مسائل في الصيام 9

الدرس في مسائل في الصيام 9، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أهمية الصلاة أثناء الصيام وخطورة تركها

المحافظة على الصلاة واجبة أثناء الصيام، وتركها يعتبر ذنبًا عظيمًا قد يؤدي إلى الكفر. اختلف العلماء في حكم تارك الصلاة بين كافر أو عاصٍ.

وجوب الصلاة في وقتها وصلاة الجماعة في المساجد

يجب أداء الصلاة في أوقاتها مع الجماعة في المساجد، وهو ما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع الصحابة. يُعد التهاون في ذلك من علامات النفاق.

أدلة وجوب صلاة الجماعة من الأحاديث النبوية

استدل الشيخ بأحاديث نبوية على وجوب صلاة الجماعة، مثل حديث "من سمع النداء فلم يجب". كما هُدد المتخلفون بتحريق بيوتهم وتشبيههم بالمنافقين.

ضرورة الاستجابة للنداء وعدم التهاون في الواجبات

يُشدد على أهمية استجابة المسلم للنداء وعدم التهاون في أداء الواجبات. يُحذر من الوقوع في الذنوب نتيجة عدم الاستجابة ويُطلب التوفيق من الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فهذا مجلسنا التاسع من مجالس مسائل والصيام. كنا قد ذكرنا في المجلسين السابقين شيئًا من آداب الصيام المستحبة، ونذكر في هذا المجلس شيئًا من آداب الصيام الواجبة. وإن من أهم وأوجب هذه الآداب التي يجب على المسلم والصائم أن يحافظ عليها، وأن يعتني بها، هي المحافظة على الصلاة التي هي الركن الثاني من أركان الإسلام، وأعظم أركان هذا الدين بعد الشهادتين. فإنه لا حظ للعبد، أو لا حظ للإنسان في الإسلام إذا لم يكن من المصلين. وقد أجمع أهل العلم على أن من جحد الصلاة وأنكر وجوبها فهو كافر، كفرًا مخرجًا من الملة. يعتبر كافرًا كفرًا مخرجًا من الملة؛ لأنه أنكر أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة. فلا أحد يجهل أن الصلاة واجبة من واجبات الإسلام العظيمة التي أمر الله عز وجل بها، ورسوله عليه الصلاة والسلام. وإن تركها تكاسلًا، يعتقد أنها واجبة، لكنه قد يصلي أحيانًا ويترك أحيانًا، أو لا يصلي، فهذا اختلف فيه أهل العلم. فمنهم من قال بأنه يعتبر عاصيًا، مرتكبًا لكبيرة من كبائر الذنوب، ولا يخرج من الإسلام، وهو قول جمهور أهل العلم. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يعتبر كافرًا، يعتبر كافرا خارجًا عن دين الإسلام. واستدلوا بأدلة كثيرة تدل على ذلك. منها قول الله عز وجل: ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾، فأخبر الله عز وجل أن هؤلاء الكافرين الذين أمر الله عز وجل بقتالهم، وأمر بإدخالهم في هذا الدين، أنهم إن أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، فهم إخوة لنا في الدين. مفهوم الآية أنهم إن لم يتوبوا، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فليسوا بإخوة لنا في الدين، والذي ليس بأخ لك في الدين هو الكافر. وهكذا قال الله عز وجل في الآية الأخرى: ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾. وهكذا أيضًا أخبر الله عز وجل عن الكافرين أن من أسباب دخولهم في النار أنهم كانوا لا يصلون. قال جل وعلا: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾. فأخبر الله عز وجل عنهم أن من أسباب دخولهم النار أنهم لم يكونوا من المصلين، ما كانوا يصلون، وما كانوا يتعبدون الله عز وجل بهذه العبادة العظيمة، فكان ذلك موجبًا لهم لدخول النار. وهكذا أيضًا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «بين الرجل وبين الشرك أو الكفر ترك الصلاة»، رواه مسلم من حديث جابر رضي الله تعالى عنه. جعل النبي عليه الصلاة والسلام الفاصل بين المسلم والكافر هو ترك الصلاة. وجاء في حديث بريدة عند الترمذي وغيره، قال عليه الصلاة والسلام: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر»، أي من ترك الصلاة ولم يصل فقد وقع في الكفر. وفي أثر عبد الله بن الشقيق رحمه الله قال: «كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة»، رواه الترمذي وغيره. كان لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة. فهذا قول جماعة كثر من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم على كفر تارك الصلاة. إذن هذا الأمر أمر خطير، وذنب عظيم ينبغي للمسلم أن يحذره، وأن يتنبه له. فتجد بعض الصائمين ربما يصومه ولا يصلي، يصوم وهو لا يصلي. هذا على هذا القول الذي سمعنا بكفر تارك الصلاة، صومه باطل، صومه باطل لا يقبل منه؛ لأن الله عز وجل قال عن الكافرين: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، يعني أن الكفر مانع من قبول أعمالهم من نفقات وصدقات. وهكذا أيضًا كذلك لا تقبل الصلوات ممن لا يصلي. فتجد بعض الصائمين ربما يسهر في الليل، ثم إذا قرب وقت الفجر نام، ولا يستيقظ إلا في النهار، أو ربما في الظهر، فتضيع عليه صلاة الفجر، وربما ينام كذلك في الظهر، وتضيع عليه صلاة الظهر، ويقول: إنه صائم، يعتبر نفسه صائمًا. هذا على خطر عظيم. يجب على المسلم أن يحافظ على هذه الصلاة، لا يضيعها، يؤديها في أوقاتها. إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا. إذا تركها الإنسان حتى خرج وقتها، وهو ذاكر عالم، ما يقبل منه أن يقضيها في القول الصحيح من أقوال أهل العلم. ما يقول: أنا سأصلي وأقضي هذه الصلاة، ما ينفع القضاء إذا تركها حتى خرج وقتها من غير عذر. ما ينفعه أن يقضيها. عليه أن يتوب توبة نصوحة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، متفق عليه من حديث عائشة. وتأخير الصلاة عن وقتها الذي حدده الشرع ليس من عمل النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون مردودًا عليه، غير مقبول منه. إذا الواجب أن يحافظ على هذه الصلوات، ويؤديها في أوقاتها، ولا يتركها حتى يخرج وقتها من غير عذر كالنساء أو نوم. قد يقول قائل: النوم من الأعذار، هذا نائم. نقول: النوم الذي لا يتسبب فيه صاحبه إلى ترك الصلاة، هذا الذي يُعذر. الذي يأخذ الأسباب لأجل الاستيقاظ لأداء الصلاة، يأخذ الأسباب، ينام مبكرًا، يجعل له منبهًا عنده نية وعنده عزم على القيام، ثم يغفل، هذا يُعذر. أما أن يجعل ذلك ديدنًا، يأخذ أسباب تضييع الصلاة، يسهر طول الليل، ثم إذا بقي من الفجر نصف ساعة نام، وقال: النوم عذر، لا، هذا ليس بعذر، هذا منك تفريط وتضييع. فينتبه المسلم لهذا الأمر. كذلك أيضًا يأتي الأمر الآخر مما يتعلق أيضًا بأمر الصلاة، وهو أداء هذه الصلاة مع الجماعة. الصلاة واجبة وفرض، وأداؤها مع الجماعة كذلك واجب من الواجبات. يجب أن تؤدى هذه الصلاة في بيوت الله مع المسلمين. فصلاة الجماعة واجبة على القول الصحيح، لدلالة الكتاب والسنة على ذلك، ونقل بعض أهل العلم إجماع الصحابة على وجوب صلاة الجماعة. فالله عز وجل يقول: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، أمر الله عز وجل أن يركع المسلم مع الراكعين. أين يركع الراكعون؟ في بيوتهم أو في بيوت الله؟ في بيوت الله، في المساجد. إذن يجب عليك أن تركع مع الراكعين في بيوت الله. وهكذا أيضًا أمر ربنا جل وعلا في صلاة الخوف أن تصلى جماعة، أن تصلى جماعة، كما قال عز وجل: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾، إلى آخر الآية. أمر الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام أن يصلي بأصحابه صلاة الخوف جماعة، مع وجود الخوف من الأعداء أن يهجموا عليهم، أن يقدروا بهم، ومع ذلك أمره أن يصلي بهم جماعة. فكيف في حال الأمن وعدم الخوف؟ فلا شك أن إقامة صلاة الجماعة من باب أولى. وهكذا أيضًا ما جاء في السنة في أحاديث كثيرة تدل على وجوب صلاة الجماعة. ومنها حديث الرجل الأعمى الذي استأذن النبي عليه الصلاة والسلام أن يصلي في بيته. قال: «يا رسول الله، إني رجل أعمى، وليس لي قائد يقودني». قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «أتسمع النداء؟» قال: نعم. قال: «فأجب»، تسمع «حي على الصلاة، حي على الفلاح»، قال: نعم. قال: «أجب»، ما لك عذر. مع أنه أعمى ويحتاج إلى من يقوده ويأخذ بيده، ولم يعذره النبي عليه الصلاة والسلام. فكيف بالمبصر الصحيح المتعافى الذي ما عنده مرض ولا عنده سقم، وهو يسمع النداء ثم لا يجيب؟ وفي حديث أبي هريرة أو حديث ابن عباس في السنن، قال عليه الصلاة والسلام: «من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر»، من سمع النداء فلم يجب، أي لم يجب نداء هذا المنادي، فلا صلاة له. بعض أهل العلم حمله على ظاهره، قال: ليس له صلاة إذا ما صلى مع الجماعة، فصلاته باطلة، إلا أن يكون له عذر من مرض أو سفر أو نحو ذلك من الأعذار الشرعية. وإن كان جمهور أهل العلم على أن المعنى: لا صلاة له كاملة، فصلاته ناقصة إن صلى وحده من غير عذر، فصلاته ناقصة. وهذا هو الصحيح. وهكذا أيضًا هم النبي عليه الصلاة والسلام على تحريق بيوت المتخلفين عن صلاة الجماعة، كما في الصحيح عن أبي هريرة: «لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم أنطلق إلى أقوام يتخلفون عن الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار». هل يهم النبي عليه الصلاة والسلام على مثل هذا الأمر على شيء مستحب أنهم تركوا شيء مستحب ليس بواجب؟ يهم أن يحرق بيوتهم لتخلفهم عن صلاة الجماعة، هذا يدل على أن صلاة الجماعة واجبة، أنها واجبة. وهكذا أيضًا كذلك حكم النبي عليه الصلاة والسلام على المتخلف عن صلاة الجماعة بالنفاق. جاء في حديث ابن مسعود رضي الله عنه في صحيح مسلم، أنه قال: «ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق»، أي عن صلاة الجماعة. وإن كان الرجل ليهادى به بين الرجلين -يعني يحمل على أكتاف رجلين- حتى يذهب إلى المسجد ليصلي الصلاة في جماعة. قال: «يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف». هكذا يقول ابن مسعود رضي الله عنه. يقول: «إن من سنن الهدى الصلاة في المسجد، وإنكم إن تركتم ذلك تركتم سنة نبيكم، وإن تركتم سنة نبيكم لضللتم». ثم قالوا: «ما رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق». هذه من صفات المنافقين التخلف عن صلاة الجماعة. لو كانت مستحبة وليست بواجب، ما كان المتخلف محكومًا عليه بالنفاق، إلا أنه ترك شيئًا واجبًا. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في حديث أبي هريرة في الصحيحين: «أثقل صلاة على المنافقين صلاة الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا»، يعني ما فيهما من الأجر والثواب، لأتوا يحبون على ركبهم حتى يشهدون هذه الصلاة مع المسلمين. وفي حديث أبي سعيد الصحيح، قال: «ولو يجد أحدهم مرمرتين حسنتين لشهد العشاء»، يعني هذا في حق المنافقين، لو كان هناك عشوة ولحم في صلاة العشاء وبعد صلاة العشاء أو قبلها، لحضر، لحضر من أجل متاع الدنيا. وهكذا أيضًا جاء في مصنف ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمر، قال: «كنا إذا فقدنا الرجل في صلاة الفجر وصلاة العشاء، اتهمناه بالنفاق»، اتهمناه بالنفاق. فهذه الأدلة وغيرها كثير يدل على وجوب صلاة الجماعة، وأنه يجب على المسلم أن يصليها في بيوت الله جل وعلا. ومن قال بغير هذا القول من أهل العلم والفقهاء فقد أخطأوا. من قال بأنها سنة مؤكدة، أو قال بأنها فرض على الكفاية، فقولهم مخالف لهذه الأدلة الصحيحة التي سمعناها. بل هي فرض على الأعيان، يجب على كل مسلم بعينه ممن تلزمه صلاة الجماعة أن يصليها في بيوت الله، ولا يتخلف عنها إلا لعذر. إلا لعذر، إذا كان مريضًا لا يستطيع الخروج، أو يشق عليه الخروج، فهو معذور. لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. أما إن كان صحيحًا ليس عنده شيء من الأعذار، ثم يسمع النداء ويبقى في فراشه نائمًا، أو في لهو ولعب، أو تحت شاشات التلفاز، أو في قيل وقال، أو نحو ذلك من الأمور التي تضيع فيها الأوقات، ولا يستجيب لمنادي الله جل وعلا، فهذا قد وقع في ذنب عظيم، ترك واجبًا، يستحق بذلك الإثم. وهذا مما ينقص أجر الصيام. أنت صائم، والصائم لا بد أن يحافظ على الواجبات، وأن يترك المحرمات. فكونك تسمع المنادي ثم لا تجيب، وأنت لا عذر لك في ذلك، فقد وقعت في ذنب، وفي إثم ينقص عليك أجر الصيام. فينتبه المسلم والصائم لمثل هذا الأمر العظيم، أن لا يتساهل فيه، وأن لا يتهاون في أدائه كما أمر الله جل وعلا ورسوله عليه الصلاة والسلام. أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لطاعته، وأن يعيننا جل وعلا على المحافظة على الواجبات، ويوفقنا لترك المعاصي والمحرمات. إن ولي ذلك والقادر عليه. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.