الدرس في كتاب الإيمان 13، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
قدم وفد عبد القيس على النبي صلى الله عليه وسلم وتلقوا منه وصية بالإيمان والعبادات وأحكام الشرع. تضمنت الوصية أمراً بأربع ونهياً عن أربع.
سأل وفد عبد القيس النبي صلى الله عليه وسلم عن الأشربة والآنية التي يجوز لهم استخدامها، فنهاهم عن بعض الآنية وأمرهم باستخدام أسقية الأدم.
يتناول المقطع أهمية الحلم والأناة كأخلاق فاضلة يحبها الله، ويشرح كيف يمكن اكتساب هذه الأخلاق لتحسين النفس.
يتحدث المقطع عن أهمية اكتساب الأخلاق الحسنة والتخلق بها حتى يصبح الإنسان من أهلها، ويشير إلى أن الأخلاق يمكن اكتسابها بالتعلم والممارسة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري رحمه الله في صحيحه، في كتاب الإيمان: حدثنا يحيى بن أيوب، وهو المقابري أبو زكريا البغدادي، روى عنه مسلم وأبو داود، قال: حدثنا ابن عليا -واسمه إسماعيل بن إبراهيم- قال: حدثنا سعيد بن أبي عروبة، واسمه مهران العدوي أبو النظر البصري، وهو من أثبت الناس في قتادة، وكذلك هشام الدستوائي، قال عن قتادة -وهو ابن دعامة أبو الخطاب السدوسي، ولد أكمه، يعني أعمى- ومع ذلك ما منعه العمى من طلب العلم ومن التفقه في الدين، بل طلب العلم حتى صار عالما وحافظا من حفاظ الحديث. قال: حدثنا من لقي الوفد الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من عبد القيس، قال سعيد: وذكر قتادة أبا نظرة عن أبي سعيد الخدري -وسعد بن مالك بن سنان، وأبو نظرة المنذر بن مالك- قال: في حديثي هذا أن أناسا من عبد القيس قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا نبي الله، إنا حي من ربيعة، وبيننا وبينك كفار مضر، ولا نقدر عليك إلا في أشهر الحرم، نقدر عليك بمعنى أن نأتيك، كما في الروايات الأخرى، فمرنا بأمر نأمر به من وراءنا وندخل به الجنة إذا نحن أخذنا به. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع، أعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا رمضان، وأعطوا الخمس من الغنائم، وأنهاكم عن أربع: عن الدباء، والحنتم، والمزفت، والنقير». قالوا: يا نبي الله، وما علمك بالنقير؟ قال: «بلى، جذع تنقرونه، فتقذفون فيه من القطيعاء». قال سعيد: أو قال: من التمر، والقطيعاء نوع من التمر، نوع من التمر الصغير. قال: ثم تصبون فيه من الماء حتى إذا سكن غليانه شربتموه، حتى إن أحدكم أو إن أحدهم ليضرب ابن عمه بالسيف. قال: وفي القوم رجل أصابته جراحة كذلك. قال: وكنت أخبئها حياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: ففيما نشرب يا رسول الله؟ قال: «في أسقية الأدم التي يلاث على أفواهها». قال: يا رسول الله، إن أرضنا كثيرة الجرذان، ولا تبقى بها أسقية الأدم، أو الأدم -بفتح الهمزة- غدال، ولا تبقى بها أسقية الأدم. فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «وإن أكلتها الجرذان، وإن أكلتها الجرذان، وإن أكلتها الجرذان». قال: وقال نبي الله صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس: «إن فيك لخصلتين يحبهم الله: الحلم والأناة». وفي رواية أخرى، قال: حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار -واسمه محمد بن بشار، يلقب ببندار- قال: حدثنا ابن أبي عدي عن سعيد عن قتادة، قال: حدثني غير واحد لقي ذاك الوفد، وذكر أبا نظرة عن أبي سعيد الخدري، أن وفد عبد القيس لما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسعيد من أبي عروبة، ولم يقلوا بمثل حديث ابن علية، غير أن فيه: وتذيفون فيه من القطيعاء أو التمر والماء، ولم يقل: قال سعيد، أو قال: من التمر. قال: وحدثني محمد بن بكار -وهو من الزبير العيشي الصيرفي- قال: ومحمد بن بكار روى عنه مسلم وأبو داود، وهناك أربع آخرون يقال لهم محمد بن بكار، ذكرهم الحافظ في التقريب. قال: حدثنا أبو عاصم -وهو الضحاك بن مخلد، يقال له أبو عاصم النبيل- عن ابن جريج -وهو عبد الملك بن عبد العزيز، وهو ثقة إلا أنه مدلس، فلا يقبل حديثه إلا إذا صرح بالتحديث- قال: أخبرني أبو قزعة -وهو سويد بن حجير- أن أبا نظرة أخبره، وحسان بن عطية أخبرهما أن أبا سعيد الخدري أخبره أن وفد عبد القيس لما أتوا نبي الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: يا نبي الله، جعلنا الله فداءك، ماذا يصلح لنا من الأشربة؟ فقال: «لا تشربوا في النقير، ولا في الدباء، ولا في الحنتمة، وعليكم بالموكا». قوله: جعلنا الله فداءك، معنى جعلنا الله فداءك، يعني نفديك، ويقيك الله عز وجل بنا المكاره، فيصيبنا ما يكره، ولا يصيبك. وقوله: وعليكم بالموكا، بالموكا، بمعنى ما يربط ويعصب، والمراد بذلك أسقية الأدم، كما مر معنا في حديث أبي سعيد السابق، يعني عليكم بالانتباذ في الأسقية التي تربط ويغلق على أفواهها. وفيه كما مر معنا، أو زيادة على ما تقدم، وفادة الرؤساء والأشراف على أهل الفضل وأهل العلم، أو كذلك أيضا على الأمراء، فيقدمون إليهم ويسألون عما ينتفعون به في أمور دينهم أو دنياهم، كما حصل في هذا الوفد الذي قدم على النبي عليه الصلاة والسلام، وسألوه عن أمر يعملون به ويدخلون به الجنة، ويقتدون به من خلفهم. فأمرهم النبي عليه الصلاة والسلام بأعظم الفرائض والواجبات، وهي أركان الإسلام من الشهادتين والصلاة والصيام والزكاة، ولم يذكر الحج لعله لم يكن فرض في ذلك الوقت، أو لكونه كان نعم قبل أن يفرض، الله أعلم. وأشار الإمام النووي رحمه الله إلى هذا، لم يذكر الحج لأنه لم يفرض بعد. وفيه أيضا كما مر معنا أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى في أول الأمر عن الانتباذ في بعض الآنية كالحنتم والنقير والمزفت، وقال له المطير بسرعة الإسكار، سرعة انتقال النبي فيها إلى أن يصير مسكرا، فنهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الانتباذ فيها، وأمرهم بأن ينتبذوا في الأسقية التي تربط أفواهها، وهي أسقية الأدم التي تصنع من الجلد. ومر معنا كما علمنا أن هذا الحكم قد نسخ، وأجاز النبي عليه الصلاة والسلام استعمالها، ونهى عن شرب ما أسكر. كذلك أيضا فيه أن من الأخلاق الحسنة الصفات الحميدة التي يحبها الله جل وعلا الحلم والأناة، قد مدح النبي عليه الصلاة والسلام الأشج عبد القيس بما أتاه الله عز وجل من هاتين الصفتين، قال: «إن فيك لخلقين يحبهم الله، أو لخصلتين يحبهم الله: الحلم والأناة». في بعض الروايات قال: يا رسول الله، أخلقين اكتسبتهما أو جبلت عليهما؟ قال: «بل جبلت عليهما». قال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهم الله ورسوله. وهذا في بيان أن هذين الخلقين ربما تكون جبلة في الإنسان، يعني من طبعه أنه على هذا الخلق، عنده حلم وعنده أناة، عنده حلم عقل ورزانة وحسن تصرف، والأناة التأني وعدم العجلة والتسرع، قد يكون هذا جبلة في الإنسان، وقد يكون مكتسبا. ولهذا قال: أجبلت عليهما أو اكتسبتهما؟ فمعنى هذا أنه ربما يكتسبها الإنسان، كيف يكتسبها؟ يكون مثلا من طبعه التسرع والعجلة، فيحاول أنه يتأنى في الأمور، إذا أراد أن يستعجل يمسك نفسه ويرجع ويصبر ويتأنى، فمع استمراره على هذا الأمر ومحاولته التخلق بهذا الخلق يصبح هذا الخلق سجية له، يصبح سجية له بمعنى أنه يصير في سائر أحواله متأني، في سائر أحواله متأني، فلا يكون عنده الاستعجال. كذلك أيضا في الحلم، إذا كان سريع الغضب والانتقام مثلا ممن أخطأ عليه أو أساء إليه، فإنه يكتسب هذا الخلق، يمسك على نفسه، يحاول أن يكتم غضبه، وهكذا حتى يصبح هذا الخلق من أخلاقه. وبهذا نعلم أن هذه الأخلاق الفاضلة منها ما تكون جبلة في الإنسان، ومنها ما يكتسب، والإنسان يحرص على اكتساب الأخلاق الفاضلة، يرى مثلا عنده شيء ونقص في أخلاقه، يحاول أن يكتسب الأخلاق الحسنة، ويصلح من حاله ومن نفسه ومن أخلاقه، سواء كان في خلق الشجاعة أو الكرم أو الحلم أو الأناة أو التواضع أو غير ذلك من الأخلاق الفاضلة، يحاول أن يكتسبها ويتخلق بها حتى يصير من أهلها.