الدرس في كتاب الإيمان 43، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تكفير المسلم لأخيه المسلم، وتحريم التكفير بغير حق يعود على القائل. هذا يدل على خطورة التكفير بغير حق واعتباره من السب والشتم.
يتناول التحريم النبوي للانتساب لغير الأب، موضحًا أن من انتسب لغير أبيه وهو يعلم فهو كفر، وأن ادعاء ما ليس للإنسان يعتبر من كبائر الذنوب.
الكفر دون كفر هو الأصل، ولا يخرج من الملة إلا إذا كان على جهة الاستحلال، ومن لم يستحل فهو كفر دون كفر، وهذا التفصيل يبين الفرق بين الكفر المخرج من الملة وغير المخرج.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام دار الهجرة مالك بن أنس، رحمه الله تعالى، في موطئه، في كتاب الإيمان، حدثنا عبد الله بن يزيد، أبو عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ فَهُوَ كُفْرٌ». قال إمام مصر بن الحجاج أبو الحسين مسلم، رحمه الله تعالى، في صحيحه، في كتاب الإيمان، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، واسمه عبد الله بن محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن بشر وعبد الله بن نمير، قال: حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما». قال: وحدثني يحيى بن يحيى التميمي، ويحيى بن أيوب، وقتيبة بن سعيد، وعلي بن حجر، جميعًا عن إسماعيل بن جعفر، قال: عن إسماعيل بن جعفر، وهو ابن أبي كثير، قال يحيى بن يحيى: أخبرنا إسماعيل بن جعفر. وهذا مما امتاز به الإمام مسلم، رحمه الله، في صحيحه، التمييز بالألفاظ، ألفاظ الرواية والتحديث، والتفريق بين التحديث والإخبار، بين حدثنا وأخبرنا. فتجده يذكر مثلًا اثنين، فيقول: قال فلان حدثنا، وقال فلان أخبرنا. وذلك أنه يفرق، رحمه الله، بين أخبرنا وحدثنا، بخلاف الإمام البخاري، فربما أطلق هذا على هذا، واستعمل لفظ التحديث على الجميع. والإمام مسلم يفرق، فأخبرنا فيما قرئ على الشيخ، والتلميذ يسمع، وحدثنا فيما رواه الشيخ وأملى على التلميذ، فيقال فيه: حدثنا. قال: عن عبد الله بن دينار، أنه سمع ابن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما رجل قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال، وإلا رجعت عليه». هذا الآن الحديث. قال نبي عليه الصلاة والسلام: «إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما». إذا كفر الرجل أخاه، يعني قال لأخيه: يا كافر، قال له: يا كافر، أو أنت كافر، أو أنت كفرت. قال: «إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما»، يعني باء بالكفر أحدهما، الرامي أو المرمي، إن كان المرمي كذلك، هو كافر فعلًا، باء بالكفر، وإن لم يكن كذلك، وإن لم يكن كذلك، لم يكن كافرًا، ورماه هذا بالكفر، فقول: «فقد باء بها أحدهما»، سيبوء الرامي بالكفر. في الرواية الأخرى: «أيما رجل قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال»، يعني هو كافر فعلًا، وقع الكفر في محله، «وإلا رجعت عليه»، أي رجع الكفر على هذا الرامي الذي رمى أخاه بالكفر. فهذا فيه تحريم تكفير المسلم لأخيه، أن يقول له: يا كافر، أن يقول له: يا كافر، لأن الكافر كما هو معلوم الخارج عن دين الإسلام. وإن كان الكفر يطلق ويراد به الكفر الأصغر، ككفر النعمة، وكفر العشيرة، ونحو ذلك من الكفر الأصغر، لكن لا يجوز إطلاق هذا اللفظ للمسلم، لأن الكفر ينافي الإسلام، والأصل في المسلم السلامة. فإذا قال له ذلك، فهذا يعتبر من التنقص، ومن الشتم، ومن السب