الدرس في المختصر في أحكام العشر والنحر 7، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يوم عرفة يوم عظيم فضله الله تعالى بالكثير من المناقب، وهو يوم عيد للمسلمين لما فيه من خير ونعمة. الله أكمل فيه الدين وأتم النعمة على المسلمين.
صيام يوم عرفة يكفر السنة الماضية والمستقبلة، ويخفف من حدة الكبائر للذين تابوا. يشجع على اغتنام هذا اليوم بالأعمال الصالحة.
يستحب في يوم عرفة الإكثار من النوافل والقربات وذكر الله وقراءة القرآن، والدعاء في هذا اليوم مستجاب في الأغلب. يُشجع على اغتنام هذا اليوم بالطاعات.
المقطع ينتهي بدعاء ينفع الله به الأمة الإسلامية، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر امتنانًا لله واعترافًا بقدرته.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، من أحكام العشر، إخواني في الله، الحديث عن يوم عرفة، وهو اليوم التاسع من ذي الحجة، يوم فضله الله جل وعلا بالفضائل والمناقب، يوم استأثره الله جل وعلا من باقي الليالي والأيام بالإعظام والإجلال والتوقير والاحترام. وقبل الحديث عن الموضوع، إخواني في الله، تذكرت إعلانًا حول إقامة صلاة العيد لهذا العام، عيد الأضحى سيكون -إن شاء الله- في مصلى المنصورة، سيكون صلاة العيد بإذن الله في مصلى المنصورة المعتاد، وذلك في الساعة السادسة إلا عشر، بإذن الله، مع اتخاذ الإجراءات الوقائية، والتي ستكون في حينها، فالحاضر يبلغ الغائب. نستأنف، إخواني في الله، ما ذكرناه حول فضيلة يوم عرفة، وهو يوم ميزه الله بالكثير من المناقب، ومن أعظم مناقبه أن الله سبحانه وتعالى جعل هذا اليوم الذي به أكمل الدين، وأتم النعمة على المسلمين، قال سبحانه: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾، جاء يهودي إلى عمر رضي الله تعالى عنه، قال: آية لو نزلت علينا معشر يهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، قال: وما هي؟ قال: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾، قال عمر: إني والله لأعلم أين نزلت، وأين كان رسول الله حين نزلت، نزلت يوم عرفة، ورسول الله كان في عرفة. ففي هذا اليوم، والذي كان في إعادته مناسبة الحج، وبه أكمل الله جل وعلا أركان الإسلام، نزلت هذه الآية: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾، هذا اليوم، إخواني في الله، جعله شرعنا عيدا من الأعياد، وذلك لما اجتمع فيه من خير ونعمة، ومحتوى من فضل وبركة، قال عليه الصلاة والسلام: «يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام»، فهي عيد لعظيم ما جعل الله فيه سبحانه وتعالى من الخير العميم لعامة المسلمين، فحق لهم أن يفرحوا، ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا﴾. وهذا اليوم، كذلك، إخواني في الله، مما ميزه عن سائر الأيام، أن الله سبحانه وتعالى يعتق كثيرا من عباده من النيران، ما من يوم كما جاء ذلك في الصحيح، من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: قال عليه الصلاة والسلام: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله عبدا من النار من يوم عرفة»، ما هناك يوم فيه هذه الكثرة من الإحسان، ومن المغفرة والغفران لعباد الله من يوم عرفة، لكثرة ما يعتق ربنا الرقاب والعباد من النيران، «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله جل وعلا عبده من النار من يوم عرفة»، وإنه ليدنو، ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: «ماذا أراد هؤلاء؟». وهل هذا الأمر، إخواني في الله، مغفرة الذنب والذنوب، والعتق من النار، خاص لأهل الموقف ممن يقف على عرفة؟ الجواب: لا، قال العلامة ابن رجب رحمه الله تعالى: «ويوم عرفة، يوم العتق من النار، يعتق الله من النار من وقف بعرفة، ومن لم يقف من جميع المسلمين، من أهل الأمصار، في كل الدول وكل البلدان، يشملهم هذا الفضل، أن الله جل وعلا يعتق الكثير من عباده»، لهذا استحب كثير من الناس، من الفقهاء، في مثل هذا اليوم، أن يكثر من دعاء الله، أن يجعله من عتقاء النار، من عتقائه من النار سبحانه وتعالى. وهكذا، إخواني في الله، فضائل كثيرة يذكرها العلماء في مثل هذا المقام، لهذا اليوم العظيم، وهنا إشارة إلى مسألة عظيمة، وهي لا تقل أهمية عن فضل اليوم، ألا وهي: ما هي الأعمال التي يحرص عليها المسلم؟ الأعمال الصالحة التي أنت عليها، يا عبد الله، في أيام العشر من ذي الحجة، هي هي، اعملها في عرفة، لكن الشرع أشار إلى بعض العبادات، ولهذا المسلم يولي لهذه العبادات التي أشار إليها شرعنا شيئا من الاهتمام، لأنها مقصودة بذاتها. ومن ذلك، إخواني في الله، الصيام، احرص على أن تصوم هذا اليوم، مر معنا في بداية العشر من ذي الحجة، أنه من المستحسن أن تصوم كل الأيام، فإن عجزت، فلا أقل من أن تصوم البعض، فإن ضعفت، فلا أقل من أن تصوم عرفة، ولا تتذرع، يا عبد الله، بأي عذر في ترك الصيام، كمن يقول: أنا في معمل، أو أنا في شغل، أو أنا في عمل، أترك هذا واغتنم فضل هذا اليوم، بلغ من عظيم الأجر في حق من صام عرفة، ما جاء في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «صوم يوم عرفة يكفر الله السنة التي قبلها والسنة التي بعدها»، وجاء في رواية قتادة: «صوم يوم عرفة يحتسب على الله أن يكفر السنة الماضية والمستقبلة»، تكفير سنتين يكون ذلك كل في يوم واحد، فأي فضل وإحسان، يا عبد الله، بعد هذا الفضل الذي من الله على أهل الإيمان. وذكر العلماء مسألة، وهي ما يتعلق بتكفير السنة الماضية، على ماذا يحتوي؟ قال علماء: الأصل أن التكفير للسيئات يكون للصغائر، ما منا من أحد، وما هناك أحد معصوم عن ذلك، يقع منه اللغو، يقع منه الخطأ والزلات بلسانه، في أقواله، في أفعاله، في جوارحه، ببصره، بسمعه، يقع منه الغلط والهنات والزلات، يصبح اليوم وهو قد تراكمت عليه هذه الخطيئات، فيأتي صوم يوم عرفة يكفر عن سنة ماضية، هذه الصغائر، يزيلها الله بصوم يوم عرفة. فإن قال قائل: وهل تكفر الكبائر؟ قال العلماء: نرجو ذلك، نرجو من سعة رحمة الله، إلا أن الله يخفف من الكبائر، وهذا في حق المذنب والتائب، وقع في كبيرة، وقع في جريرة، فيأتي صوم يوم عرفة يخفف ربنا جل وعلا من حدة ذنب الكبيرة. وأما التكفير للسنة القادمة والمستقبلة، والتي ستأتي، قال علماء: إما أن يراد ظاهرها، سنة مفتوحة، إن وقعت منك أخطاء، فإن صوم عرفة يمسحها على طيلة عام، وقيل: إن الله جل وعلا يوفقك لأن تعمل أعمالا صالحة، بحيث إذا وقعت في زلة، فإن الله يوفقك لأن تعمل عملا صالحا يقع به التكفير، كلما وقعت في خطأ وزلة، يأتيك