الدرس في أسس دعوة النبي صلى الله عليه وسلم 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبرز أهمية دراسة دعوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وفهم الأسس التي قام عليها عمله كداعٍ إلى الله. هذه الدراسة تعكس اهتمام النبي بمقام الدعوة وتوضح وظيفته.
توضح أن دراسة أسس دعوة النبي تعين على الاقتداء به وتحقيق النجاح في الدعوة كما تحقق على يديه. يمكن للدعاة والمصلحين من خلال هذه الدراسة أن ينهضوا بالأمة.
تعدد الفوائد من دراسة أسس دعوة النبي محمد، مثل فهم أهمية الدعوة والتعرف على أسسها. هذه الفوائد تعين المسلم على فهم دينه والتمييز بين الحق والباطل.
يشكل خاتمة للمباحث السابقة مع الدعاء أن ينفع الله بما قيل ويجعل السامعين من أهل الخير. يختم بالصلاة على النبي محمد.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، قد أشرنا إلى أننا في مثل هذه المقامات سنتدارس وإياكم ما يتعلق بالأسس التي سار عليها نبينا صلى الله عليه وسلم في مضمار دعوته. وقبل الشروع في هذه الدروس، أحب كذلكم أن أقف معكم في هذا المجلس في بيان أهمية هذا المبحث، وهو النظر والقراءة والدراسة في معرفة الأسس التي سار عليها نبينا صلى الله عليه وسلم، إذ أنها من المباحث المهمة. وتكمن أهميتها، إخواني في الله، في أمور تالية. الأمر الأول أن من خلال النظر في هذا المجال الدعوي من حياته عليه الصلاة والسلام، سنعلم مدى اهتمامه عليه الصلاة والسلام بمقام الدعوة، إذ أن الدعوة هي حياته عليه الصلاة والسلام منذ أن حمل رسالة الوحي والنبوة والرسالة، نهض بها صلوات ربي وسلام عليه، فقام بها خير مقام، ما ترك سهلا ولا جبلا ولا هضبة ولا واديا، ما ترك شعبا ولا قبيلة ولا عشيرة إلا وذهب إليها عليه الصلاة والسلام، وظهرت الدعوة في كل أحواله، في أقواله وفي أفعاله، بل وفي حركاته وسكناته كلها أراد بها دعوة إلى الله جل في علاه. بل هي وظيفته التي لأجلها بعثه الله، ﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله﴾، فكان داعيا إلى الله عليه الصلاة والسلام. وهذا المجال لم يكن خاصا به عليه الصلاة والسلام، بل هو له ولسائر الأمة المحمدية، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني﴾، ونحن أتباعه عليه الصلاة والسلام، إذن نحن كذلك ينبغي أن نخوض ما خاضه عليه الصلاة والسلام في الدعوة إلى الله، ندعو كما دعا. فلما تسمع مثل هذه الدروس العلمية الدعوية، هذه مما توقظ الهمم في أننا نسلك مسلكه عليه الصلاة والسلام. ومن هنا، إخواني في الله، كانت تنبيه على مسألة، نعم ذهب إليها جماعة من العلماء، وهو مما يناسب ذكره في هذه الفقرة، أن من العلماء عندما أراد أن يفرق بين النبي وبين الرسول، ذكروا أن الرسول من أوحى الله إليه بشرع وأمر بتبليغه، وأن النبي من أوحى الله إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه. في هذا المقام، انتقد جماعة من المحققين من العلماء هذه المقالة، قالوا: كيف هذا؟ نبي، نبي أوحى الله عز وجل إليه بالوحي، وأيده الله جل وعلا بالمعجزات والكرامات والآيات، ثم بعد هذا كله ما يؤمر بالتبليغ؟ إذن ما هذا؟ ولهذا يرى جماعة من العلماء أن هذا خطأ، وأن هذا قصور في تعريف النبي، وأن الصحيح في الأقوال من أقوال العلماء على أن الرسول وأن النبي كلاهما قد أوحى الله إليهما بالوحي، وكلاهما قد أمروا بالتبليغ. النبي أمر بالتبليغ، إذا كان الواحد منا الذي يرى نفسه من عامة المسلمين ينبغي أن يبلغ دين الله، فما ظنك بنبي؟ فهو من باب أولى وأحرى أنه يبلغ دين الله وما أوحى الله إليه. إذن، من فوائد دراستنا لأسس دعوة عليه الصلاة والسلام أن نشهد الهمم في أن نأتسي وأن نعمل بعمله، ونسلك مسلك الدعوة إلى الله. الفائدة الثانية من هذه الدروس، إخواني في الله، أن نتعرف على أهم الأسس التي سار عليها نبينا صلى الله عليه وسلم في دعوته. عندما دعا نبينا صلى الله عليه وسلم قومه، إنما اتخذ خطوات واتخذ مراحل، نحن بدورنا ينبغي أن نتعرف على هذه الخطوات، على هذه المراحل، على هذه الأصول، على هذه الثوابت التي سار عليها نبينا صلى الله عليه وسلم حتى نستمسك بها، نتعرف حتى نستمسك بها ونعمل بها، وذلك لأمرين اثنين. الأمر الأول أن هذه من سنته، إذ أن كل ما جاء عن نبينا عليه الصلاة والسلام يعد سنة، أقواله سنة، أفعاله سنة، وهكذا دعوته سنة، سنة نقتفي أثره وندعو بدعوة عليه الصلاة والسلام. فمن الخلل العظيم ما نسمعه من بعض الناس حينما يرون أن ما كان من دعوته هو عبارة عن مرحلة زمنية قد مضى عليها الزمن وانتهت، لا يا عبد الله، ومن قال بهذا؟ ما سار عليه نبينا نحن نسير عليه ولو كنا في القرن العشرين، إلى أن تقوم الساعة، لقول ربنا جل وعلا على لسان رسوله: ﴿لأنذركم به ومن بلغ﴾، كل من بلغ، ولو في نهاية الدنيا، ينبغي أن يسير على ما سار عليه نبينا صلى الله عليه وسلم. فلا نجعل، إخواني في الله، الفترة الزمنية حاجزا بيننا وبين رسول الله، فدعوته هي سنة لنا، نأتسي بدعوته، نرى كيف مضى، كيف دعا، كيف بلغ، في الترهيب في الترغيب إلى آخره. والأمر الثاني الذي لأجله نقتفي سنته في دعوة إلى الله جل وعلا، أن هذه الدعوة التي سار عليها نبينا بماذا تكللت؟ تكللت بالنجاح. وهذا الذي يريده الدعاة، يريده المصلحون، يريده كل الشعوب، على مستوى الراعي والرعية، الكل يريد أن ينهض، بأن يأتي بما يكون فيه استقرار الأوضاع والازدهار. وهذا الذي تحقق على يديه عليه الصلاة والسلام، فخلال برهة زمنية قصيرة قياسية، استطاع نبينا صلى الله عليه وسلم، والذي وجد نفسه في جزيرة عربية يعمها الفوضى والجهل والظلام، ثم غيرها في هذه الفترة الزمنية القياسية إلى أمة أقوى الأمم في الوجود في زمانهم، يحسب لها أعداؤها ألف حساب في الشرق والغرب. وكان أصحابها بالأمس رعاة غنم، ثم بفضله عليه الصلاة والسلام، بما واتاه الله به من الوحي والدعوة، أصبح قادة أمم. إذن، هذا أنموذج، أنموذج حي لنا، بأننا نستطيع أن نعرف مقومات نجاح الدعوة، بدل أن الواحد منا يبحث ويجتهد في معرفة الثورة الفلانية ونجاح القضية الفلانية، ما لنا بحاجة إلى هؤلاء، عندنا هذا النموذج الحي، عندنا هذا النبي الأمي عليه الصلاة والسلام. ننظر إلى أسس دعوته، كيف نجح؟ بل حتى الكفار، مع كفرهم، يعترفون بفضله وسيادته وسياسته عليه الصلاة والسلام. ذاك الكافر الذي ألف عن عباقرة العالم، أو ذاك الذي ألف كتابا حول رجال غيروا مجرى التاريخ، الكل متفق على أن الرقم واحد هو محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، لأنه لا نظير له، رجل أوحد استطاع أن يأتي بأمة بعقيدتها، بقوتها، هذا ما كان هذا أبدا. فنحن، يا أهل الإسلام، عندنا هذا النموذج، هو نبينا عليه الصلاة والسلام، ننكب على دعوته، ننظر إلى أصوله، إلى ثوابته، فنتعرف عليها، فنتأسى بها. وهذه الفائدة الثانية، وهي التعرف على أسس دعوته، لأمرين اثنين، لأنها من الدين وفيها أجر وعبادة، ولأنها مكللة بالنجاح. الفائدة الثالثة، من خلال تعرفنا على أسس دعوته عليه الصلاة والسلام، نستطيع من خلال ذلك الحكم على الفرق والجماعات والتيارات الموجودة في الساحة الدعوية، الكثير منها قد رفع راية الدعوة إلى الله جل في علاه، والكل أيضا يدعي وصلا بليلة، الكل يدعي بأنه على الجادة، حتى أصبح المسلم في حيرة من أمره، يتبع هذا، يتبع ذاك، والكل يدعي بأنه على الحق المبين. نقول: يا عبد الله، دع عنك التخبط، أدرس، افهم، اعلم كيف سار نبيك عليه الصلاة والسلام، ثم انظر إلى هذه التيارات، وإلى هذه الراية، من الذي هي أقرب إلى منهاجه؟ وهو القائل عليه الصلاة والسلام، مبينا هذا المقوم: «ما أنا عليه اليوم وأصحابي»، فإذا وجدت جماعة أو فرقة أو تيارا هم يسيرون على ما سار عليه نبينا في دعوته، اعلم أنها أمارة على نجاحهم، وأنهم سائرون على ما سار عليه نبيك. وإن رأيت أن جماعة ما بعيدة كل البعد عن أصول دعوته وعن ثوابته، اعلم أن هؤلاء في واد، وأنهم ليسوا من دعوة رسول الله، لا من قريب ولا من بعيد. الفائدة الرابعة مما تستفاد من هذه الدروس الدعوية العلمية، من النظر في الأسس التي سار عليها نبينا في دعوته، أننا من خلال هذه الدروس سنتعرف على كثير من أحواله ومن سيرته عليه الصلاة والسلام. قد ذكرنا أن الدعوة إلى الله قد شكلت الجانب الأكبر من حياته عليه الصلاة والسلام، فهذا يلزمنا إلى أننا نستقرئ حياته من البداية إلى النهاية، سنتعرف إلى أحواله في نفسه، مع غيره، مع أصدقائه، مع أعدائه، كيف كان في مرحلته الدعوية منذ أولها، ولما كان في مكة في الدعوة السرية، وما كان في هجرته وانتقاله، وما كان من تواجده في أرض يثرب في المدينة. هذه المراحل كلها سيرة سنضطر إلى أن ندخل إليها بالنظر والتمحيص، ونستفيد منها الأسس التي قام عليها نبينا صلى الله عليه وسلم وأقام دعوته. فالشاهد، إخواني في الله، هذه من أربع فوائد مهمة يستفيدها كل مسلم ومسلمة من خلال المتابعة لهذه الدروس الدعوية التربوية، والتي سنتدارس فيها وإياكم حول أسس دعوته. سنستفيد أهمية الدعوة في حياته، وهذا مما يعود علينا بأن نجهد هممنا، وأن نقوم بهذا المقام. الثاني، التعرف على أسس دعوته، فنعمل بها لأمرين اثنين، لأنها من دينه، ولأنها من أسباب نجاح الدعوات. الأمر الثالث، بها التمييز للتيارات والجماعات، إذ أننا سنقرنها بأصول دعوته عليه الصلاة والسلام. ورابعا، التعرف على كثير من أحواله وسيرته. هذا، إخواني في الله، من المباحث المهمة، وهي أيضا كمقدمة لما سيأتي معنا. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله جل وعلا أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.