الذي لا يجوز أن يقوله المسلم لأخيه. فإن قال ذلك، قال لأخيه: يا كافر، إن كان كما قال، يعني هو كافر مثلًا، قال هذا اليهودي أو نصراني، هذا لا إشكال فيه أن الكفر واقع عليه ويستحقه. أما إن كان مسلمًا، ووقع في شيء من الكفر الذي يستحق به هذا اللفظ مثلًا، فهو كما قال. وإن لم يكن كذلك، إن لم يكن كذلك، فهذا رجع الكفر على القائل. ورجع الكفر على القائل، والمعنى هذا أن القائل كفر بقوله لأخيه: يا كافر، وخرج عن دائرة الإسلام. الجواب: لا، ليس المراد ذلك، لأن من عقيدة أهل السنة والجماعة أن المسلم لا يكفر بفعل الذنب والمعصية، لا يكفر بفعل الذنب والمعصية، إن لم يكن مستحلًا لها. ولهذا وجه العلماء هذا الحديث بتوجيهات، ذكر الإمام النووي، رحمه الله، عدة منها: منها على أن هذا على جهة الاستحلال، استحلال التكفير المسلم، فإنه استحل ذلك كفر. ومنها أن المراد بقوله: «فقد باء بها أحدهما»، يعني باء بهذا الذنب والمعصية، قد تقول به إلى الكفر، لأن المعاصي بريد الكفر، المعاصي بريد الكفر. ومنها أيضًا أنه يرجع عليه التكفير، يرجع عليه التكفير، كأنه كفر نفسه. ومنها أيضًا أن هذا محمول على الخوارج، أن هذا محمول على الخوارج المكفرين للمؤمنين، فهم يكفرون من لا يستحق الكفر، فيرجع الكفر عليهم. قال: وحدثني سهير بن حرب، أبو خيثمة، قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا حسين المعلم، عن ابن بريدة، وعبد الله، عن يحيى بن يعمر، أن أبا الأسود، وهو الدؤلي، واسمه ظالم بن عمرو، وهو المشهور أنه أول من وضع علم قواعد النحو، علم النحو، بأمر علي بن أبي طالب، رضي الله عنه. قال: حدثه عن أبي ذر، هو جندب بن جنادة، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادعى ما ليس له فليس منا، ومن دعا رجلًا بالكفر، أو قال: عدو الله، وليس كذلك، إلا حار عليه». قال: وحدثني هارون بن سعيد الأيلي، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمر، عن جعفر بن ربيعة، عن عراك بن مالك، أنه سمع أبا هريرة يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا ترغبوا عن آبائكم، فمن رغب عن أبيه فهو كفر». قال: وحدثني عمر الناقد، قال: حدثنا هشيم بن بشير، قال: أخبرنا خالد، عن أبي عثمان، وهو النهدي، عبد الرحمن بن مل، قال: لما الدعي زياد، لقيت أبا بكرة، فقلت له: ما هذا الذي صنعتم؟ إني سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: سمع أذناي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «من ادعى أبا في الإسلام غير أبيه، يعلم أنه غير أبيه، فالجنة عليه حرام». قال أبو بكرة: وأنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذه الأحاديث، حديث أبي هريرة، وأبي بكرة، فيها ذكر جملة من المحرمات التي يطلق عليها لفظ الكفر. في حديث أبي ذر، أنه سمع النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر». ادعى لغير أبيه، يعني انتسب إلى غير أبيه، انتسب إلى غير أبيه، سواء كان الأب الأقرب أو الأب الأبعد، كالجد أو الجد الجد. فإذا انتسب إلى غير أبيه، فقد وقع في الكفر، والمراد بالكفر هنا ليس الكفر الأكبر، إلا إذا كان مستحلًا، هو يعلم حرم ذلك. هنا يكفر كفرًا أكبر. وأما إن كان غير مستحل، فهو المراد بالكفر هو كفر أصغر، كفر يعني كفر النعمة، وكفر العشرة والإحسان، أن ينتسب إلى غير أبيه، فيكون هذا ذنب كبيرة من كبائر الذنوب، أن ينتسب الرجل إلى غير أبيه، وهو يعلم أباه، يعلم أباه، ثم