الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 82، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح هذا المحور بابًا من أبواب العقيدة يجمع بين الخوف من مكر الله والرجاء في رحمته، مستدلًا بآيات أمن القرى وكفرها بالنعمتين العظيمتين: الأمن والرغد. ويبين أن مكر الله صفة مقابلة لا تُطلق إلا على من مكر به، ليكون السائر إلى الله بين خوف ورجاء.
يبيّن المقطع أن الأمن من مكر الله مذموم ومحظور شرعًا، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ وقصر الأمن على القوم الخاسرين. ويؤكد أن المؤمن يسير بين الخوف والرجاء كجناحي طائر، مفرقًا بين القنوط والرجاء، وأن القنوط من رحمة الله من صفات الضالين.
يستعرض المقطع حوار الملائكة مع إبراهيم عليه السلام عند بشارته بالولد رغم كبره، مؤكدًا أن القنوط من رحمة الله ضلال وسوء ظن به من جهتين: الطعن في قدرته والطعن في رحمته الواسعة. ويضرب مثالًا واقعيًا لرجل طلق زوجته ليأسه من الإنجاب فحملت من غيره، داعيًا إلى عدم اليأس أبدًا من فضل الله وقدرته.
يختم الشيخ الدرس موضحًا أن المؤلف أراد من ذكر الآيتين والحديثين والمسائل الأربع بيان مقصود الباب. ويؤجل تفصيل ذلك إلى درس قادم، مكتفيًا بما تم تناوله في هذا اللقاء.
لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد: قال العلامة المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله: «باب قول الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾». أراد المؤلف في هذا الباب الذي بوب له بهذه الآية والآية التي تليها أن يجمع الإنسان في سيره إلى الله تعالى بين الخوف والرجاء. فمن لا يأمن مكر الله فقد ذهب الخوف من قلبه، فلا يخاف من عقوبة الله ومن مكر الله. ومن قنط أو قَنَط من رحمة ربه فقد ضيع الرجاء، فحمله القنوط على أن يتمادى في غيه وظلمه وبعده عن خالقه، فهو ضيع الرجاء. فأراد المؤلف بهذا أن يجمع السائر إلى الله بين الخوف والرجاء. فقوله: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾. قبل هذه الآية قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوْ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾. فقوله: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ﴾، هذه الآية فيها دليل على كمال الأمن الذي كانوا يعيشون، فهم في أمن وأمان. وقوله: ﴿أَوْ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾، أدى فيه دليل على كمال الأمن والرخاء والرغد في العيش، إذ لو كانوا فقراء لا يملكون شيئًا لشغلهم هذا الفقر عن طلب الكسب والمعيشة. فهؤلاء ليلهم نوم ونهارهم لعب، ليلهم نوم ونهارهم لعب، فهذا دليل على أن نعم الله عز وجل عليهم تترى. ومع هذا فقد كفروا هذه النعمة، وكما قال المفسرون: أن أعظم نعمتين من نعم الدنيا نعمة الأمن والرغد في العيش. ولذلك امتنى الله عز وجل بهاتين النعمتين على قريش، فقال: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾. فالأمن والرغد في العيش أعظم نعمتين من نعم الدنيا يتمتع بها أهل الدنيا. وثم قال الله عز وجل: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾. فأعظم نعمتين من نعم الدنيا نعمة الأمن والرغد في العيش. فهذه القرى كانت تتمتع بهاتين النعمتين: نعمة الأمن والأمان، ونعمة الرغد في العيش. فأمنوا مكر الله. والمكر هو التوصل إلى الإيقاع بالخصم من حيث لا يشعر، هذا يسمى مكرًا: التوصل إلى الإيقاع بالخصم من حيث لا يشعر. ومنه ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الحرب خدعة»، وهو بمعنى المكر، وهو بمعنى المكر. لكن قد يقول قائل: وهل يوصف الله عز وجل بهذا الوصف وأنه ماكر؟ فيقال: بارك الله فيكم، أن المكر في محله يكون محمودًا، المكر في محله يكون محمودًا لأنه يدل على قوة الماكر وأنه غالب على خصمه، وأنه غالب على خصمه. فإذا كان هذا المكر في مكانه فهو محمود. ولذاك الله عز وجل لا يوصف وصفًا مطلقًا بأنه ماكر، وإنما هذه الصفة من صفات المقابلة، يعني أن الله عز وجل يمكر بمن مكر به، كما قال الله عز وجل: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾، وكما قال الله عز وجل: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾. فالله عز وجل لا يمكر إلا بمن مكر، إلا بمن مكر به. مثل الاستهزاء من صفات المقابلة، لا يستهزئ إلا بمن استهزأ به، كما قال الله عز وجل في المنافقين: ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. وكذلك مثل وصف... كذلك مثل وصف... كذلك ماذا... من صفات المقابلة: الخداع، ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾، وهكذا الكيد: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾. هذه من الصفات الفعلية التي تكون بمشيئة الله أو حسب مشيئة الله سبحانه وتعالى. فالمكر لا يوصف الله سبحانه وتعالى به مطلقًا، وإنما هو من صفات المقابلة. فمعنى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾، هذا فيه ذم الأمن من مكر الله سبحانه وتعالى، وأن الإنسان يقيم على المعاصي ويقيم على الفجور وليس في قلبه خوف من أن الله عز وجل يسلب منه هذه النعمة، يسلب منه هذه النعمة. فالمؤمن إذا نظر إلى ذنوبه وإلى عدل الله عز وجل وشدة عقابه خاف وخشي من الله سبحانه وتعالى. وهكذا المؤمن كذلك، حتى إذا وفق للطاعة، إذا وفق للطاعة فإنه رجى من ربه تمام وقبول هذه الطاعة، وخاف أن ترد عليه هذه الطاعة، كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. جاء في حديث عائشة الذي يحسنه العلامة الألباني أن عائشة قالت: يا رسول الله، أهم الذين يزنون ويشربون الخمر؟ ذكرت له من أصناف الكبائر المعاصم، فقال لها: «لا يا بنت الصديق، إنهم هم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون ويخافون أن لا يتقبل منهم». فهذا من هذا الباب، مع أنها طاعة لكن أيضًا المؤمن يخشى أن يقصر في هذه الطاعة وأن لا يتقبل الله عز وجل منه هذه الطاعة. وهكذا في النعم يخشى أنه ما يؤدي شكرها، ومع هذا يرجو رحمة الله وثواب الله، فهو يجمع بين الخوف والرجاء في أي عمل وفي أي طاعة وفي أي قربة. لذلك قال العلماء: ينبغي للمؤمن أن يكون بين الخوف والرجاء كجناحي الطائر، لا يغلب أحدهما على الآخر، لا يغلب أحدهما على الآخر، فيكون في سيره إلى الله عز وجل بين الخوف والرجاء، بين الخوف والرجاء. وهذه الآية دلت على أن الأمن من مكر الله مذموم، وذلك بوجهين: الوجه الأول: النفي الموجود في هذا، يعني: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾، فالخاسر هو الذي يأمن من مكر الله، وهذا فيه ذم، هذا فيه ذم للأمن من مكر الله، للأمن من مكر الله. وأيضًا الاستدلال الآخر على ذم الأمن من مكر الله في قوله سبحانه وتعالى في الاستفهام الإنكاري، لأن قوله: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾، هذا الاستفهام ماذا يسمى؟ استفهام استنكاري، ينكر الله عز وجل عليهم ذلك. فذل ذلك على تحريم الأمن من مكر الله، تحريم الأمن من مكر الله، لوجود هذا السؤال الاستنكاري أو الاستفهام الاستنكاري. فإذا دلت الآية على تحريم الأمن من مكر الله من وجهين: الوجه الأول: أنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون، فالخاسر الخسارة الحقيقية هو الذي يأمن من مكر الله. والاستدلال الثاني: الاستفهام... ماذا؟ الاستنكاري، الاستفهام الاستنكاري. وأما الآية الثانية وهي قوله: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾. القنوط هو أشد اليأس. فرق بين القنوط واليأس، فقالوا: القنوط هو أشد اليأس، لأن الإنسان يقنط ويبعد الرجاء والأمل، يبعده تمامًا، فكأنه يجزم أن لا يرحمه الله أو أن لا يحقق الله له ذلك، فيجزم بذلك، فهذا يسمى قنوطًا أو قنوطًا. واليأس هو أقل منه، فقد يستبعد وقوع الشيء لكن يأمل أن يقع، ولو يعني بنسبة ضعيفة، ولو بنسبة ضعيفة. فقالوا: القنوط أشد اليأس، القنوط أشد اليأس. وهذه الآية... من الذي قال ذلك؟ إبراهيم عليه السلام. فقال إبراهيم لما بشرته الملائكة: ماذا قال؟ ﴿أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ * قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ * قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾. قال: ﴿أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ * قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ * قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾. فهنا إبراهيم بشر بالولد وقد بلغ من الكبر عتيًا، من الكبر عتيًا. وهذا كثير من الناس... من الكبر... الكبر... نعم، الكبر يعني السن. الكبر... الآية جاءت... نعم، وقد بلغت من الكبر عتيًا، من الكبر عتيًا. الكبر... تمام. الكبر... لا لا، الكبر... من الكبر عتيًا... نعم. فإبراهيم قالت له الملائكة: لا تقنط. إنه قال في الآية: قال: ﴿بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾. فقال إبراهيم: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾، يعني: أنا لست بقانط، وما يقنط من رحمة ربه إلا الضالون. والضال هو التائه الذي يعني فقد الهداية، فهو التائه الذي لا يدري ما يجب لله، ما يدري ما يجب لله. فلذلك لا يقنط المسلم. وقال العلماء: إن القنوط فيه سوء ظن بالله، القنوط من رحمة الله فيه سوء ظن بالله، وذلك من وجهين: الوجه الأول: أنه طعن في قدرته سبحانه وتعالى. أنت الآن سنك مثلا سبعون سنة، تقول: خلاص، أنا ما سيأتيني ولد. ها تقنط، تقول: أنا ما سيأتيني ولد. هل أنت تشك في قدرة الله؟ الله على كل شيء قدير. معك زوجة عشرين سنة ما حملت، تقول: خلاص، هذا معبتي بشيء، وما تدري إلا ورزاك الله بولد. لا تقنط، الله عز وجل على كل شيء قدير. فالذي يقنط هذا فيه سوء... ماذا؟ فيه سوء ظن بالله، إذ أنه... نعم، لا تيأس. لعل يعني أطباء قالوا: عقيم. تمام، لكن الله عز وجل على كل شيء قدير. أنا أذكر لك قصة: هذا وقعت مع رجل أعرفه جيدًا، كان متزوجًا بامرأة، فتأخر الإنجاب، فذهب يعالج، قالوا له: ما في فائدة، هذه المرأة عقيم، ما عندها... يعني حيوانات منوية. فطلقها، فتزوجت بآخر، فأنجبت، أنجبت مع الآخر. هذا قصة حقيقية، هذا قصة حقيقية. أن الطبيبة... عدها امرأة متخصصة في النساء والولادة والعقم ونحو ذلك، قالت له: لا تتعب نفسك، هذه المرأة ما عندها... يعني حيوانات منوية. كيف... كيف سيتم... يعني الأشي... سمونه التلقيح... كيف سيتم التلقيح؟ قال: دخلت فيها اليأس، قال: فما صبر، قال: طلقتها، وجاء واحد، قال: تزوجها، ما هي... السنة، وأنجبت له. قال: هذا سبحان الله، يعني الله عز وجل على كل شيء قدير. نعم، فأنت لا تقنط حتى ولو قالوا لك: هذا لا يمكن، أو هذا كذا. الله عز وجل على كل شيء قدير، فلا تيأس، وإنما اجعل رجاءك بالله سبحانه وتعالى. مرض، قال لك الأطباء: هذا سرطان خطير، لا... إلا موت، لا يمكن تعيش. لا تقنط، ادعُ الله. وكم من إنسان هكذا قيل له، فدعا الله، وذهب إلى بيت الله الحرام، وشرب من ماء زمزم، وشفاه الله، وذهب به من مرض. لا تيأس، لا تقنط من رحمة الله، الله عز وجل على كل شيء قدير. فكما ذكرنا: أن الذي يقنط من رحمة الله هذا فيه سوء ظن بالله من جهتين: الجهة الأولى: أنه طعن في قدرة الله، فالله عز وجل على كل شيء قدير. والشيء الثاني: أنه طعن في رحمة الله، فلعل الله يرحمك، ورحمة الله واسعة، ورحمة الله واسعة. فلا تقنط من رحمة الله سبحانه وتعالى. هذا هو الذي أراده المؤلف من ذكر هذا الباب، ومن ذكر هاتين الآيتين، ومن ذكر هاتين الآيتين، وذكر حديثين: حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وحديث موقوف على ابن مسعود، وذكر أربع مسائل. فلعلنا نؤخر ذلك في درس قادم. نكتفي اليوم بما أخذنا، وإلى هنا والله تعالى أعلم.