الدرس في آداب السلام 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول حكم إلقاء السلام على بعض الطوائف مثل النساء الأجنبيات والعصاة، حيث يُمنع السلام على النساء الأجنبيات ويُحرَّم على العصاة الذين يستهينون بحرمات الله. يُستثنى من ذلك المحارم أو العجائز إذا أُمنت الفتنة.
لا يُشرع السلام على العصاة والمبتدعة والكفار ابتداءً، ويمكن مخاطبة الكفار بغير لفظ السلام عليكم في حالات معينة. يُستدل على ذلك بأحاديث نبوية وآثار صحابية.
لا يجوز ابتداء الكافر بالسلام، ويعامل تارك الصلاة معاملة الكافر، ولا يجوز السلام على من يقضي حاجته. يمكن مخاطبة الكفار بغير السلام إذا نوى المسلمون ذلك في مجتمع مختلط.
يتضمن دعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويُنهي بالتأكيد على أن الله تعالى أعلم.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. وأما بعد، لازلنا في هذا المبحث من مباحث آداب السلام، وهما يتعلق بإلقاء السلام، وذكرنا في المسائل السابقة أن السلام ينبغي أن يُلقى، فذكرنا ما كان من هديه عليه الصلاة والسلام من ذكره أن الراكب يسلم على الماشي، وأن الماشي يُسلم على القاعد، وأن الصغير يُسلم على الكبير، وأن القليل يُسلم على الكثير، وأن المرأة يُسلم على الصغار، ويُسلم إذا دخل بيته، بل وربما يُسلم حتى على نفسه، كما مر ذلك معنا في دروس خلت. لكن إذا هذا المبحث، إخواني في الله، يأتي لنا بمبحث آخر، وهو أنه أحيانا لا يُشرع إلقاء السلام، لا يُشرع إلقاء السلام، وذلك لطوائف من الناس، إما أنهم اتصفوا ببعض الصفات، أو أنهم التبسوا ببعض الأحوال كانت مانعة من إلقاء السلام عليهم. وفي هذا المقام، إخواني في الله، سأُشير إشارات إلى طوائف من الناس لا يُشرع السلام في حقهم. من هذا الصنف، ومن هؤلاء الطائفة النساء. الأصل أن الرجل يُسلم على الرجل، وأن المرأة تُسلم على المرأة. بقي هل يُسلم الرجل على المرأة؟ أكثر العلماء على المنع، أكثر أهل العلم على المنع وعدم جواز ذلك، ولهم في ذلك تفاصيل. من أهل العلم من يُفصل في السلام على النساء، إن كن محارم أو كن أجانب. فإن كانت المرأة من المحارم، فيُسرع لك أن تُسلم عليهن، كالسلام على الزوجة، وعلى الأم، وعلى البنت، وعلى الأخت، والخالة، والعمة، وقس على ذلك المحارم، لك أن تُسلم عليهن. أما الأجانب، فلا يجوز. هذا وجه من أوجه التفاصيل في هذه المسألة. وتفصيل آخر يُفصل به جماعة من أهل العلم، وهو التفريق بين المرأة إن كانت شابة أو كانت عجوز. فإن كانت شابة، فلا يجوز أن تُسلم عليها. وأما إن كانت المرأة كبيرة، عجوز ضعيفة في السن، فلا بأس أن تُسلم عليها. ويدل على الجواز ما رواه البخاري رحمه الله تعالى من حديث سهل رضي الله تعالى عنه، أنهم كانوا يوم الجمعة إذا خرجوا من الصلاة يمرون على امرأة عجوز، قال سهل: فنُسلم عليها. فذلك يدل على أن المرأة إذا كانت طاعنة في السن، فلا بأس أن تُلقي عليها السلام وأنت مار. طوائف من أهل العلم من أطلق الجواز، وقال: يجوز أن تُسلم على النساء، لكن بشرط إذا أُمنت الفتنة. وهذا ذهب إليه جماعة من أهل العلم، ورجحه جماعة من العلماء المعاصرين. وهذا