شبابنا والفتن

المحاضرة بعنوان شبابنا والفتن، وكانت بمسجد الامام البخاري بالشحر 23 جمادى الأول 1439هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في الفتن واختبار المؤمنين

الخطيب يحذر من الفتن التي تزداد شدتها في الأزمنة الأخيرة ويبين أنها ابتلاء من الله لعباده. الفتن تميز الصادقين من الكاذبين وتؤثر على القلوب والمجتمع.

تحذير النبي من الفتن وطرق التعامل معها

النبي صلى الله عليه وسلم حذر من الفتن وخطورتها، ويشرح كيفية تأثيرها على القلوب والمجتمع. أهمية اجتناب الفتن والابتعاد عنها لتحقيق الثبات على الدين.

فتنة الشهوات وضرورة تحصين الشباب

الفتن التي يتعرض لها الشباب كثيرة وأعظمها فتنة الشهوات. الشرع يحث على تحصين الشباب من هذه الفتن عبر الزواج وحفظ الفرج والابتعاد عن الزنى والفواحش.

علاج فتنة الشبهات بالعلم النافع

فتنة الشبهات تصيب الشباب بسبب قصور في الفكر وتهور في القرارات. علاج هذه الفتنة يكون بالعلم النافع والشرعي القائم على الكتاب والسنة.

  • 28 جمادى الأولى 1439هـ - 13/02/2018مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله نحمد الله تعالى ونستعين ونستغفره ونعوذ بالله من الشرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فبعد البدء أولا نشكر الله عز وجل على ما وفقه وأعطى، سبحانه وتعالى. وكذلك أيضا نشكر إخواننا في هذا المسجد ونجوم هذا المسجد، وعلى رأسهم الإمام. وفضل الله تعالى لاحظهم هذه الخطة للمدارسة وإلقاء هذه الكلمات والتناصح. فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في صحيح مسلم في حديث تميم الداري يقول: «الدين النصيحة». قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم». فلهذا في التناصح عباد الله من أعظم الأمور التي ستكون بين أهل الإسلام، فقيام دين الله عز وجل بالتناصح فيما بينهم والتذاكر فيما بينهم. والله عز وجل يقول: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، سيتذكر من يخشى. ولهذا عباد الله كما تعلمون أن في هذه الأزمان كثرت الفتن وكثرت الشهوات والملذات، وكثرت أيضا عوارض هذا الدين العظيم. وللتمسك به أخبر بذلك نبينا الكريم صلوات الله وسلامه عليه في أحاديث كثيرة. وإن شاء الله تعالى في هذا المقام نستعرض بعض هذه الأحاديث، وكذلك بعض الآيات التي أخبرنا الله عز وجل بها. وأيضا أخبر فيها بقيام هذه الفتن وأنه ما من مسلم يعبد الله عز وجل إلا ولا بد أن يفتن في هذا الدين. والفتنة عباد الله هي اختبار وامتحان. سميت الفتنة من باب الاختبار والامتحان. وقيل: إن العلماء قالوا إن الفتنة سميت بذلك لأنها تفتن الشخص أو أن الشخص يفتتن بالاختبار والامتحان، مثل ما يدخل الذهب في الكير فيخرج منه ما كان ليس بذهب ويبقى ما كان ذهبا. فكذلك الإنسان يدخل في الفتنة وما كان فيه من أمور أصابته، وأيضا كذلك أمور عنده بخلاف الدين، فإن كان نجا بهذه الفتنة وأخرجها فيخرج مثل الذهب أحمر. كما قال بشر الحافي رحمه الله: في الإمام أحمد قال أحمد بن حنبل: «أدخل الكير أدخل الكير فأخرج ذهبا أحمر»، أي ذهبا أحمر من الصافي ليس فيه كذب ولا شوائب. فلهذا الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾، فدل على أن الفتن تميز أهل الصدق من أهل الكذب. ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾، هذا الخير جعله الله عز وجل، وهذا الشر في هذا الكون فتنة للإنسان وابتلاء للإنسان. ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، فالحياة ابتلاء واختبار وفتنة. فلهذا هذه الفتن تشتد في الأزمنة الأخيرة أن تأتي فتن عظيمة تتلاطم كموج البحر. