قصة موسى عليه السلام في القرآن 15

قصة موسى عليه السلام في القرآن 15

الدرس في قصة موسى عليه السلام في القرآن 15، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

استعداد موسى للمناجاة وتلقي التوراة

استعد موسى لمناجاة الله بعد أن أوصى أخاه هارون، وذهب إلى الوادي المقدس طوى لتلقي التوراة. نزلت عليه التوراة بعد صيام ثلاثين ليلة وعشر ليال.

تجلي الله ونتائج المناجاة

طلب موسى رؤية الله، فأخبره الله أنه لن يراه في الدنيا، وتجلى للجبل فدكه، وصعق موسى ثم أفاق وتاب. هذه الحادثة تظهر عظمة الله وقدرة موسى.

أحكام التوراة ومقارنتها بالقرآن

نزلت التوراة على موسى دفعة واحدة وتحتوي على أحكام وشرائع، وتشير الآيات القرآنية إلى وجود بعض الأحكام في التوراة مثل البشارة بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

ختام الدرس والدعاء

يختتم الشيخ الدرس بالإشارة إلى أن هناك المزيد سيأتي في درس قادم، ويختم بالدعاء والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، ذكرنا في درس أمس، إخواني في الله، ما يتعلق بالأحداث المهمة التي وقعت لموسى عليه السلام مع قومه حينما أصبحوا في الضفة الأخرى من البحر، وذلك بما كان من تسيير وتيسير أمرهم بأن شُكلوا إلى مجموعات، وذلك يعود إلى قبائلهم التي هم ينحذرون منها. ثم جاءت المعضلات، وهي الحاجة الماسة إلى الطعام وإلى الشراب، فكانت مسألة الحجر الذي إذا ضُرب انفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، وكان المن والسلوى رزقًا من الله ساقه الله عز وجل لبني إسرائيل في هذه الفترة، وهم بالعراء. وأيضًا ما كان من مسألة التضليل بالغمام. قد ذكرنا، إخواني في الله، أن موسى عليه السلام بهذا الشعب، وهو يسير بهم إلى أين؟ أمره ربنا جل وعلا أن يأتي بهم إلى جانب الطور الأيمن، إلى جانب الطور، أي في جهة اليابسة، ليس في جهة الساحل، وهناك سيستقر بنو إسرائيل. لكن سيذهب موسى في موعد آخر يريده ربه عز وجل أن يأتي إلى الواد المقدس طوى. فلما تحرك موسى بقومه، فلما دنى من جبل الطور، أحب من هنا أن يذهب إلى وادي طوى قبل أن يصل إلى مكان الاستقرار الذي سيستقر فيه بنو إسرائيل. أراد أن يختصر الطريق ويذهب، فأوصى أخاه هارون بهذه الوصية: أخلفني في قومي وأصلح، ولا تتبع سبيل المفسدين. أي أنا سأذهب الآن لمولاقات ربي عز وجل في الوادي المقدس طوى، أن تذهب بالرعية إلى جهة الطور، تكون خليفة نيابة عني في قومي، وأصلح من شأنهم، وأحرص على تسيير وتيسير أمورهم، ولا تتبع سبيل المفسدين. إشارة من موسى عليه السلام أن قومه ليسوا كانوا على مستوى المرضي من الصفاء والنقاء بجميعهم، بل فيهم من هو من ضعاف الإيمان، من لربما فيه لوثة لا زالت قد عشعشت في ذهنه، ومنهم من يبتلي بالشك والريب فيما هم فيه من عقيدة، ومنهم من هو من أهل النفاق. فأمره موسى عليه السلام أن يتوخى هؤلاء، ولا تتبع سبيل المفسدين. فحينها تم الافتراق، ذهب موسى عليه السلام إلى جهة الشرق إلى وادي المقدس، وذهب هارون إلى جهة الغرب سينزل إلى جبل الطور بجنب الجانب الأيمن من جبل الطور. قدر العلماء في المقاييس العصرية أن ما سيكون ما بين استقرار قوم بني إسرائيل في الجانب الأيمن من الطور ومحل الوادي المقدس الذي سيكون هناك موعد موسى عليه السلام، وهو ميقاته، مسافة ستين كيلو. هذه المسافة سيذهب إليها موسى عليه السلام لأن الله عز وجل أمره أن يأتيه. وذلك لأن الله سيوحي إليه بالشرائع والأحكام التي ستتنزل على بني إسرائيل. هنا نحن الآن في مفترق الطريق، طبعًا موسى عليه السلام في هذه الجهة سيذهب بأحداث، وهارون سيذهب بقومه بأحداث. سنبدأ بأحداث موسى عليه السلام ونرى ما الذي صار مع موسى. موسى طبعًا كلم هارون بأن سأرجع وأعطاه المدة، كما ذكر ثلاثين يومًا، سأذهب إلى الميقات وأرجع بعد ثلاثين يومًا، سأتيك. فهذه المدة كن على دراية في القيام بإصلاح أمر بني إسرائيل. وهذا جاء في قول ربنا عز وجل: ﴿وَوَعدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾، فهذا هو الموعد أن الله عز وجل سيوحي لموسى عليه السلام بالشرائع والأحكام بعد ثلاثين ليلة. هذا العدد قد يشكل مع بعض الناس إذا قرأ في آية أخرى في قول ربنا: ﴿وَإِذْ وَعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾، ثلاثين وأربعين، فكيف الجمع بين هذه الأعداد؟ لا إشكال، الأصل أن الموعد كان ثلاثون ليلة، ثم زيدت عشر أيام، وكما قال ربنا: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾، الأصل أن الموعد بعد ثلاثين، ثم زيدت عشرة أيام، فتم ميقات ربه أربعين ليلة. طيب، مسائل متعلقة بهذا الموعد، لماذا زيدت هذه الأيام العشر؟ أكثر المفسرين، ومن نظر إلى المطولات أو المختصرات، يجد أنهم يشيرون إلى قضية الصيام. موسى عليه السلام أمره ربه عز وجل أن يتهيأ لمناجاته بعد ثلاثين ليلة، حرص موسى في هذه الأيام أن يصوم، أن يصوم فصام. ذكر ابن كثير أنه كان يصوم الليل والنهار إلى أن أتم هذه المدة ثلاثين يومًا. طبعًا في هذه المدة مع الصوم تغيرت طبيعة البطن، فخرجت رائحة الفم، تغيرت من أثر الصوم. فما أراد موسى عليه السلام أن تكون مناجاته مع ربه بهذا الفم الذي تنبعث منه الروائح، فاستاك. فلما جاء للموعد عاتبه ربه عز وجل بهذه العملية، عملية الاستياك، وما علمت بأن رائحة خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك. وهذا موجود في شريعتنا، كما جاء في ذلك الأحاديث الصحيحة: «لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك»، لأن هذه الرائحة منبعثة من أثر عبادة، فيحبها الله. فطلب من موسى أن يعود إلى صومه، فصام عشرة أيام حتى تنبعث منه الرائحة مرة أخرى. طبعًا هذا الذي يذكره الكثير من المفسرين، الله أعلم بهذا. وكذلك خاض العلماء في مسألة هذه الأيام الأربعين ليلة، ما هي؟ أثر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه أولًا صام الشهر كاملًا، وهو شهر ذي القعدة، وأتممناها بعشر، أي العشر من ذي الحجة، نقل هذا نعم عن ابن عباس وعن كثير من السلف والتابعين. فالله أعلم كذلك بحقيقة هذه الأيام، لأن القرآن أبهم هذه الأيام. فالشاهد أن موسى عليه السلام استعد لمناجاة الله عز وجل، فتم الميقات، فأوحى الله عز وجل لموسى ما أوحى إليه من الشرائع والأحكام. ومن أعظم ما كان في هذا المقام أن الله عز وجل أنزل عليه التوراة. الآن أنزلت التوراة، قبل هذا ما كانت هناك التوراة، نعم نزل وحي على موسى عليه السلام، لكن لم تكن التوراة منزلة. الآن في هذا المقام أنزل ربنا عز وجل التوراة، التوراة هو الكتاب المقدس، وهو الكتاب المقدس الوحيد الذي كتبه الله بيده جل في علاه. جاءت في ذلك الأحاديث الكثيرة، كما في قصة وحديث الشفاعة، عندما تأتي الأمم إلى الأنبياء فيأتون إلى موسى، فيذكرون ما كان من مناقبه ومن فضائله، وكيف أن الله عز وجل كتب له التوراة بيده سبحانه. وأيضًا جاء في الصحيح في قصة محاجة آدم مع موسى، حين قال آدم لموسى: «أنت موسى كليم الله الذي خط الله لك التوراة بيده سبحانه». ومن خصائص التوراة أن الله عز وجل أنزلها في ألواح، الله أعلم بما هي هذه الألواح، أنزلها الله بألواح دفعة واحدة. دفعة واحدة نزلت التوراة كاملة مكملة، لم يكن شأنها كالقرآن الذي نزل على شكل دفعات ومنجم خلال ثلاث وعشرين عامًا، لا، التوراة نزلت في ألواح، ونزلت كذلك كاملة دفعة واحدة على موسى. والتوراة، إخواني في الله، يعد أعظم كتاب مقدس سماوي بعد القرآن. إذا جئت إلى ترتيب الكتب المنزلة من حيث الأحكام والشرائع، القرآن على رأس الهرم، وبعد ذلك التوراة. ولهذا كثيرًا ما يذكر ربنا عز وجل التوراة في القرآن، لأنه كتاب مسطر معظم فيه