شرح رسالة فضل الإسلام 76

شرح رسالة فضل الإسلام 76

الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 76، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مفهوم الغرباء وأهمية إصلاحهم للمجتمع

يشرح الحديث أهمية دور الغرباء في إصلاح المجتمع وإعادة ما أفسده الناس من سنة النبي، ويبين أن مهمتهم تتعدى إصلاح أنفسهم إلى إصلاح غيرهم. يشير إلى أن هذا الإصلاح من المقامات العظيمة التي تدفع العذاب عن المجتمعات.

صور ومجالات الإصلاح في المجتمع

يتناول صور الإصلاح كما وردت في السنة النبوية مثل بث العلم والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. يشدد على أهمية مخالطة الناس بالخير وتحمل أذاهم في سبيل الإصلاح وتطبيق مبدأ التصفية والتربية في مختلف مجالات الحياة.

تطبيق مبدأ التصفية والتربية وعناية الغرباء بأنفسهم ومجتمعاتهم

يشرح مبدأ التصفية والتربية كأساس لدين الله وتطبيقه في مختلف مجالات الحياة. يُناقش أهمية عناية الغرباء بأنفسهم ومجتمعاتهم في إصلاح حياة الناس في العقائد والعبادات والطاعات والأعمال في آخر الزمان.