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الفتن في أحاديث كثيرة. فمن ذلك ما جاء في صحيح مسلم من طريق عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة قال: دخلت المسجد فوجدت الناس مجتمعين على رجل، فقلت: من هذا؟ قالوا: عبد الله بن عمر. فسمعته يقول: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفر، فمنا من ينتظر ومنا من في جتره يصلح نبله». ومنا من في جتره في خيمته، إذ بمنادي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينادي: «الصلاة جامعة». قال: «فاستمعنا فقال رسول الله صلوات الله والسلام عليه: إنه كان حقا على كل نبي أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم». «ألا إن هذه الأمة جعلت عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها». تأتي الفتنة فيقول الرجل أو المؤمن: «هذه مهلكة». هذه تهلك من شدتها. قال: «تأتي الفتن يرقق بعضها بعضا». تأتي الفتن يرقق بعضها بعضا، يجعل بعضها بعضا كلما جاءت فتنة جاءت فتنة أعظم منها. سواء كانت هذه الفتنة فتنة الدين أو فتنة الدنيا، سواء كانت في الشبهات أو في الشهوات. وكل هذه فتن جعلها الله عز وجل ابتلاء لعباده. قالوا: «سيصيب آخرها بلاء». تأتي الفتنة يرقق بعضها بعضا. فتأتي فيقول المؤمن: «هذه مهلكة». هذه فتنة عظيمة. ثم تأتي أخرى فيقول: «هذه هذه». ثم قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأتي منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر». منيته أي موته، يأتيه الموت وهو مؤمن بالله واليوم الآخر. «وليأت الناس الذي يحب أن يؤتى إليه». هذه قاعدة عظيمة في المعاملات. أولا اعتقاد وقول، ثم معاملة. فهذه القاعدة عظيمة في المعاملات وتدخل فيها القول. «ويحب أن يؤتى إليه» الذي يحب أن الناس يقابلونه به فهو يقابل به الناس. إذا أراد الناس أن يتواضعوا له تواضعا للناس، إذا أراد الناس أن يقولوا له بالكلمة الطيبة والقول الطيب أيضا كذلك هو يبادلهم بذلك. وهكذا في جميع المعاملات أيضا، من يصدق الناس في معاملاتهم غالبا الناس يصدقونه. من يصدق الناس في أقوالهم كذلك، وغيرها من هذه الأمور. فليأت الناس ما يحب أن يؤتى إليه. عباد الله هذه الفتن كما قلنا فتن في الدنيا وهي عضيمة أعظم. ولهذا من فقه الإمام البخاري رحمه الله أنه لما ذكر كتاب الفتن أول ما ذكر الفتن ذكر فتن الدين. ثم ذكر بعد ذلك فتن الدنيا. فأول ما بدأ بحديث أسماء، حديث ابن أبي مليكة عن أسماء: «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يردن رجال إلى حوضي ثم يؤخذون ثم يؤخذون». فأقول: «أمتي». وفي رواية قال: «أصحابي». فيقولون: «إنهم رجعوا بعدك بالهوى». يقولون: «إنهم رجعوا بعدك بالهوى»، أي ما تبعوه وإنما بدلوا ورجعوا إلى الخلف. فلهذا ذكر الإمام البخاري هذا الحديث. ثم ذكر حديث عبد الله بن فود أيضا مثله. أراد أن يبين أن هذه فتنة أعظم فتنة الدين. وأن الإنسان يخرج عن اتباع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويتبع الهوى والبدع. فهذا فتنة عظيمة. وكذلك أيضا فتنة الشهوات والملذات والدنيا، وفتنة الشيطان وغيرها من هذه الفتن العظيمة التي عناها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الأحاديث. أو بذكرها في هذه الأحاديث والتحديث من الوقوع فيها. الإنسان إذا جاءت هذه الفتنة لا يدخلها إلى قلبه ويقع فيها واستشرفها. فإن هذا أمر عظيم. في حديث مالك بن يخامر عن ربعي بن حراش عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: «كنا عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال عمر: من يحدثنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الفتن؟». انظروا إلى عمر وفقهه العظيم رحمه الله، رضي الله عن عمر بن الخطاب الصحابي الجليل الذي بشره النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالجنة. يقول: «من يحدثنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما ذكر في الفتن؟». فذكروا رجال بعض الفتن. فقال عمر: «فتنة الرجل في أهله وماله وجاره تكفرها الصلاة والصيام والصدقة». هذه تكفرها الأعمال الصالحة. ثم قال: «إنما أسأل عن الفتن التي تموج كموج البحر». تموج فتن عظيم على أمواج كبيرة. وغالبا الأمواج ما تأتي كلها معا، إنما تأتي موجة ثم تأتي التي بعدها بعد قليل، ثم التي بعدها وهكذا. فتتابع هذه الفتن وهذه الموج. فأراد تتابع هذه الفتن التي هي فتن عظيمة كموج البحر. فقال حذيفة: «أنا يا أمير المؤمنين». أنا عندي خبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهذا. فقال: «قل». لله يا أبا. فقال حذيفة: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودا عودا». مثل عيدان الحصير، الحصير الذي يعمل من جديد النفيض. قال: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا». فأيما قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء. وأيما قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء. حتى تكون القلوب على قلبين: على قلب أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض. لأنه وطن نفسه على إنكار الفتن ما يدخل فيها كلما جاءت فتنة دخل فيها. لا قال: «أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض». والآخر كالكوز مجخي أو قال: «أسود مرباد». عن القلب الأقصر، أسود مرباد على أسود خالص. كالكوز مجخي، الكوز إذا نكسته صار ظلمة. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «كالكوز مجخي لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه». على الذي يهواه يجعله معروفا، والذي لا يهواه ولا يدخل في قلبه أو ولا يدخل في عقله يقول: «هذا تزمت هذا تصرف». هذا من هذا الكلام القبيح الذي يأتون به. وهذا بسبب أنه انقلبت فطرته، فصار المعروف عندهم منكرا، والذي جاء به الكفار وأهل الشهوات عنده حق ومعروف. انتكست فطرته. فهذا أيضا من الحديث الذي ذكرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الفتن. وهي كما قلنا حديث كثيرة. في حديث أبي هريرة الذي خرجه البخاري ومسلم: «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: يتقارب الزمان ويقبض العلم وتظهر الفتن». تقارب الزمان ويقبض العلم. وفي رواية في البخاري: «ينقص العمل». وتظهر الفتن أيضا كذلك. حذر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الفتن. وفي حديث زينب بنت جحش في صحيح البخاري: «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قام فزعا من نومه فقال: ماذا أنزل من الخزائن؟ ماذا أنزل من الفتن؟». من يوقظ صواحب الحجرات؟ أي أراد أزواجه. «رب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة». أيضا كذلك في حديث أم سلمة الذي ذكره مسلم عن هند بن تحارثة الفراسي عن أم سلمة زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وهو في البخاري قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «ويل للعرب من شر قد اقترب». ويل للعرب من شر قد اقترب. فسح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج. مثل هذا وحلق بين أصبعيه بالإبهام والسبابة. قالت أم سلمة: «تلك المرأة الفقيهة». قالت: «يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟». قال: «نعم إذا كثر الخبث». أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث». إذا كثر الخبث في الناس فإنه وعيد. وجاء وقتها، ولكن والعياذ بالله نسأل الله عز وجل أن يسلمنا وأن يعافينا. وإن شاء الله تعالى نترك المجال للشيخ أبي هاشم. فجزى الله خيرا أخانا أبا عبد الرحمن الذي قدم لهذه