ينتسب إلى غيره، فهذا لا يجوز. في حديث أبي هريرة: «لا ترغبوا عن آبائكم، فمن رغب عن أبيه فهو كفر». هذا نهي عن الرغبة والانتساب لغير الأب. لا ترغبوا عن آبائكم، فمن رغب عن أبيه فهو كفر. وهذا قد يقع فيه بعض المسلمين من أجل أمر دنيوي، من أجل أمر دنيوي، ينتسب إلى غير أبيه، ينتسب إلى غير أبيه، بعضهم يريد الجنسية، فتجده ينتسب لغير أبيه، فيزور في جوازه أنه ابن فلان ابن فلان، حتى تخرج له الجنسية، هذا وقع في هذا الذنب، في هذا الذنب العظيم، وانتسب إلى غير أبيه. قال: «ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه». هذا القيد يخرج به الجاهل الذي جهل أباه، فانتسب إلى غيره، وما يعلم هل هذا يعني هو غير أبيه أو لا؟ فهذا معذور، لأن القيد هنا حصول العلم، وهو يعلمه. «ومن ادعى ما ليس له فليس منا، ومن ادعى ما ليس له فليس منا، وليتبوأ مقعده من النار». من ادعى ما ليس له، يعني ادعى مالًا أو ادعى أرضًا أو حقًا من الحقوق، ادعى أنه له وأنه هو المالك له والمستحق له. ومن ادعى ما ليس له، وهو الحقيقة ليس له، ليس له، فليس منا، يعني ليس على هدي منا وطريقتنا، وليتبوأ مقعده من النار، هذا وعيد، أن من فعل ذلك أنه من أهل النار، وله مقعد من النار، وهذا دل على أن هذا الأمر كبير من كبائر الذنوب، أن يدعي ما ليس له. ربما يدعي ويأتي بشهود زور، يشهدون أن هذا له وليس له، ويقضي القاضي بما ظهر، يقضي بما ظهر، إذا اشتكى اثنان، ادعى مدع على المدعى عليه بأن هذا له، سيقول القاضي: هات البينة، البينة على المدعي، سيقول: عندي شهود، فيأتي بشاهدين يشهدان زورًا أن هذا له، فماذا سيفعل القاضي؟ سيقضي بما ظهر، بأنه له، بأنه أتى بالبينة. هل هذا يحل له أن يأخذ هذا الشيء ويكون له حلالًا؟ الجواب: لا، حكم الحاكم وقضاء القاضي لا يحل الحرام، ولا يحرم الحلال، فيبقى الشيء على أصله، على حكم وحقيقته، وإن حكم الحاكم بخلافه، ويحكم بالظاهر. كما سلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له بنحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه، فإنما أقضي له قطعة من النار»، يعني من قضيت له فيما ظهر لي، وكان الأمر في الباطن على خلاف ذلك، فإنه لا يأخذ شيئًا حلالًا له، يأخذ ماذا؟ شيئًا حرامًا، سيعاقب عليه يوم القيامة. وهكذا أيضًا في قول عليه الصلاة والسلام: «ومن ادعى ما ليس له فليس منا، وليتبوأ مقعده من النار»، هذا مجرد دعوى، مجرد يدعي أن هذا المال له أو أن هذه الأرض له، وليست له، فكيف إذا أخذها؟ هو أشد إثمًا، أشد إثمًا. قال: «ومن دعا رجلًا بالكفر، أو قال: عدو الله، وليس كذلك، إلا حار عليه». حار عليه، يعني رجع عليه، رجع عليه الكفر، ورجع عليه ماذا؟ قوله: عدو الله، سيكون هو العدو لله، كما مر معنا في الحديث الأول، حديث ابن عمر. إذن هذا الحديث فيه ثلاث جمل، وثلاث أحكام. من ادعى إلى غير أبيه، تحريم الادعاء إلى غير الأب، أن من فعل ذلك وهو يعلم، إما يعلم تحريمه أو يعلم أباه وانتسب إلى غيره، فهو كافر. ومن ادعى ما ليس له فليس منا، وليتبوأ مقعده من النار، تحريم الادعاء بأمر ليس له. والأمر الثالث: من كفر أخاه أو قال: عدو الله، وليس كذلك، إلا حار عليه، أي رجع عليه التكفير. وهذا السب الذي قاله، ها نعم، كفر دون كفر، كله نعم، هذا الأصل كفر دون كفر، ليس كفر مخرج من الملة، إلا إذا كان على جهة الاستحلال، أما إن لم يكن مستحلًا، فهو كفر دون كفر. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.