شرح منظومة القواعد الفقهية  3

شرح منظومة القواعد الفقهية 3

الدرس في شرح منظومة القواعد الفقهية 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية الجمع بين الصلاة والسلام على النبي

يتناول أهمية الجمع بين الصلاة والسلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم واستدلال العلماء بآية الأحزاب على ذلك. يناقش المقطع مسألة كراهة إفراد الصلاة أو السلام دون الآخر.

شرح معنى خاتم النبيين والصلاة على النبي وآله

يشرح معنى خاتم النبيين ويؤكد أن نبينا محمد هو آخر الأنبياء. يتطرق إلى الصلاة على النبي وآله وصحبه ويوضح أن عيسى عليه السلام سينزل في آخر الزمان حكما عدلا وليس نبيا مرسلا.

تعريف آل النبي وآراء العلماء فيهم وتطبيق الصلاة عليهم

يتناول آراء العلماء المختلفة حول تعريف آل النبي وتطبيق الصلاة عليهم مع الأصحاب. يفضل الجمع بين الآل والأصحاب في الصلاة خشية الظنون السيئة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، مر معنا في البيت الأخير في قول المؤلف رحمه الله تعالى: "ثم الصلاة مع سلام دائم على الرسول القرشي الخاتمي"، ومر معنا ما يتعلق بالصلاة، وما هو القول الذي اختاره العلماء في تعريف أمر الصلاة، أي بمعنى الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، والصلاة من قبل الله عز وجل. ذكرنا ما ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أنه لم يرتض التعريف المشهور الذي عليه الكثير من العلماء، بل جمهور العلماء على أن الصلاة من الله بمعنى الرحمة، والصلاة من الملائكة بمعنى الاستغفار، والصلاة من العباد بمعنى الدعاء، وأنه انتقد رحمه الله تعالى هذا التعريف لأوجه ذكرها في "بدائع الفوائد" وفي غيره من كتبه. ثم أرشد رحمه الله تعالى إلى أن الصلاة وما تصرف منها تعود إلى معنى الحنو والعطف، ثم قال: "وكل بحسبه"، ثم قال رحمه الله تعالى: "ثم الصلاة مع سلام دائم"، السلام يأتي بمعنى التحية، وبمعنى السلام من النقائص والرذائل. ألاحظ هنا أن المؤلف رحمه الله تعالى جمع بين الصلاة على النبي وبين السلام عليه، وهذا هو الذي ينبغي، إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ينبغي أن يصاحب مع ذكره الصلاة والسلام، وذلك لأن القرآن أرشد إلى هذا المقام كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، فأمر ربنا بالصلاة والسلام على نبينا عليه الصلاة والسلام. يقول ابن الجزري رحمه الله تعالى: "وأما الجمع بين الصلاة والسلام فهو الأولى والأكمل والأفضل"، ثم استدل بهذه الآية: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، فإذا ذكرت النبي قل: "اللهم صل وسلم عليه" أو "صلوات الله وسلامه عليه"، هم تأتي تجمع بين الصلاة والسلام. لكن بقي ما لو أن أحدا أفرد أحد الصيغ، إما الصلاة دون السلام أو السلام دون الصلاة، هل في هذا إشكال؟ بعض العلماء نعم استشكل ذلك، وهذا مروي عن بعض الشافعية، بل صرح النووي رحمه الله تعالى ونسب هذا إلى جماعة من العلماء أنهم كرهوا ذلك. لكن هل يسلم بهذه المسألة؟ هل هي كراهة صحيحة؟ لأن هناك من ينازع، ابن الجزري رحمه الله تعالى في كتابه "الحصن الحصين" نفى أن يكون هناك القول بكراهة الإفراد، فقال رحمه الله تعالى: "لا أعلم أحدا نص على الكراهة"، أي لو أن أحدا ذكر الصلاة من غير السلام أو ذكر السلام من غير الصلاة، هل هذا الصنيع منه يكره؟ وحجة ابن الجزري قوية جدا، لأنه ذكر الشواهد من العلماء، قال: كيف ذلك؟ والشافعي بنفسه ذكر الصلاة من غير السلام، وأحال إلى كتابه "الرسالة"، فإن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى اكتفى بأحد الصيغ، ذكر الصلاة ولم يذكر السلام، قال: فكيف نقول أن هناك كراهة؟ لكن دل ذلك على أن الأمر فيه سعة، فلو أن أحدا اكتفى بأحد الصيغ، فمن الصعب أن نقول أنه وقع في الكراهة، بل ومن الغريب أن النووي رحمه الله تعالى الذي انتقد مسلم بن الحجاج بأنه ذكر الصلاة من غير السلام، وجعل هذا فعله من الكراهة، أنه هو بنفسه في بعض المصنفات وقع في هذا، وقع في أنه ذكر الصلاة من غير السلام. إذن القول بالكراهة قول ليس على إطلاقه، إلا أن ابن حجر رحمه الله تعالى له توجيه قوي في هذه المسألة، مسألة الإفراد، إفراد الصلاة من غير السلام أو إفراد السلام من غير الصلاة، ما توجيهه؟ قال: أن الكراهة تطلق على من أفرد أحد الصيغتين دون الأخرى في حق من استرسل في ذلك واستمر على ذلك. قال رحمه الله تعالى: "ثم الصلاة مع سلام دائم على الرسول القرشي الخاتمي"، على الرسول أي على نبينا، صلوات ربي وسلامه عليه، ومحمد بن عبد الله بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، وقوله "الخاتمي" أي بمعنى أنه خاتم الرسل عليه الصلاة والسلام، الذي به ختم ربنا جل وعلا الرسل والرسالة والنبوة. كما جاء في وصف القرآن قال سبحانه وتعالى واصفا نبينا عليه الصلاة والسلام: ﴿وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، فوصفه ربنا جل وعلا بوصف الختم، فهو خاتم الأنبياء على الإطلاق عليه الصلاة والسلام. وجاء في صحيح مسلم من حديث ثوبان رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: "وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي"، فلا هناك نبي بعد نبينا عليه الصلاة والسلام، ومن ادعى النبوة وادعى الرسالة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه مفتر كاذب كافر مرتد. كل من يدعي النبوة بعد نبينا عليه الصلاة والسلام ودعى أن الله يوحي إليه، فهذا افترى على الله إثما عظيما، وقد يصل أمره إلى الخروج والمروق عن الدين والملة، فقد كفر بإجماع الأمة. بل نبينا قد ذكر ذلك، فقد أخبر عليه الصلاة والسلام بأن الساعة لا تقوم حتى يظهر دجالون كذابون قريب من ثلاثين، كلهم يدعي أنه نبي، ثم قال: "وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي". فقد سمعنا الذات الدعاوى تسمع من هنا وهناك بين الفينة والأخرى عن أناس يدعون النبوة ويدعون الرسالة، وهذا هو الإثم العظيم والافتراء المبين على رب العالمين وعلى نبوته عليه الصلاة والسلام. لكن تنبيهنا على أمر وقد أشرنا إليه قريبا ما يتعلق بالإشكال الذي يقع بنزول عيسى عليه السلام، لأنه يوجد هذا الإشكال وقد وجد جماعة من أهل الأهواء الذين لا يفقهون كيفية الجمع، يرى أن الأحاديث المروية عن نزول عيسى مردودة، لماذا؟ ردها جماعة منهم من باب أنهم قالوا: كيف نجمع بين أن النبي هو خاتم النبيين وخاتم الرسل، ثم نقول أن عيسى ينزل في آخر الزمان؟ قالوا: إذن نلغي نزول عيسى ونجعل أن رسل الله هو آخر الأنبياء على الدنيا وعلى وجه المعمورة، ونلغي أحاديث نزول عيسى عليه السلام، وهل هذا صحيح؟ لا، هذا ليس بصحيح، ليس هذا بالجمع الذي يرضاه الشرع. وإنما الجمع الصحيح أننا نتأمل في أحاديث نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان، وننظر إلى وصفه، أخبر نبينا أن عيسى ينزل في آخر الزمان لا على أنه نبي مرسل، بل جاء في الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام: "لا يشككن أن ينزل فيكم عيسى بن مريم حكما عدلا حكما مقسطا"، هكذا الروايات، ما قال: "ينزل فيكم نبيا رسولا". ما تجد قط رواية فيها أن النبي أخبر أن عيسى ينزل كهيئة نبي أو رسول، لا، ليس له صفة النبوة وليس له صفة الرسالة، بل ينزل على أنه من آحاد الناس، من آحاد الأمة، ولهذا يصل إلى قبلتنا، وهكذا يقوم بشريعتنا، فيقوم حكما يحكم الناس بشريعة النبي عليه الصلاة والسلام. فهو ينزل في آخر الزمان حكما عدلا مقسطا كما جاءت السنة بذلك، إذن لا تناقض ولا شيء، فتبقى خاتمية الرسالة لنبينا عليه الصلاة والسلام، وأما عيسى عليه الصلاة والسلام فإنه ينزل في آخر الزمان، لكن لا ينزل بشريعة مستقلة أو ينزل بصفة النبوة والرسالة، وإنما يأتي كفرد من أفراد الأمة. قال رحمه الله تعالى: "وآله وصحبه الأبرار الحائز مراتب الفخار"، قوله "وآله وصحبه الأبرار" كذلك مما يشرع في الصلاة مع النبي عليه الصلاة والسلام أنك تصلي كذلك على آله وعلى أصحابه، اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه. الصلاة على محمد صلو، صلوات ربي وسلامه عليه، وهكذا الآل، وهكذا الأصحاب. قوله رحمه الله تعالى: "وآله"، الآل اختلف العلماء في اشتقاقها، من قال أن الآل أصلها من الأهل، أصلها من الأهل، آل البيت بمعنى أهل البيت، فما الذي وقع فيها؟ قيل أن الألهاء قلبت الهمزة فتوالت عندي الهمزات، فحولت الهمزة الثانية مدا من باب التسهيل. أي أصبحت "أأل" فلصعوبة النطق في مخرج الهمزة أدقت عليه ما يسمى بعملية التسهيل، فحولت الهمزة الثانية ألفا فقيلها "آل"، فهي أصلها "أهل"، وهذا هو الذي يقوله الجماعة من العلماء. إلا أن ابن القيم رحمه الله تعالى لم يرتض ذلك، وضعف هذا القول من ستة أوجه، ويراجع هذا البحث في كتابه "جلاء الأفهام"، فقد أبان حول التحرير في هذه المسألة. وذهب جماعة أن الآل مشتق من الأول بمعنى الرجوع، وهذا الذي ذكره الجوهري رحمه الله تعالى ورجحه، الحاصل ما معنى الآل؟ ممن هم آل الرجل؟ آل الرجل هم أهله وعياله وأتباعه، هكذا في اللغة. آل الرجل هم أهله وعياله وأتباعه، وبعضهم يعبر بتعبير أدق يقول: "آل الرجل هم الذين يمتون إليه بصلة وثيقة"، هؤلاء هم آله، هذا في معنى الآل عموما. لكن نأتي الآن عندما نقول: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد"، فمن هؤلاء الآل؟ من هؤلاء الذين تربطهم علاقة بنبينا ونحن نصلي عليهم؟ بمعنى أننا ماذا ندعو لهم؟ على قول من يقول بأن الصلاة بمعنى الدعاء. فاختلفت أنظار علماء إلى أربعة مذاهب في معنى من هم آل النبي، منهم من قال أن آل النبي عليه الصلاة والسلام هم الذين تحرم عليهم الصدقة، والقول الثاني هم أزواجه وذريته خاصة، والقول الثالث هم أتباعه إلى يوم القيامة، والقول الرابع هم الأتقياء من هذه الأمة. والإمام السعدي رحمه الله تعالى كما ترى في شرحه اختار القول الثالث، فقال رحمه الله تعالى: "وآل النبي هم أتباعه على دينه إلى يوم القيامة"، والذي ذهب طبعا ولسنا في مقام الاستفاضة وفي ذكر أدلة، لكن هذه خلفية حتى تعلم وجه الخلاف وأقوال العلماء في تعريف آل النبي. فقال رحمه الله تعالى: "وآله وصحبه"، الصحب هنا بمعنى الصحابة، لأن الصحب هنا جمع للصحابة، فأذن كذلك يشرع الصلاة على الصحابة تابعا للصلاة مع النبي عليه الصلاة والسلام. ومن هو الصحابي؟ الصحابي الذي العمى فيه تعارف، ومن أفضلها والتي تسلم بالجملة من الانتقادات هو كل من لقي النبي عليه الصلاة والسلام مؤمنا به ومات على ذلك، هذا هو الصحابي. من لقي أي عاصر الرسول صلوات ربي والسلام عليه، وهذه المعاصرة في إيمان، إذا حتى نخرج الكفار لأن هناك كفار عاصر النبي ولقوا النبي لكن لا ينفعهم ذلك ولا يدخلون في عداد الصحابة. وهكذا أهل النفاق لا يدخل في عداد الصحابة لأنه وإن كانوا في عهده لكن ما كانوا على إيمان به، وأيضا يموتون على هذا يموتون على هذه العقيدة، فهذا هو الصحابي. وكذلك فائدة تنبني عليها أنه يشرع أنك إذا صليت على النبي عليه الصلاة والسلام أنك تذكر الآل والأصحاب، اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه، تذكر الآل إذا ذكرت الآل فاذكر الأصحاب. حاول أنك تجمع بين هذا وهذا، وأما إذا أنت لم ترد أن تذكر لا هذا ولا هذا فلا غضاضة عليك، لكن حاول أنك تجمع، لماذا؟ قال علماء لأن الإفراد أحد الطائفتين أصبح شعار المبتدعة، شعار من شعارات أهل البدع. فتجد مثلاً أن هناك جماعة إذا صلوا على النبي صلوا على آله وسكتوا، من هؤلاء؟ أصحاب الرفض والتشيع، تجد في قنواتهم وفي عباراتهم تقول: "اللهم صل على محمد وعلى آل بيته" ويسكت، أين الأصحاب؟ لماذا؟ لدسيس في قلوبهم البغض لأصحاب نبينا عليه الصلاة والسلام. فأصبح الآن إفراد الصلاة على الآل من شعار أهل البدع، وبالمقابل تجد أن طائفة من أهل البدع لو ربما إذا صلوا على النبي ذكروا الأصحاب وسكتوا عن آل البيت، فقال: "اللهم صل على محمد وعلى أصحابه"، وهو لئي من؟ النواصب، النواصب هم الذين ناصبوا العداء لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما كان الإفراد يوحي أن هناك دسيسة، فكان الأولى يا عبد الله أن تخرج من هذا الظنون أنك تجمع بين الآل والأصحاب، هذا إذا أحببت أنك تضيف، فإذا صليت على النبي فإن أردت تذكر الآل أذكر الأصحاب معهم، اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.