الباب كله يرتبط بهذا الرابط، إذا أُمنت الفتنة، فلا بأس أنك تُلقي السلام. أما أنك تُسلم من أجل أنك ترغب بالسماع الصوت والتلذذ به أو التوصل لأمر آخر، فهذا لا يجوز. ولهذا، فكما سمعت، أكثر العلماء على منع إلقاء السلام على النساء، إلا إذا كنا محارم أو كنا من كبار السن. هذا الصنف الأول. الصنف الثاني مما يُذكر مما لا يُشرع في حقهم السلام، السلام على العصاة، السلام على العاصي، وعلى الفاسق، وخاصة إذا كان هذا العاصي قد اقترف ذنبًا عظيمًا وإثمًا كبيرًا، كأن يقترف الكبائر والعظائم والموبقات، ويستهين بحرمات الله، ويُجاهِر ويُجاهِر بذنبه، ولا يُبالي بحدود الله جل وعلا، فهذا ليس أهلًا للإكرام، فلا تُسلِّم عليه. وعلى هذا فتوى العلماء، ويستدل العلماء بما جاء في الصحيح في قصة كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه، حينما تخلَّف عن غزوة تبوك هو وصاحبه، فكان من إثر تخلَّف هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بهجرهم، بترك الكلام وحتى السلام، حتى قال كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه: قال وكنت آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلِّم عليه، قال: فأقول هل حرَّك شفتيه برد السلام أم لا؟ انظر رد السلام أوجب. فإذا كان رد السلام لم يُعطى لكعب، فما ظنُّك بإلقاء السلام؟ من باب أولى أن لا يُعطاه. قال العلماء: فعلى هذا المنوال، من كان على ذنب عظيم ولم يتُب منه، فلا يُسلَّم عليه. ولهذا، بواب البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه، هذا الباب، فقال: بابٌ من لم يُسلِّم على من اقترف ذنبا. وهذا شاهدنا. فهذا صنف من أصناف الناس ممن لا يُشرع السلام عليه. وهو كما قال: باب من لم يُسلِّم على من اقترف ذنبا ولم يردُّ سلامه حتى تتبين توبته. وأورد البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه أثراً عن عبد الله بن عمر، أنه قال: لا تُسلِّم على شربة الخمر، أي شاربوا الخمور، لا تُسلِّم عليهم؛ لأنهم ليسوا أهلاً للإكرام. وألحق العلماء بالعصاة من المبتدعة. وأنتم من كان معنا في هذا المسجد، حضر دروس العقيدة، قد مر معنا مباحث طويلة في رسالة فضل الإسلام حول التقرير بأن المبتدعة شرٌ من أهل المعصية، وذلك بالسنة والإجماع. المبتدعة شرٌ من العصاة. فإذا كان كذلك، فإذا كان العاصي لا يُسلَّم عليه، فمن باب أولى المبتدع لا يُسلِّم عليه، وخاصة من كان مبتدعًا رأسًا في البدعة، يدعو وينافح ويقاتل ويناظل، فهذا لا يُسلِّم عليه. وعلى هذا فتوى العلماء، قال إمام النووي رحمه الله تعالى: قالوا أما المبتدع ومن اقترف ذنبًا عظيمًا ولم يتُب، فينبغي أن لا يُسلَّم عليهم، قال: ولا يردُّ عليهم السلام، قال: كما قال البخاري وغيره من العلماء. انتهى كلامه رحمه الله. الشاهد أن المبتدع يُلحق بأهل المعاصي، فلا يُسلَّم عليهم كما قلنا. وهذا إذا كان منبتثًا ومُظاهرًا لبدعته ولفجوره، فلا يُسلَّم عليه. الصنف الثالث مما يُذكره العلماء في أنه لا يستحق أن نُسلِّم عليه، ما يكون من السلام على الكافر. الكافر لا يُسلَّم عليه. وهذه مسألة، إخواني في الله، فيها مباحث طويلة