عمل ميسر من عند الله فتعمله، فيزيل عنك خطيئة هذا الذنب، وهكذا، وقيل: إن الله سبحانه وتعالى يجنبك من أن تقع في السيئات، كلما كنت على وشك أن تقع في سيئة، في غيبة، في نميمة، في طعن في الأعراض، في إساءة الظن بأهل الإسلام، ونحو ذلك من الذنوب والخطيئات، كلما كنت على وشك أن تقع، يأتيك الصارف من الله سبحانه وتعالى، يصرفك عن ذلك، وهذا ببركة صوم يوم عرفة. فتأمل، يا عبد الله، إلى عظم الفضائل التي يحوزها المسلم بصوم يوم واحد، فالله، يا عبد الله، بهذا اليوم، بصومه، والحرص كذلك على إتمامه، وكذلك من فضائل، أو من الأعمال التي يشرع ويستحسن الإكثار منها: الدعاء، أكثر، يا عبد الله، من الدعاء، إن استطعت في الصلوات، أدبار الصلوات، في الفلوات، وأنت في نفسك، وأنت في بيتك، في أي مكان، أكثر، يا عبد الله، من الدعاء، قال عليه الصلاة والسلام: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة»، هذا خير الدعاء، أفضل يوم تدعو الله جل وعلا به، هذا اليوم. قال العلامة ابن عبد البر رحمه الله تعالى: «ودعاء يوم عرفة مجاب في الأغلب»، وهو معروف عند الناس أنه يجاب، من دعا الله في هذا اليوم، فإن الله يستجيب له، في فرصة أن ترفع كفة الضراعة إلى الله سبحانه وتعالى، وتسأل من خير الدنيا والآخرة، كل واحد منا له طلبات في نفسه، في دينه ودنياه، من سعة الأرزاق، من صحة الأبدان، من جمع الشمل بالأقارب والأرحام، من أن الله سبحانه وتعالى ييسر أمره، خير ذلك، ادع الله، ما هناك شيء يعجز الرب سبحانه وتعالى، جل شأنه، فالكون كونه، والخلق عبيده، يفعل ما يشاء، فألح على الله، ادع الله، يا عبد الله، في الظهر والعصر والمغرب والفجر، في الليل وفي الصباح، فخير الدعاء دعاء يوم عرفة. وهكذا، إخواني في الله، مما يشرع في يوم عرفة من الأعمال: التكبير، ومر معنا في دروس العشر، ذكرنا أن التكبير ينقسم إلى قسمين: تكبير مطلق، وهو الذي يبتدئ من أوائل العشر، تكبر الله، تكبر الله في كل آن وفي كل حين، وهناك التكبير المقيد، وهو الذي سيبدأ من يوم غد، عند قول الصحيح من أقوال العلماء، وذلك من بعد صلاة الفجر، يبدأ التكبير، وهذا يكون بعد الصلوات، بعدما يصلي الناس جماعة، يكبر الناس كل على حدة، يكبر الله سبحانه وتعالى بما أثر من التكبيرات المنقولة عن سلفنا الصالح، فتجعل ذلك بعد الظهر، بعد الفجر، والظهر، ثم تسترسل، وبهذا يجتمع عندك التكبير المقيد بعد الصلوات، ويجتمع عندك التكبير المطلق في كل الآن، فيكون المسلم في هذا اليوم مشتغلا بتكبير الله، ليلا ونهارا، صباحا ومساء، كبر الله، يا عبد الله، فهذا كذا من الأعمال الفاضلة التي يحرص عليها المسلم. فالله، الله، عباد الله، في الحرص على استغلال هذا اليوم بما تستطيع به من قدرة، وما آتاك الله من قوة، على أن تشد من عزمك، وترفع من جدك واجتهادك في اغتنام ساعاته، وهما هي إلا ساعات معدودة، ويمر عليك اليوم بصيامه وقيامه، وهكذا، بكثرة النوافل والقربات، والإكثار من ذكر الله، وقراءة القرآن، وبالتهليل والتكبير، فإن الأعمال كما يقول العلماء: إن كانت في العشر مضاعفة، فإنها في يوم عرفة تزداد مضاعفة، وهذا فضل من الله، جعله الله لأمة الإسلام، والمحروم من حرم هذا كله. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.