الدرس في كتاب الصيام 37، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يروي الحديث أن عبدالله بن عمرو بن العاص عزم على صيام الدهر وقيام الليل، فنهاه النبي ﷺ عن ذلك وأرشده إلى الصيام ثلاثة أيام في الشهر، ثم يوماً ويفطر يومين، ثم صيام يوم وإفطار يوم (صيام داود) باعتباره أعدل الصيام. وبين النبي ﷺ أن الإفراط يؤدي إلى الملل والعجز عن الاستمرار، فخير الأعمال أدومها وإن قل.
أرشد النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمرو إلى الاعتدال في العبادة، فبدأ بصيام ثلاثة أيام في الشهر ثم صيام يوم وإفطار يوم (صيام داود) كأعدل الصيام، وعندما كبر سنه وجد مشقة في ذلك فندم على عدم التزامه بالرخصة الأولى. يؤكد المقطع أن القليل من العمل مع المداومة أحب إلى الله من الكثير المنقطع، ويناقش حكم صيام الدهر موضحاً أن الراجح التحريم لقول النبي: «لا صام من صام الأبد».
يذكر القارئ الصلاة والسلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه أجمعين، وهي صيغة دعاء وثناء مشروعة في بداية المجالس والخطب. تُعد هذه الصيغة من السنن المستحبة عند ذكر اسم النبي الشريف.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثني أبو الطاهر، وهو أحمد بن عمرو، قال: سمعت عبد الله بن وهب، وهو المصري، يحدث عن يونس، وهو ابن يزيد، عن ابن شهاب، وهو الزهري. وحدثني حرملة بن يحيى، وهو التوجيبي، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن أن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يقول: «لأقومن الليل، ولأصومن النهار ما عشت». فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنت الذي تقول ذلك؟» فقلت: قد قلته يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإنك لا تستطيع ذلك، فصم وأفطر، ونم وقم، وصم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر». قال: قلت: فإني أطيق أفضل من ذلك. قال: «صم يوماً وأفطر يومين». قال: قلت: فإني أطيق أفضل من ذلك يا رسول الله. قال: «صم يوماً وأفطر يوماً، وذلك صيام داود عليه السلام، وهو أعدل الصيام». قال: قلت: إني أطيق أفضل من ذلك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا أفضل من ذلك». قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «لأن أكون قبلت الثلاثة الأيام التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي من أهلي ومالي». هذا الحديث، حيث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما في شأن عبادته رضي الله عنه وحبه للطاعة والعبادة، وقد ساق الإمام مسلم رحمه الله هذا الحديث بروايات عديدة. وفي هذه الرواية أنه أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه سيقوم الليل ويصوم النهار، يعني سيسرد الصيام فيصوم الدهر ويقوم الليل كل ليلة. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أنت الذي قلت ذلك؟» فقال: قد قلته يا رسول الله. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «فإنك لا تستطيع ذلك»، يعني أن هذا سيشق عليك، ربما تفعل هذا في أول الأيام وفي أول الشهور تجد نشاطاً تجد قوة، ثم تضعف، يأتيك الضعف ويأتيك الكسل ويأتيك الملل، فربما تترك هذه العبادة وهذه الطاعة. فأرشده النبي عليه الصلاة والسلام إلى الاقتصاد في العبادة، وكذلك عدم تكليف النفس ما هو فوق طاقتها وما لا تتحمله. فأوصاه النبي عليه الصلاة والسلام أن يصوم ويفطر، وأن ينام ويقوم، وأن يصوم من الشهر ثلاثة أيام، يصوم ويفطر، لا يكلف نفسه الصيام ويسرد الصيام من غير أن يفطر، بل يصوم ويفطر كما هو هدي النبي عليه الصلاة والسلام، الاقتصاد في العبادة، لا إفراط ولا تفريط، لا غلو ولا إجحاف، فيصوم ويفطر، يصوم أياماً ويفطر أياماً، يصوم أحياناً ويفطر أحياناً. كذلك في الصلاة يقوم وينام، يقوم ما يتيسر من الليل وينام بعض الليل حتى يعطي كل شيء حقه، كما سيأتي في الروايات الأخرى. وأرشده أن يصوم من الشهر ثلاثة أيام ويستمر على هذه العبادة، فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر. الحسنة بعشر أمثالها، فصوم يوم بحسنة، والحسنة بعشر أمثالها، فيعدل صيام اليوم صيام عشرة أيام، فصيام ثلاثة أيام يعدل صيام الشهر، يعدل صيام الشهر في الأجر. فقال عبد الله بن عمرو: إني أطيق أفضل من ذلك، رأى أن هذا قليل، وعندهمه نشاط ورغبة ومحبة للطاعة والعبادة. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «صم يوماً وأفطر يومين». قال: إني أطيق أفضل من ذلك يا رسول الله، يريد أكثر من هذا. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «صم يوماً وأفطر يوماً، وذلك صيام داود عليه السلام، وهو أعدل الصيام»، الصيام يوم وإفطار يوم، فحينئذ يكون قد صام نصف الشهر وأفطر نصفه. قال: قلت: إني أطيق أفضل من ذلك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا أفضل من ذلك»، ليس هناك أفضل من صيام داود، صيام يوم وإفطار يوم. فاستمر عبد الله بن عمرو رضي الله عنه على هذا الصيام، صيام يوم وإفطار يوم. وسياتي أيضاً ما يتعلق بقراءة القرآن، لما كبر شق عليه ذلك، شق عليه لكبر السن، ما يتحمل الصيام الكثير والقيام الكثير، فلما كبر رضي الله عنه تعب وشق عليه صيام يوم وإفطار يوم، حتى إنه كان في بعض الأحيان يسرد الصيام فيصوم خمسة عشر يوماً ويفطر خمسة عشر يوماً، ثم ندم، تمنى أنه لو أخذ بنصيحة النبي عليه الصلاة والسلام. وهنا قال: «لأن أكون قبلت الثلاثة الأيام التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي من أهلي ومالي». يقول: لئن قبلت ما أوصاني به النبي عليه الصلاة والسلام من صيام ثلاثة أيام من كل شهر، لكان هذا أحب إلي. لماذا؟ لأنه وجد مشقة، وقد كلف نفسه شيئاً ربما فوق طاقته، فعمل قليل مع مداومة واستمرار هذا أحب إلى الله جل وعلا. لهذا أرشده النبي عليه الصلاة والسلام في أول الأمر إلى ذلك، لكنه رضي الله عنه أراد الزيادة في الخير والزيادة في الطاعة، فكان بعد ذلك يتمنى أن لو أخذ بنصيحة النبي عليه الصلاة والسلام. فهذا يدل على أن الاقتصاد في العبادة هو الأفضل، أن الإنسان أو أن المسلم يقتصر على القليل من العبادة مع المداومة والاستمرار، خير من الكثير الذي قد يؤدي بعد ذلك إلى الترك والانقطاع. فكون يصوم ثلاثة أيام من كل شهر هذا أمر حسن طيب، مع القيام ببقية الحقوق التي عليه، حق الأهل والأولاد، وحق الله سبحانه وتعالى في الطاعة والعبادة والفرائض والواجبات، فهذا أحب إلى الله من كوني مثلاً ألزم نفسي بصيام يوم وإفطار يوم، ثم بعد ذلك يصيبه الضعف والعجز إلى آخره. وهكذا أيضاً في باب قيام الليل، يقوم بعض الليل وينام البعض الآخر. وهكذا في قراءة القرآن، يقرأ ما يتيسر، يجعل له ورداً يستمر عليه، لو كان قليلاً، إذا كان يستطيع أن يقرأ في اليوم نصف جزء مثلاً ويستمر، هذا أمر طيب، من أن يقرأ جزئين أو ثلاثة أجزاء ثم يترك بالكلية. فعمل قليل مع الاستمرار فهو أحب إلى الله، أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل. ونهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يصوم الدهر، وقال: «لا أفضل من ذلك»، أي أفضل من صيام داود. واستدل به أهل العلم على النهي عن صيام الدهر، وذهب إلى تحريمه الظاهرية، وهو ظاهر هذه الأحاديث. والجمهور على جواز صيام الدهر إذا كان سيفطر الأيام التي لا يجوز صومها، كأيام العيد، يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق، وهكذا إذا كان لا يضعفه صيام الدهر عما أوجب الله سبحانه وتعالى عليه من الواجبات والفرائض. لكن ظاهر هذه الأحاديث، هذه الرواية وما سيأتي بعدها، أنها تدل على النهي عن صيام الدهر وأنه لا يجوز. ومن ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا صام من صام الأبد»، وغير ذلك من الأحاديث. فالأظهر فيها والله أعلم هو التحريم. صلى الله وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.