ذكرها العلماء حول تأصيل هذه المسألة. ونعني بالكافر: اليهودي أو النصراني أو المجوسي أو البوذي، وغير هؤلاء من الكفار. الأصل في هذا الذي عليه أكثر العلماء، على أنه لا يُسلَّم عليهم. إلا من أهل العلم من فتح هذا الباب، وقال: لا بأس لأن نُسلِّم عليه. ولهم في ذلك ضوابط ولهم في ذلك قيود. لكن نبقى على مذهب جمهور العلماء الذين منعوا؛ لأن الدليل معهم واضح جليل. وهو ثبت في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام». رواه مسلم. فهذا الحديث واضح الدلالة. بخلاف من أتى بأقوال أخرى يحتاج إلى تأويل ويحتاج إلى حمل. لكن هذا الحديث على هذا، ذهب أكثر العلماء على أننا لا نُسلِّم على الكفار. لكن هنا إشكال، إخواني في الله، خاصة ونحن في هذه الأزمان، إذ أصبح العالم كما يقال كالقرية الصغيرة، وأصبح اختلاط المسلمين بالكفار كبيرًا في الدراسات وفي البعثات، ومع أهل الخبرة من الخبراء. ذاك يأتيك من أوروبا، وذاك من أمريكا، والعمال والأيدي العاملة كفار. فالاحتكاك كثر بيننا وبينهم. فهنا كيف إلقاء التحية؟ فمن أهل العلم من فتح هذا الباب لهذه المصلحة. لكن الصحيح أن نقول: إنك لا تبتدأ هؤلاء الكفار بالتحية، ونعني بالتحية: السلام عليكم. لا تبدأوا بهذا. لماذا؟ لأن السلام عليكم يا عبد الله هي من خصائص أهل الإسلام. هذه أولًا، هذه لنا، فهي من حق المسلم على أخيه المسلم فقط. مسلم لمسلم، أما مسلم لكافر، لا. الكافر ليس أخًا لنا. والثاني: أن السلام، ما معنى السلام؟ سيأتي معنا في المبحث الثالث بعد هذا المبحث، والذي بعده سيأتي لنا مبحث خاص متعلق بصيغ السلام، ونتعرف حينها على معنى السلام. فلها عدة معاني، ومنها السلامة. فلما تقول: السلام عليكم، أي: السلام عليكم، فهل أنت تدعو للكافر بالسلامة؟ تدعو للكافر بطول العمر؟ لا حاشا. بل إن نود أن الله جل وعلا يخلص هذه المعمورة من الكفرة؛ لأنه محل شؤم على هذه الدنيا وما فيها. قال العلماء: فإلقاء السلام بلفظ السلام عليكم للكافر، نقول: لأصل لا يجوز. لكن لك أن تستعمل وتستبدل هذه التحية بتحية أخرى. فمن هذا الباب، لا بأس أن تقول: مرحبًا، كيف الحال؟ يهودي يمر، تدخل إلى مدرسة، مدرس، أو في شركة خبراء يهود ونصارى، لا بد تواجههم بالتحية. فحينئذٍ، ابعد لفظ السلام هذا، وأشغله بأي لفظ آخر: صباح الخير، صباح النور. كافر، أنا مو مسلم، أعطي أي تحية. وعلى هذا فتوى جماعة من أهل العلم، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، حيث قال: إن خاطبه أي خاطب المسلم الكافر، قال: إن خاطبه بكلام غير السلام مما يؤنس فيه، فلا بأس بذلك. إذا كانت ستخاطب بغير لفظ السلام، بما فيه استئناس، فلا بأس: كيف الحال؟ أنعم، كيف أصبحت؟ صباح الخير، صباح النور، صباح الفل. أي كافر، أي تحية. إذا كان ولابد أنك تبتدئه بالتحية، ابعد السلام، واشغله بهذا. وهذا مما يذكر في هذا الباب. وهناك كذلك استثناء آخر ذكره العلماء، وهو إذا كان المجلس فيه واشتمل على مسلم وكافر. لازلنا في هذه الأمثلة. دخلت على أنت في كامب، في معسكر، أنت في مدرسة، في جامعة، فالقاعة مليئة بكادر طبي، بكادر تعليمي، بكادر خبرة، مسلمين وكفار. كيف ستفعل؟ تقولها: السلام عليكم، ومرحبًا. ما يمكنك. فحينئذٍ، قال علماء: لا بأس أنك تلقي السلام على الكل: السلام عليكم. لكن تنوي في قلبك أنك أردت المسلمين. أطلق السلام: السلام عليكم، ولو كان هناك يهود أو نصارى. وأثبت ذلك في أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على مجلس فيه مسلمون ويهود وعباد أوثان، فسلم عليهم. فسلم عليهم؛ لأن هذا خليط. فقال علماء: فهذا لا بأس. إذا كان عبارة عن مجموعة، وأنت في النية تريد أنك السلام خاص بأهل الإسلام، لكن تعم الكل؛ لأن المجلس قد جمعهم. فهذه الطائفة الثالثة. ومما يناسب، إخواني في الله، ذكره ونحن نتكلم عن هذه الطائفة الثالثة ممن لا يشرع السلام عليهم، وهم الكفار، يلحق بهم تارك الصلاة؛ لأن على القول الصحيح، تارك الصلاة كافر. إذن يعامل كمعاملة الكافر. فلا يسلم على الكافر، إذن لا يسلم على تارك الصلاة. وعلى هذا فتوى اللجنة الدائمة. فقد سئلت عن إلقاء السلام على تارك الصلاة، فكانت إجابتها: لا يجوز إلقاء السلام عليه، أي على تارك الصلاة، لا يجوز إلقاء السلام عليه، ولا رد السلام عليه إذا سلم؛ لأنه يعتبر مرتدًا عن الإسلام. لأنه يعتبر مرتدًا عن الإسلام. وهذه طامة، طامة عظيمة، لو استشعر بها تارك الصلاة، وأنه يعامل كمعاملة اليهود والنصارى، هذا في الدنيا. أما في الآخرة، فالأمر أعظم وأعظم. الطائفة الأخيرة، وأختم بهذا المقام في هذا المجلس، وهم ممن لا يشرع في حقهم السلام، من كان في قضاء الحاجة. من كان يقضي حاجته من غائط أو من بول، فلا يجوز أنك تلقي السلام وهو متلبس بهذه الحالة. فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه، أن رجلًا مر على رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو يبول، فسلم عليه، فلم يرد عليه السلام عليه الصلاة والسلام. وفي رواية مسلم، وعند أبي داود بزيادة: أن النبي قال: «إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة». إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة. ولهذا، قال إمام النووي رحمه الله: يكره السلام عليه. فإن سلم، لم يستحق جوابًا. أنت في قضاء حاجة، ويسلم عليك، فهذا ما يجوز، ولا يشرع. مثاله مثل الآن في الحمامات، تدخل وتجد أن صاحبك في الحمام: السلام عليكم، وهو داخل الحمام. كيف سيسلم عليه؟ ما يجوز هذا. لهذا قال: ولا يستحق جوابًا. لا تتعنق برد السلام عليه. لا، لا يستحق. سلم عليك بهذا. والإمام النووي رحمه الله تعالى قال: يكره السلام. وإلا من أهل العلم من صرح بالتحريم: لا يجوز أنك تلقي السلام على من هو في قضاء الحاجة. لكن إذا كان خارج الحمام، كأن يكون عند المواضئ، مثل هذه الحمامات التي في المساجد، عندي محل المواضئ تتوضأ، أو ما يسمى بالمغاسل، هل لك أن تسلم؟ نعم، ما في شيء، لا بأس أن تسلم؛ لأن الآن الرجل ليس متلبسًا بقضاء الحاجة. إنما النهي يدور على هذه العلة، أن يكون في قضاء حاجة. هذا بعض من يذكر في هذا المبحث ممن لا يشرع عليهم السلام. وأيضًا هناك مسائل متعلقة بهذا الباب، بعضها مختلف فيه. يؤتى إن شاء الله ذكره في درس غد بإذن الله. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.