  • 18 جمادى الآخرة 1442هـ - 31/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وأما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وللترمذي من حديث كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، طوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنة. أورد المؤلف، وهو الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، هذا الحديث بعد ذكره للأحاديث التي سبقت في بيان الغربة وما يتعلق بفضلها. ثم عرج رحمه الله تعالى بذكر أهم صفات الغرباء، فمر معنا في درس أمس ما يتعلق بقوله عليه الصلاة والسلام: "الذين يصلحون إذا فسد الناس". وأورد رحمه الله تعالى هذا الحديث الذي جاء في السنن بقوله عليه الصلاة والسلام: "الذين يصلحون ما أفسد الناس". وقبل الشروع في شرح هذا الحديث، إخواني في الله، نذكر ما ذكره العلماء رحمهم الله تعالى من حيث الإسناد. فهذا الحديث مداره على كثير بن عبد الله، وأكثر العلماء من المحققين والمحدثين على تضعيف هذا الراوي، تضعيف كثير بن عبد الله، حتى إن جماعة من العلماء كالشافعي وأبي داود نسبه إلى الكذب. بل قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى: أجمع على ضعفه. إلا أن هذا الحديث جاءت له شواهد كثيرة، فقد جاء كذلك من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه، رواه الطبراني في الأوسط، وجاء كذلك من حديث أبي الدرداء، وجاء من حديث أبي أمامة، وجاء من حديث واثل بن الأسقع، وهكذا من حديث أنس، وإن كانت معلولة، وبعضها أشد ضعفًا من بعض، إلا أن جماعة من العلماء يرى أن بمجموعها يصلح الحديث للحجية. ولهذا حسنه ابن الترمذي رحمه الله تعالى في سننه، واستدل به فئام من العلماء في كتب الاعتقاد. وأيضًا عمومات الأدلة تدل على صحة هذا المعنى. وهذا المعنى، إخواني في الله، المضاف في هذا الحديث يعطي وظيفة أخرى للغرباء في آخر الزمان وفي كل الزمان. فما مر معنا في درس أمس في قوله عليه الصلاة والسلام في حق الغرباء: "أنهم الذين يصلحون إذا فسد الناس"، بمعنى يصلحون أنفسهم. وأشرنا في درس الأمس ما يتعلق بالاهتمام بإصلاح النفس، والأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة التي تدعو لهذه الخصلة العظيمة، العناية بالنفس. لكن هل تقتصر مهمة الغرباء في أنهم يهتموا بإصلاح أنفسهم؟ الجواب: لا، ففي هذا الحديث، على ما دلت عليه الأدلة الكثيرة، فيه كذلك أن من فعل الغرباء أنهم يعتنون كذلك بإصلاح أمور غيرهم. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: "الذين يصلحون ما أفسد الناس"، يصلحون ما أفسد الناس، فهم مع اهتمامهم بإصلاح أنفسهم بتزكيتها وإقامتها لشرع الله في ذواتهم، كذلك هم يهتموا بإصلاح غيرهم من الناس ومن الخلق. ومقام الإصلاح، إخواني في الله، من المقامات العظيمة، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾، أي أن هذه من أعظم الأمور التي تدفع عذاب الله جل وعلا أن ينزل على المجتمعات، أن يكون فيها إصلاح، وأهلها مصلحون، ليس فقط أنهم صالحين في أنفسهم لا، بل هم مصلحون لغيرهم، مصلحون لغيرهم. والأدلة الكثيرة تدل على أن العبادات المتعدية أفضل من العبادات اللازمة. وقد صح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، كما جاء من حديث ابن عمر، قال: «أحب العباد إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا». تأمل إلى هذه الأعمال، فهي من أحب الأعمال إلى الله جل وعلا، وهي كلها تدل على أنك تعين غيرك، تنفع غيرك، تصبح شأنه، تكشف عنه كربة، ترفع عنه ضيق، تطرد عنه جوع. إلى أن قال عليه الصلاة والسلام: «ولئن أمشي مع أخي في حاجته خير لي من أن أعتكف في هذا المسجد». وأيضًا في قوله عليه الصلاة والسلام: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم». فالمسلم مدني، والإنسان بشكل عام، كما قال أهل التربية: الإنسان مدني بطبعه، يحب الخلطة، لكن ينبغي أن تكون الخلطة بخير. فشاهد من هذا الباب، إخواني في الله، أن الغرباء في آخر الزمان هم الذين يخالطون الناس بالخير، يخالطون الغير بالخير. وليس هذا مقام مقام العزلة، بعض الناس يرى أن هذا الزمان هو زمان العزلة، هذا ليس بصحيح. العزلة ربما تكون في حق شخص من الأشخاص، أما تجعل مجتمعًا كاملًا يترك هكذا، ما يجوز هذا. والإصلاح، إخواني في الله، له صور كثيرة ينبغي أن يهتم بها الغرباء، وخاصة من كان من أهل السنة. ومن أعظم صور الإصلاح، يا عبد الله، ما يكون من بث العلم، هذا من أعظم صور الإصلاح للمجتمعات، أن تبث العلم بينهم. وكفاك شرفًا، يا عبد الله، ببث العلم، تلكم الفضائل. ومنها قوله عليه الصلاة والسلام: «إن الله وملائكته وأهل السماوات وأهل الأرض، حتى الحيتان في الماء، وحتى النمل في جحرها، ليصلون على معلم الناس الخير». العوالم العلوية والسفلية كلها تكن الإجلال والإحترام، وتدعو لمن بث العلم للناس، يصلون على معلم الناس الخير، هذا من صور الإصلاح. من صور الإصلاح، يا عبد الله، الدعوة إلى الله، أن تكون داعية إلى الله جل وعلا، تدعو الناس إلى دين الله، تدعو الخلق إلى التمسك بشرع الله، وهذا من أعظم صور الإصلاح. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من دعا إلى هدى، فله أجره وأجر من عمل به، لا ينقص من أجورهم شيئا». كذلك من صور الإصلاح للناس، يا عبد الله، أن تكون آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، تأمر وكم هي المنكرات الموجودة، وما هناك أحد منا ينأى عن هذا المقام. قال عليه الصلاة والسلام: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فمن لم يستطع فبلسانه، فمن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». من صور الإصلاح كذلك، يا عبد الله، التواصي بالحق والتواصي بالصبر، وهكذا النصيحة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «الدين النصيحة». وقس على ذلك أنواع من الإصلاح الذي ينبغي أن يتعاهده الناس فيما بينهم. بينما أنك، يا عبد الله، تنأى بنفسك وتكون في زاوية من زوايا بيتك، ولا عليك ما عليه الناس من الفساد والإفساد، هذا ليس من صفة الغرباء، وليس هذا ممن تمسك بدين الله جل وعلا. ولهذا كان من أعظم ما تمسك به أهل السنة والجماعة قديمًا وحديثًا، وخاصة في زمن الغربة، أن قاموا بمبدأ التصفية والتربية، التصفية والتربية. هذا المبدأ لا يكاد أحد، ولن تجد أحدًا من الفرق ولا من الجماعات ولا من الملل ولا من النحل رفع هذه الراية، راية التصفية والتربية. وما فاد هذه القاعدة، إخواني في الله، التصفية أنك تصفي دين الله جل وعلا مما تعلق به وهو ليس منه، هذه التصفية. ثم بعدما تقوم بالتصفية، عليك يا عبد الله بالتربية، وهو أن تربي الناس على الإنصياع والخضوع لكتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، هذه التربية. ولعظم هذا المقام، حتى قال بعض الفضلاء: إن كلمة التوحيد لا إله إلا الله تقوم على هذا المبدأ، على مبدأ التصفية والتربية. فلا إله إلا الله تصفية، تصفية بإنكار هذه المعبودات التي عُبدت بباطل، ثم بعد ذلك يُربَّى الناس على العقيدة الصحيحة، على التعلق بالله لا إله إلا الله. وهذا المبدأ، إخواني في الله، مبدأ التصفية والتربية، والذي سار عليه أهل السنة يشمل معهم في كل أنواع الحياة. في باب الاعتقاد فيما تعلق بتوحيد الله في ربوبيته وألوهيته وبأسمائه وصفاته، أنك تبدأ أول ما تبدأ بأن تصفي عقائد الناس مما تعلق به وهو ليس من دين الله، كحق من تعلق بالذوات وبالأشخاص وبالأنداد والأقطاب، فأخذ يصرف الطاعات والاعتقادات العظيمة بغير الله، تصفِّ هذه الاعتقادات. أو من طعن في أسماء الله وصفاته بتمثيل أو تحريف أو تعطيل أو تكييف، تصفِّ هذه العقائد. ثم بعد ذلك تربى الناس على العقيدة الصحيحة التي أرادها الله من خلقه، هذا في باب العقيدة. كذلك، يا عبد الله، في باب الطاعة، أن تصفي هذه المجتمعات من أنواع المعاصي والانحلال والفساد الذي يكون من الفسوق والعصيان، يصفَّى هذه من أعمال الناس، ثم يربون على الطاعة وعلى تعظيم الأمر والنهي والسير على ما أراد الله جل وعلا بالسير عليه، هنا التصفية والتربية. كذلك في باب العبادات، ما نرى من وجود الخلل في طائفة عبادة الناس من وجود البدع والمحدثات والمنكرات، تصفَّى هذه العبادات التي نجد أن كثيرًا من الناس من ابتلي بهذه البدع، حتى أصبح ما من شعيرة من شعائر الدين إلا ولبست بشيء من البدع، في الأذان وفي الطهارة وفي الصلاة، وقس على ذلك أبواب الدين. فحينها يأتي أهل السنة ويصفون هذه العبادات الفاسدة المشوبة بالبدع والمحدثات، ويربون الناس على تعظيم السنة والاتباع لنبينا عليه الصلاة والسلام. وهكذا، قس يا عبد الله، فيما يتعلق بمعاملات الناس، وفي عادات الناس، أن تصفي المجتمعات مما سار عليه الناس وهو ليس من شرع الله، كمن عظم العادات وعظم التقاليد أو عظم ما عليه الغرب من التقليد الكامل في شؤونهم وفي أحوالهم، من التشبه بالكافرين والكافرات في اللباس وفي الكلام وفي الخطاب وفي كل أنماط الحياة، تصفَّى مثل هذه الشوائب التي أكثرت في مجتمعاتنا، ويصفَّى ويربَّى الناس على التمسك بهدي رسول الله عليه الصلاة والسلام. فهذا المبدأ، مبدأ التصفية والتربية، لا يقوم به إلا من قام بعملية الإصلاح، ولا يكون هذا بأن ينأى عن المجتمع، بل لا بد لهم من الخلطة، يخالط الناس، يصفي مثل هذه الشوائب، ثم يربيهم على دين الله. وكما يعبر بعضهم عن التصفية والتربية، يعبر عنها بالتخلية قبل التحلية، بالتخلية قبل التحلية. فشاهد، إخواني في الله، أن من عظيم ما يكون من أمر الغرباء في آخر الزمان أنهم يعتنون بأنفسهم، وكذلك يعتنون بأمر مجتمعاتهم، وذلك بإصلاح ما فسد من حياة الناس، في عقائدهم وفي عباداتهم وفي طاعاتهم وفي أعمالهم. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.