المحاضرة. وبإحسانه الظن بإخوانه. وهكذا شكرنا لأخينا الفاضل والشيخ العزيز أبي حمام حفظه الله تعالى ورعاه. وتقبل الله منه على الخير ما طرقه من هذا الموضوع المهم. وهو العروج على موضوع الفتن. وكم نحن إخواني في الله بأمس حاجة إلى طرق مثل هذه المواضيع بين الفينة والأخرى. وخاصة ونحن في هذه الأزمان، وذلك أولا لأننا ما منا من أحد رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا إلا وسيفتن شئت أم أبيت. قال ربنا جل في علاه: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. قال إمام المفسرين مجاهد رحمه الله تعالى: «معناه أن الله جل وعلا لا بد أن يبتلي عباده المؤمنين بحسب إيمانهم». ما منا من أحد إلا وسيفتن. الذكر والأنثى والطفل والكبير والعظيم والحقير والغني والفقير. زد على ذلك يا عبد الله من خطورة هذا الموضوع ما جئت به النصوص من كثرة الفتن. ليست واحدة ولا اثنتين ولا بالمئات ولا بالآلاف، الله أعلم بكثرتها. ففي البخاري: «صعد نبينا عليه الصلاة والسلام على قطم من أطام المدينة فقال: أصحاب هل ترون إلى ما أرى؟». قالوا: «لا نرى شيئا يا رسول الله». ما رأوا شيئا، لكن ما رأه نبينا وحي. قال: «إني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع القطر». المطر إخواني في الله إذا فقط على أرض ما يا ترى كم عدد القطرات؟ يمكن لأحد أن ينهض بعد ذلك؟ قطرات المطر هذا محال، هذا مستحيل. هذا نوع من الخبل ما يمكنك أبدا. فتخيل لقاء تبتلى به عليهم صلاة والسلام: «إني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع القطر». لكثرتها لكثرتها. زد على ذلك يا عبد الله مما يدلل على خطورة موضوع الفتن ما نرى من تساهل الكثير من الناس. سمعتم في الأحاديث المذكورة ثلفا ما يتعلق بتحذير شرعنا من أمر الفتن. لكن أين الناس؟ أين الناس الذين يعظمون من أمر الفتن؟ لا تجد أن الناس في سهو عظيم بهذا الباب الواحد. إذا سمع بفتنة هنالك لربما هرب إليها. هرب إليها ودخل في غمارها وأصبح فردا من أفرادها. أعوذ بالله مفتون مفتون. أراد الله فتنة. الشرع يا عبد الله أمرك إذا رأيت فتنة ما أن تمر فيها. «إن السعيد لمن جنب الفتن». «إن السعيد لمن جنب الفتن». «إن السعيد لمن جنب الفتن». هذا كلام المصطفى عليه الصلاة والسلام. السعادة في الاجتناب. ليس السعادة يا عبد الله أن تظهر عضلاتك في أيام الفتن. فتن التخريب وفتن التكثير وفتن التدمير وفتن القتل والقتال وتفكيك الدماء. أغرب منها يا عبد الله. قال عليه الصلاة والسلام: «إنها ستكون فتن». «فمن كان له إبل فليلحق بإبله». «ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه». «ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه». إن شغل بخاصة. دع الفتن لأهلها. «خلك خلك» من خاض فيها فهو خالك. سلمك الله يا عبد الله من الفتن. هذا الذي ينبغي للعقلاء الابتعاد عن الفتن لأنها لا تأتي بخير. إخواني في الله لا شك ولا ريب أن الفتن متى ما أحدقت بأحد منا فإنه على شفة جرف هار لا محالة. يكاد بعض الشر أهون من بعض. هناك طائفة من الناس إذا ابتلوا بالفتن فإن أمرهم عظيم وخطرهم جسيم. وإن كلنا معرضون للخطر. لكن هذه الفئة خاصة ينبغي أن تهتم قدر الإمكان من الوقوع في هوة الفتن. والذي أعنيهم إخواني في الله طائفة الشباب. فئة الشباب هذه الفئة وهذه المرحلة العمرية من الإنسان ينبغي أن يصان ويحمى من الفتن قدر الإمكان. مع أن الأصل ينبغي أن نحمل جميع الطفل والكبير والشيخ والشيخة والشاب والشابة الكل يحمى. لكن إخواني في الله إن كانت من همة يمكن أن تتوفر لدفع الفتن عن الشباب فكان أولى وأجدر. لما إخواني في الله لعدة أمور. الأمر الأول لأن الشرع اهتم بهم. الشرع اهتم بإنسان بكونه إنسانا بغض النظر عن مراحله. لكن الشرع أولى لفئة الشباب أهمية قصوى. قال عليه الصلاة والسلام: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع». «عن عمره فيما أثناه». «وعن شبابه فيما أبلاه». «وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه». «وماذا عمل بعلمه». فبينا عليه الصلاة والسلام أن ما من أحد إلا وسيسأل عن عمره فيما أثناه. ثم عقب بعد ذلك: «وعن شبابه». سن الشباب يا عبد الله له سؤال خاص عند رب العالمين. لماذا؟ لأهمية هذه المرحلة يا عبد الله. ليست كتبقى المراحل. سن الشباب يا عبد الله وسن الفتوة والقوة والجد والنشاط. ومن هنا كان ينبغي أن يصان هذه المرحلة عن أي فتنة. بالله عليك يا عبد الله لو أن شباب الأمة سقطوا في الفتن فضعفوا ومعوا وزاغوا عن دين الله جل وعلا. من ذا الذي يقوم بقيام البلدان وعمارة الأوطان؟ فإن البلاد والأوطان ما تقام إلا على سواعد الشباب. أمر في دعوة عليه الصلاة والسلام. من الذي قام أمامه؟ من الذي جاهد معه؟ من الذي حمل الرايات؟ من الذي ذهب إلى الغزو والقتال؟ حتى جاء في بعض الأحاديث: «وإن كان فيها ضعف الذي فيها يقول نبينا نصرت بالشباب». ضعيف لكن معنى صحيح. فكان الشباب هم القوة في صدر الإسلام الذين دافعوا عن الإسلام. ومن هنا إخواني في الله الاهتمام بهم أعظم لأنهم القوة والفتوة. وما يدخل أهل الجنة الجنة إلا بهذه المرحلة. فثبت في صحيح مسلم: «أن من نعيم الجنة كما قال عليه الصلاة والسلام: لا يبلى ثيابه ولا يسم شبابه». بل يبقون في هذا السن سن الشباب. إخواني في الله الفتن التي يبتلى بها شبابنا كثيرة. وحسب في هذا المقام الإشارة إلى فتنتين عظيمتين. الفتنة الأولى فتنة الشهوات. من أعظم الفتن التي تعصف بشباب الأمة. إذ أن الشاب في هذه المرحلة مظنة الوقوع في فتنة الشهوات. لما أودعه الله جل وعلا فيه من غريزة ومن شهوة. يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في جواب الجواب الكافي: «وشهوة الشاب وحدها أقوى مرحلة يكون فيها الشهوة أقوى من ذي غيره». ومن ثم جاءت الأحاديث الآمرة في إحصان الشباب. قال عليه الصلاة والسلام: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج». «فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج». لماذا اعتنى نبينا بالشباب؟ مع أن الكل ما من ذكر إلا وإحوج إلى شباب إذا ذلك؟ لماذا خص نبينا المقالة وخصها بالشباب؟ هم المظنة أن ينحرفوا خلف الغرائز والشهوات والملذات. فكان ينبغي أن نحصن قبل غيرهم. «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج». إذا كان هذا في عهد نبينا اهتم بإحصان الشباب. فما ظنكم في أزماننا؟ وها هي الفتن وها هي الشهوات تترامى أمام الشباب والشابات في كل مكان. ما إن يلتفت الشاب يمنة ويتر إلا ويرى الشهوات تترامى أمامه. في بيته في سوقه في ملعبه في محله في عمله في بره. حتى في جواله أمامه الشهوات. حتى في كيسه في جيبه. أخرج الجوال مليء بالفتن والشهوات تترامى أمامه. فيا أيها الشباب الحذر من هذه الفتنة. لأن إن ولجت فيك يا عبد الله ستفعل بك الأفاعيل. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي أمامة الباهلي. والحديث ذكره شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله رحمة واسعة في كتابه الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين. «أن أدهم مامه أخبر أن فتى شابا انتبه لهذه اللغة». نريدها ما الذي فعله؟ دخل شاب للمسجد ونبينا فيه. فنادى بأعلى صوته قال: «يا رسول الله ائذن لي بالذنب». يا الله انظر إلى الشهوات إذا تراقصت في قلب الشاب ما الذي تفعل به؟ لربما لا يحفظ لكلامي حساب فضلا عن أفعاله. قال: «يا رسول الله بأعلى صوته ائذن لي بالذنب». حتى ضج المجلس وضج الناس. قالوا: «ما يا شاب ما الذي تقول؟ ما اسكت». سمع نبينا بنداء الشاب. قال: «ادنه». حتى دناه. قال: «ما تقول؟». قال: «يا رسول الله ائذن لي بالذنب». انفجرت عندهم مكانة من الشهوة. يريد رخصة أن يفعل به ما يفعل. عن لوعة أن يخفف ذلك عن حدته. «ائذن لي بالذنب». فقال عليه الصلاة والسلام: «أترضاه لأمك؟». فقال للشاب: «يا رسول الله جعلني الله فداك لا ما أرضاه لأمي». قال نبي: «ولا الناس يرضونه لأمهاتهم». «أترضاه لبنتك؟». قال: «يا رسول الله جعلني الله فداك لا». قال: «ولا الناس يرضونه لبناتهم». «أترضاه لأختك؟». فقال: «لا يا رسول الله جعلني الله فداك». قال نبينا: «ولا الناس يرضونه لأخواتهم». «أترضاه لخالتك؟». قلت: «يا رسول الله جعلني الله فداك لا». قال: «ولا الناس يرضونه لخالاتهم». حينها ضرب نبينا بيده على فخذ الشاب. فقال: «اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحص فرجه». قال: «فخرج الشاب وما يلتفت لشيء». الشاهد إخواني في الله انظر لأمر الشهوة كيف إذا تراقصت ودخلت في قلوب الشباب تفعل بهم الأفاعيل. وأيضا لهذا ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: «يا شباب قريش لا تزنوا». «فإنه من حافظ فرجه دخل الجنة». هذه البشارة لمن تطاع من الشباب أن يقمع شهوة الشباب. يقمعها ويطاع لا ينجر في خلفها. صحيح يا عبد الله أيها الشاهد في هذه الأزمان. وللأسف أصبحت سبل الشر متاحة. للأمس كان الواحد إذا هم على معصية لو ربما ما وجد السبل التي تؤدي إلى المعصية والذنب. لكن في هذه الأزمان الشهوة تأتيك والشهوات تأتيك إلى قوار دارك. هذا ابتلاء من الله سبحانه وتعالى. إياك أن تنجر إلى الزنى واللواط والفعل الفواحش والشهوات. قال عليه الصلاة والسلام: «يا شباب قريش لا تزنوا». «من حافظ فرجه فإنه من حافظ فرجه دخل الجنة». الفتنة الثانية إخواني في الله من الفتن بعد الهدى إخواني في الله. نواصل في هذا الموضوع. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد. فأكمل الصلاة فأكمل وثلث. نواصل إخواني في الله حول موضوع الفتن وخاصة التي تعترض وتعترض الشباب. وكانت تختص تختصهم بالذكر من دون تأريخ الناس لما تعلمون لاعتناء الشرع بهم. وأيضا لخطورة انحرافهم. فإن انحراف الشباب عن الطريق المستقيم إخواني في الله. وليس فقط إهلاك لهم بل هو في الحقيقة إهلاك للمجتمعات جميعا. إذ إنهم العمدة وعليهم يقوم العمران وتقوم البنيان. وذكرني إخواني في الله من أعظم الفتن التي تعصف لشباب الأمة فتنة الشهوات. وننتقل إخواني في الله إلى الفتنة الثانية وهي لا تقل خطورة من الفتن التي تعصف لشباب الأمة. قال وهي فتنة الشبهات. فتنة الشبهات. الشاب والشباب إخواني في الله هم مظنة الوقوع في فتن الشبهات. لأن الشاب إخواني في الله في هذه المرحلة عند القصور في الفكر. قصور يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «والشيخ وإن ضعف بدنه إلا أن عقله أقوى من الشاب». الشيخ الكبير في السن. قال: «وإن ضعف بدنه إلا أن عقله أقوى من الشاب». الشباب إخواني في الله عنده طيش عنده تهور عنده اندفاع. الشاب لا ربما يجيب قبل أن يفهم. ويقدم قبل أن يتحرى. يتعجل الخطوات. يتعجل ردة الفعل. فلما كان هذا من طبيعة الشاب العجلة وعدم التأدب والقصور في الفهم. كان هذا من أعظم الدواعي إلى تلقف الشبهات. مما تتميز به الشبهة أنها أمور محدثة جديدة. ستجد أن الشباب تتبعون المستجدات من أفكار ومن أفعال ومن حركات بغض النظر من صوابها أو من ضلالها. المهم شيء جديد. وهنا نرى انظر في شباب الأمة ما من جديد إلا وهم القائمة. أشكال وألوان وصور وقصات والهباس وعبارات يقلدون. وهي أيضا أفكار الشاب يتقنص. فالأفكار ومنها الشبهات. ومن هنا إخواني في الله كان الشباب هم أكثر من يكسر ثوابت المبتدعة. انظر بالجماعات الضالة المارقة وعمل إحصائية من هم الأكثر فيها؟ الشباب. يؤيد هذا المعنى ما جاء في الصحيح. قال عليه الصلاة والسلام: «يأتي زمان يحدثاء الأسنان سفهاء الأحلام يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد وارم. يأتي على الناس زمان. يخبر نبينا أن من أمارات الساعة ظهور هذه الفرقة الضالة. ألا وهم الخوارج. ظهروا ظهرت الخوارج فرقة ضالة مارقة خرجت عن المسلمين بالقتل والقتال والتقتيل. لكن انظر ما طفاتهم؟ قال عليه الصلاة والسلام: «سفهاء الأحلام حدثاء الأسنان». قال صاحب النهاية: «قال وحداثة السن كناية عن الشباب». هكذا قال. حدثاء السن كناية عن الشباب. هي أن فرقة الخوارج مما تميز به كثرة الشباب في حق من انضم في سلكهم وفي تيارهم وفي تنظيمهم. ولا زال ولا زال يا عبد الله انظر يا منتظر ويسره. يا الخوارج في كل زمان ومكان. الذي يتلقف هذه الأفكار ومشببة سفهاء الأحلام حدثاء الأسنان. يقعون في الشبهات. روى الإمام مسلم في صحيحه قصة يزيد الفقير. يحكي هذا عن نفسه. قال: «كنت رجلا شابا فشغفني رأي الخوارج». شغف عقيدة. شغف تطلع أمر ظهر. فاراد أن يتقوم هذا الرأي. قال: «كنت رجلا شابا فشغفني رأي الخوارج». فخرجت في جماعة أو في عقابة ذوي عدد. أردنا أن نحج ثم نخرج على الناس بسيوفهم. قال: «نحج فنخرج على الناس». قال: «فمررنا بالمدينة فإذا بجابر بن عبد الله صحابي جليل رضي الله تعالى عنه يحث الناس وهو جالس إلى كرسي ويذكر الجهنميين». الجهنميون عبارة عن أناس أخبر عنهم النبي عليه الصلاة والسلام أنهم يدخلون إلى جهنم يعذبون على قدر أعمالهم. ثم يقولون مآلهم الجنة. ما من موحد ما من مثل صدق وعقل إلا ومآله الجنة. ولو بعد حين. لكن هو تحت المشيئة. إن شاء عذبه الله. إن شاء عفا عنه. هؤلاء هم الجهنميون. يدخلون إلى جهنم ثم يخرجون. هذه مسألة دخول وخروج تنافي عليها الخوارج. تنافي. فلما سمعوا هؤلاء وخاصة يزيد سمع بهذا الخبر. ما استطاع شاب متهور فقلت: «يا صاحب رسول الله انظر ما تقول؟». أيش هذا؟ جهنم يدخل ويخرج؟ قال: «قال الم يقل الله جل وعلا: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾». شبهات تضخمت في الشباب. ما يفهمون إلا الذي يلقنونه. فلقن بهذا. فسمعه جابرا رضي الله تعالى عنه. قال: «وتقرأ القرآن؟». قلت: «نعم». قال: «أعلمت بمقام محمد صلى الله عليه وسلم؟». قلت: «نعم». قال: «إنه المقام المحمود الذي يخرج الله به من يخرج من النار». ثم قام جابر وحدث بحديث الشفاعة. بحديث الشفاعة وكيف أن الله عز وجل يخرج من النار أناسا دخلوا فيها. يخرجهم بشفاعة الشافعين. ثم يعودون ثم يخرجون إلى الجنة. أنبهر الناس. أنبهر يزيد من هذه المقالة. قال: «فخرجنا فقلنا لبعضنا أترون هذا الشيخ يكذب على رسول الله؟». لا والله. قال: «فرجعنا وما خرج منا إلا رجل واحد الذي تولى كبره». أعرض. أعرض الله عنه. الشاهد إخواني في الله من هذه القصة. قال: «كنت رجلا شابا فشغفني رأي الخوارج». الشباب مظنة إخواني في الله الوقوع في الشهوات والشبهات. نأتي إخواني في الله إلى العلاج. كيف بالإمكان أن نعالج هذه الفتن التي تعصف بالأمة وخاصة تعصف بشبابنا؟ العلاج إخواني في الله نختصره ونختزل في أمرين اثنين. أولاهما بالعلم النافع. العلم النافع إخواني في الله أعظم ما ينبغي أن تتداعى له الهمم. له الهمم بجلب شباب الأمة إلى العلم. ما الذي أعنيه بالعلم؟ العلم الشرعي العلم القائم على الكتاب والسنة. معرفة شرع الله جل في علاه. ما الذي أمر الله جل وعلا به؟ وما الذي نهى عنه؟ تعلم العقيدة. أسف نأسف بشاب كبر سنه وقوي عظمه أن يسأل عن العقيدة. ما يفقه. ما العقيدة؟ عقيدتك بالله الله أعلم. الأسماء والصفات. الله أع