيها، وما في باطنها، فيكون هذا والله أعلم لمالك الأرض، أي المعادن الباطنة تكون لمالك الأرض. قال: لحديث ابن عمر: «من أحيا أرضا ليست لأحد فهو أحق بها» رواه البخاري. الحديث بهذا اللفظ هو عند أبي داود، وإنما رواه البخاري بلفظ: «من أحيا أرضا ليست لأحد فهي له». ورواه الترمذي: «من أحيا أرضا ميتة فهي له». نعم، فهذا الحديث يدل على أن من أحيا أرضا ليست لأحد، يعني لا يعلم لها مالك، فهو أحق بها. فالانتفاع بها، وإذا أحياها كما سمعنا بما ذكر، أو ما كان مثل ذلك مما جرى به العرف، فإنه يملكها بذلك. أما إذا كانت الأرض لأحد، فلا يملكها. «من أحيا أرضا ليست لأحد» مفهوم المخالفة: أن إن كانت لأحد فلا يملكها بذلك. وليس تتمثل هنا لو أن إنسان أحيا أرضا، أو نقول مثلا معه أرض ملك له، ثم أهملها حتى صارت ميتة، هل يجوز لآخر أن يحييها؟ الجواب: لا، لا يجوز باتفاق أهل العلم، لأن هذه أرض لها مالك، وإن كان أهملها، هي له، هي ملك لإنسان. مسألة أخرى: لو أنه أحياها، كانت أرض موات، فأحياها، ثم أهملها حتى ماتت، هل لآخر أن يحييها؟ الصحيح: أنه لا يجوز، لأنه ليس له ذلك، لأن لها مالك، وإن كان المالك الأول قد أهملها، لكن هي ما زالت في ملكه، فليس لآخر أن يحييها، لأن الله تعالى يقول: «من أحيا أرضا ليست لأحد»، وهذه لها مالك، فليس له أن يحيي أرضا قد ملكها إنسان قبله. قال: وإذا تحجر مواتا بأن أدار حوله أحجارا، موات أرض ميتة ليست لأحد، تحجر مواتا بأن أدار أحجار، ما بنى جدار، لكن وضع أحجار حول هذه الأرض، أو قال: بأن أدار حوله أحجارا، أو حفر بئرا لم يصل إلى مائها، أو أقطع أرضا، يعني من وجهة ولي الأمر، ولي الأمر أقطعه، قال: هذه الأرض لك. وقد أقطع النبي صلى الله عليه وسلم بعض الأراضي، أقطع لوائل بن حجر، وأقطع لبلال بن الحارث العقيق. فإذا أقطع أرضا، قال: فهو أحق بها، هو أحق بها، أحق بهذه الأرض، لكن ما يملكها. قال: ولا يملكها حتى يحييها بما تقدم، يكون أحق بها، فإذا أحياها صارت ملكا له، لكن قبل الإحياء هي ليست ملكا له، لكن هو أحق بها، ليس لأحد أن يأتي ويعتدي عليها، ويقوم بإحيائها إلى آخر ذلك. لكن لو أهملها، أهملها سنوات، فجاء إنسان ووضع يده على هذه الأرض، فهنا قد يكون لهذا الثاني حق فيها، ما دام أن الأول قد أهملها ولم يحيها. ويجعلها أرض ميتة، فالثاني قد يكون له حق. وإذا تخاصم، وما يرجع إلى ولي الأمر، فإما أن يضرب مدة للأول، يقال: هذه الأرض أقطعت لك، وأنت قد أهملتها، فينبع عليك إحياؤها، فلك فترة مثلا سنة تحيي بها هذه الأرض، وإلا أخذت منك. حصل شيء من ذلك في زمن عمر رضي الله عنه، في بعض الأرض أقطعت لبلال بن الحارث، فأراد بعضهم أخذها، فتخاصم إلى عمر، فضرب له ثلاث سنوات، أو قال: أقضى عمر بأن من أقطع له أرضا فله ثلاث سنوات، فإن لم يحيها فإنها تأخذ منه وتعطى لغيره. طبعا هذا عند الخصام والمنازعة، أما إذا لم يوجد منازع، فهي لمن في يده، ولو سنين، إذا ما في منازع، فهو أحق بها، ولو بقيت سنين معه. لكن عند النزاع، فلابد أن تحدد فترة للأول حتى يقوم بإحيائها، فإن لم يحيها أعطيت لغيره. إذا هذه الأشياء: التحجير، حفر بئر لا يصل إلى الماء، هذه لا تملك بذلك الأرض، لا تملك بذلك، وإنما يكون الإنسان أحق بها من غيره. وفي الحديث: «من سبق إلى شيء فهو أحق به»، وهو ضعيف، لكن معناه صحيح. من سبق إلى شيء فهو أحق به، بل جعلها العلماء قاعدة من قواعد الشرعية: أن من سبق إلى مباح فهو أحق به. وهكذا الأرض إذا سبق إليها إنسان، لكن لم يحيها، وإنما كما ذكر وضع أحجار، حفر حفرة، ونحو ذلك، يكون أحق بهذه الأرض من غيره، لكن لا يحييها بذلك، إلا بعد إحيائها بما تقدم، أو ما كان بمعناه مما جرى به العرف. طيب تأتي مسألة: هل يشترط لإحياء الأرض إذن ولي الأمر؟ هل يشترط في إحياء الأرض إذن ولي الأمر؟ الجمهور من أهل العلم: أنه لا يشترط، الجمهور من أهل العلم: أنه لا يشترط، بل الإنسان أن يأتي إلى أرض يعني ميتة، لا يعلم لها مالك، فيحييها، لا حرج عليه في ذلك. نعم، وقلنا إحياء الأرض بما ذكر، وأيضا ما كان يعني مثل ذلك، ما جرى به العرف أنه إحياء للأرض، فيكون إحياء. طيب الأرض التي تكون للقبائل، بعض الأراضي تكون للقبائل، يقال: هذه الأرض من هنا إلى هنا لقبيلة فلانية، وهذه الأرض من هنا إلى هنا القبيلة الفلانية، إلى آخر ذلك، هل هذه يجوز إحياءها؟ هل يجوز إحياء مثل هذه الأرض؟ الصحيح: أنه يجوز إحياءها، لأنها تعتبر أرض موات، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من أحيا أرضا ميتة فهي له». وهذه تعتبر أرض ميتة، فتكون لمن سبق، هذا الأصل، وإن كان ليس من القبيلة، الأصل أنها تعتبر أرض ميتة، فمن سبق إليها فأحياها فهي له. لكن في العرف: القبائل تمنع أن يأتي أحد من غير القبيلة، لكن شرعا له حق، لأنها تعتبر أرض ميتة، ليس لأحد. اللهم صل وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.