الكثير من الأحكام. بل إن القرآن الذي بين أيدينا فيه إشارة فيه إشارة لبعض أحكام التوراة، لبعض نصوص التوراة. فمما جاء من أحكام التوراة ما يتعلق بمسألة القبلة، ما يتعلق بمسألة القبلة. القبلة أول ما كانت قبلة لآل الأنبياء والرسل هي قبلة أبينا إبراهيم عليه السلام، وهي الكعبة بناها إبراهيم، فكانت هي قبلة الأنبياء من لدن إبراهيم إلى من بعده، إلى أن أتى موسى عليه السلام، غيرت القبلة إلى بيت المقدس. ثم سار الأنبياء من بعد ذلك يصلون إلى بيت المقدس، حتى جاء نبينا صلى الله عليه وسلم، وكان يصلي إلى بيت المقدس في العهد المكي كاملًا، كان يصلي إلى بيت المقدس، وإلى أن جاءت الهجرة وذهب إلى المدينة، بقي عدة أشهر يصلي إلى بيت المقدس، حتى نسخت القبلة بعد ذلك، وأمره الله أن يتوجه إلى الكعبة. فمسألة القبلة، الأمر بأن تتوجه إلى بيت المقدس، كان موجودًا في التوراة. كذلك مما وجد في التوراة البشارة بعثة نبينا عليه الصلاة والسلام، فإن اليهود في كتابهم يقرؤون صفة نبينا عليه الصلاة والسلام، بل بالوصف الدقيق، بالوصف الدقيق الذي لا يختلف فيه اثنان. بل كما قال ربنا عز وجل: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾، كيف اليهود كانوا يعرفون نبينا كما يعرفون أبناءهم، لشدة الوصف الدقيق الذي جاء في أمر نبينا عليه الصلاة والسلام، بأن نبيًا سيأتي في آخر الزمان، وسيعيدكم إلى ملة أبيكم إبراهيم، يعرفون هذا، لكن جحدوا بعد ذلك وأنكروا بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام. مما جاء في أحكام التوراة، وقد جاء ذلك مبينًا في القرآن، ما جاء في قول ربنا عز وجل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، هذه موجودة في التوراة، موجودة في التوراة. أخذ الله عز وجل عليهم العهد بهذه المسائل: العقائد، والعبادات، والمعاملات، أن لا تعبدوا إلا الله، هذه عقيدة، وبالوالدين إحسانًا، وذي القربى، واليتامى، والمساكين، وقولوا للناس حسنة، هذه معاملات، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، هذه عبادات. هذا مما وجد في التوراة. وأيضًا مما وجد في التوراة: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾، لا تقتلون أنفسكم، حرم الله عز وجل عليهم قتل النفس، فقتل النفس محرم لا يجوز، ولا يجوز أن يخرجوا أنفسهم، بمعنى أن يخرجوا غيرهم من ديارهم، فلا يجوز أن يقوم المؤمن بإخراج مؤمن من داره، أو قبيلة تخرج قبيلة من أراضيها، هذا لا يجوز، هذا مسطر عندهم في التوراة. وهكذا مما جاء في التوراة ما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾، هذا موجود في التوراة، قد أفلح من تزكى وذكر ربه فصل، بل تؤثرون الحياة الدنيا، والآخرة خير وأبقى، إن هذا لفي الصحف الأولى، وجد في الكتب القديمة السابقة، ما هي؟ صحف إبراهيم وموسى. فكان التوراة يقرؤون هذه الآيات، وهي مسطرة عندهم في التوراة. وأيضًا مما وجد في التوراة، وقد جاء ذكره في القرآن، كما في قوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى * وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى * وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى * وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى * وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى * وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾، هذه الآيات كلها موجودة في التوراة. ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى﴾، ألا تزر وازرة وزر أخرى، إلى آخر الآيات، فيه بيان مساءلة الحساب والعقاب، وأن أحدًا لا يأخذ ذنب أخيه، بل فيه التذكير لهم بأحوال الأمم السابقة، وأنه أهلك عادًا الأولى، وثمود فما أبقى، وقوم نوح من قبل، هذه الأمم مسطرة عندهم في التوراة، وما فعل الله عز وجل بهم من الدمار، حين أنكروا وأعرضوا عن توحيد الله جل وعلا. بل ليست القصة بشكل عام، بل المفصلة، المفصلة، مثاله قصة يوسف عليه السلام، مثلًا التي نحن نقرأها في كتاب ربنا عز وجل، هي موجودة بتفاصيلها في التوراة، موجودة بتفاصيلها في التوراة. هذا كما ذكره بعض الباحثين مما وقف على التوراة بنفسه، قال: هي هي، اللهم إلا مسألة خفيت في قصة يوسف عندهم، ما هي؟ البئر، قصة رميه بالبئر، هذه ملغية عندهم في التوراة. طبعًا التحريف يب قد لعب عندهم لعب دورًا عظيمًا في التغيير لآي التوراة. وهكذا مما جاء أمره في التوراة كذلك مسألة الحدود، الحدود هذه مما جاء في التوراة. فعندما وقعت تلكم الحادثة، وهي حادثة الزنا في معشر اليهود، أتوا إلى رسول الله وترافعوا إليه، قالوا: ما هو الحكم في هذه القضية؟ فأوحى الله عز وجل إلى رسول الله قوله عز وجل: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾، كيف هذا؟ لماذا يأتون إليك وهم عندهم التوراة وما فيها؟ التوراة فيها حكم الله في هذه مسألة، مسألة فعل جريمة الزنا، حكمها في التوراة موجود. فلما جاء نبينا واستدعى التوراة، وأمر بفتحها، ودله بعضهم على محل حد الزنا، فإذا بآية الرجم مثل الذي عندنا، مثل الذي عندنا: «أن الزان يرجم»، هو عندهم وعندنا. وقد كتب الله عز وجل وكتبنا عليهم فيها: «أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص»، هذا المكتوب عليهم في التوراة. فالشاهد أن التوراة مليئة بالأحكام، والقرآن قد نقل لنا الشيء الكثير الموجود فيها. فالشاهد أن التوراة أنزلها الله عز وجل على موسى لكي يكون هو الكتاب المقدس المنزل على بني إسرائيل. هذا المقام، هذا مقام المناجاة بين موسى عليه السلام وبين رب العباد جل، فعلًا حرك في موسى شيئًا، كما يعبر بعض العلماء: أنه لما تلذذ بالخطاب ازداد شوقه لرفع الحجاب. حينها طلب من ربه أن ينظر إليه. ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه، قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾، أرني أنظر إليك. هنا من حبه لله عز وجل، بعدما أن سمع صوت ربه عز وجل، أحب أن ينظر إلى الله، وطلب ذلك من ربه: أرني أنظر إليك. فكان رد الرب عز وجل: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، إنك لن تراني. طبعًا ولا يفهم من هذه الآية ما يفهمها بعض الناس من أن رؤية الله لا تكون مطلقًا، لا، الخطاب هنا يتحدث عن طلب موسى لرؤية ربه في الدنيا، في الدنيا، فأخبره ربه أنك لن تراني، لن تستطيع على رؤيتي، لأن طاقة البشر وقدرة البشر محدودة. الله خلق الخلق في هذه الدنيا بقدرات خاصة بها تكون مجريات حياتهم، لكن لا يستطيعون بهذه القدرات الضعيفة أن يصلوا إلى رؤية الرب عز وجل، لأن هذا ما يستطيع عليه البشر، بخلاف الآخرة، فإن الله عز وجل يغير النشأة، ويهيئ الأجساد والأجسام إلى أن يكون عندها من القوة والقدرة ما لم يكن عندها في الدنيا. ولهذا أجمع أهل السنة على أن الله يرى يوم القيامة، يرى في الآخرة، يرى في الجنة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاظِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، وهكذا ما جاء في الأحاديث المتواترة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام بأن الله يرى يوم القيامة سبحانه. فموسى طلب أمرًا لا يقع في الدنيا، فقال له ربنا: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَرَانِي﴾، وذلك لصعوبة الأمر، بدليل ختام هذه الآية، قال: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾، هذا الجبل، وما هو الجبل في قوة أمام قوتك يا موسى؟ أنت لا شيء، أنت لحم، وأما هذا الجبل أصم. طبعًا وليس هذا الجبل، إخواني في الله، هو جبل الطور، قد بينا هناك مفاوز بين جبل الطور الذي فيه الآن بقربه بنو إسرائيل، وبين وادي طوى، هو الآن في وادي طوى، بينهم عشرات الكيلوات. لكن في وادي الطور هو يعتبر الآن في جنوب سيناء، وهذه المنطقة كما يقول المؤرخون أن فيها سلسلة جبلية شاهقة. فأمره ربنا عز وجل أن ينظر إلى جبل من هذه الجبال، فإن استقر مكانه فسوف ترى، إن صمد هذا الجبل على رؤيتي فقد تراني، ولكن هيهات. فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًا، قال المفسرون: أي فتت الجبل بعظمته، أصبح فتاتًا، ما استطاع أن يصمد أمام رؤية رب عز وجل، أو تجلي الرب سبحانه. وتعوجت وتعوجت عبارات المفسرين في قضية التجلي، ولست بقصد التفسير ها هنا. فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًا، ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾، صعق موسى، ما استطاع أمام هذا الموقف إلا أن خر صعقًا. هنا صعق موسى عليه السلام، هل بمعنى أن موسى مات عليه السلام أم أغشي عليه؟ قيل هذا، وقيل ذاك. منهم من ذهب إلى أن موسى صعقًا بمعنى مات، مات، ثم بعثه الله عز وجل، لأن صعقًا يأتي بمعنى الموت: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾، صعق أي مات، هلك. فذهب بعض العلماء إلى أن الصعق هنا الذي جرى لموسى هو الموت، ثم بعثه الله. لكن أكثر المفسرين يرون أن الصعق هنا بمعنى إغماء، وأنه أغشي عليه، وهذا هو الظاهر بقرينة أخرى، وهي في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾، فلما أفاق قال، والإفاق إنما يكون بعد الإغماء، وهذا هو الظاهر، والله تعالى أعلم. مما يذكر في هذه الحادثة ما كان من صعق موسى، ما جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تخيروا بين الأنبياء»، لا تخيروا أي تميزوا وتفاضلوا بين الأنبياء، «فإني أكون أولى من يفيق يوم القيامة»، فإذا بموسى عليه السلام آخذ بقائمة من قوائم العرش. يخبر نبينا عن موقف من مواقف القيامة، أن أول من يفيق في ساحة الحشر، فإذا به يرى موسى أمامه عليه السلام آخذ بقائمة من قوائم العرش. فقال عليه الصلاة والسلام: «فما أدري هل أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور»، يعني هل موسى قام قبلي وسبقني في الإفاق قبلي، أم أن موسى لم يصعق أصلا مع الصعق، لأن الله قد كفاه بصعقة الطور. ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾، فقيل هذا، وقيل ذاك. فالشاهد، إخواني في الله، أن هذا مما وقع لموسى في لقائه مع ربه عز وجل: الحوار والخطاب، إنزال التوراة، طلب الرؤية. ثم بعد ذلك قال ربنا لموسى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ أَمْرِكَ يَا مُوسَى﴾، وما أعجلك عن أمري يا موسى؟ ما الذي أعجلك؟ ما الذي أتى بك؟ لأننا قد ذكرنا أن موسى لم ينزل بني إسرائيل في المحل الذي ينبغي أن ينزلهم فيه، وإنما استعجل، استعجل لما دان من الطور وكل هارون: «اذهب وأنا سأذهب»، وما أعجلك يعني في تحركك إلى هذا المكان، في إتياني لهذا الموعد. قال: ﴿هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾، يعني يا ربهم ليسوا بعيدهم، بالقرب مني، وعجلت إليك ربي لترضى، يعني زيادة في البر وزيادة في الرضا، أسرعت في الموعد، بدأني أنتظر، وهيئ هؤلاء فيما كان أماكنهم، وفي محل استقرارهم، سيأخذ علي أيام وليالي ومدة. وكان موسى بالشوق العظيم إلى مناجاته الله عز وجل. ولما سيوحي إليه ربه. قال: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾، فأخبره ربنا عز وجل بأمر عظيم، قال: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾، أي وقعت فتنة عظيمة في بني إسرائيل في غيبتك. وهذا الذي سيجرنا إلى الشق الثاني، وهي قصة هارون، وما الذي صار مع هارون عندما افترق ببني إسرائيل، وفارق موسى وذهبوا إلى محل الاستقرار، ما هي الفتنة التي صارت؟ وكيف كان علاجها؟ وهذا سيأتي معنا بإذن الله في درس قادم. والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.