الدرس في مختصر فقه الأسماء الحسنى 51، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يُبيّن المقطع أن اسم الله "الوارث" ورد بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع قرآنية، ومعناه أن الله هو الباقي بعد فناء الخلق فيرث الأرض ومن عليها. ويستعرض تفسير الآيات الدالة على هذا الاسم، ومنها دعاء زكريا عليه السلام متوسلاً به طلباً للذرية الصالحة.
يوضح المقطع أن الإيمان باسم "الوارث" ينبه الغافلين إلى زوال الدنيا وعدم الانشغال بها عن العبادة، مستشهداً بقول أبي إسحاق الإلبيري "لم تخلق لتعمرها ولكن لتعبرها". ويختتم بخطبة عمر بن عبد العزيز التي تذكر بأن الإنسان لم يخلق عبثاً بل للمعاد والحساب.
يذكر المقطع أن الأمن الحقيقي يوم القيامة لمن حذر اليوم وباع الدنيا الفانية بالآخرة الباقية، ويبين أن الإنسان من أصلاب الهالكين وسيرحل إلى القبر مفارقاً الأحباب محاسباً على عمله. ثم يحث على تقوى الله والإنفاق في سبيله مستدلاً بآيات سورة الحديد وحديث النبي صلى الله عليه وسلم أن المال الحقيقي ما تُصدق به وبقي ذخراً للآخرة.
يشير المقطع إلى أن ما يجمعه الإنسان في الدنيا يفنى ويبلى، ولا يبقى سوى الله ذو الجلال والإكرام. ثم يختم المتحدث الحديث مكتفياً بهذا القدر.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر -حفظه الله تعالى- في كتابه "مختصر فقه الأسماء الحسنى": اسم الله الوارث. قال: وقد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع، كلها بصيغة الجمع، يعني "الوارثون"، بصيغة الجمع، ما جاء بصيغة الإفراد في القرآن. قال: وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾. استدل العلماء بهذه الآية على إثبات اسم الوارث لله عز وجل. وقوله تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾. كما هي طريقة المؤلف، يذكر أولاً أدلة الاسم، ثم معناه، ثم ما يدل عليه من أثر، وكذلك ما يدل عليه من دلائل. قال: ومعنى الوارث: أي الباقي بعد فناء الخلق. هذا معنى الوارث، الباقي بعد فناء الخلق، فهو الذي يرث الأرض ومن عليها، أي يفنيها، فلا يبقى إلا وجهه سبحانه وتعالى، كما قال الله عز وجل: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾. فكل من على هذه الدنيا فانٍ وزائل، فهذا معنى الوارث: الباقي بعد فناء الخلق. قال: فكل من سواه زائل، وكل من عداه فانٍ، وهو جل وعلا الحي الذي لا يموت، الباقي الذي لا يزول، إليه المرجع والمنتهى، وإليه المآل والمصير، يفني الملاك وأملاكهم -الملاك أو الملاك، الملاك، نعم جمع "ملك"- يفني الملاك وأملاكهم، ويرث تبارك وتعالى الخلق أجمعين، لأنه باقٍ وهم فانون، ودائم وهم زائلون. هذا كالتوضيح لمعنى اسم الله الوارث، وأنت إذا تأملت الآيات التي ورد فيها هذا الاسم، رأيت فيها هذا المعنى، كما سيذكر. قال: فقوله: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾، أي: نرث الأرض ومن عليها بأن نميت جميعهم، لأن الآية جاءت في معرض ذكر الحياة والموت، فكل من على هذه الأرض فانٍ وميت، فيبقى ربنا سبحانه وتعالى الذي يرث الأرض ومن عليها. فقوله: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾، أي: نرث الأرض ومن عليها بأن نميت جميعهم، فلا يبقى حي سوانا إذا جاء ذلك الأجل، إذ الجميع يفنى وكل يموت، ويبقى الله وحده الحي الذي لا يموت. وأما في الآية الأخرى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾، هذه الآية فيها توسل بهذا الاسم، اسم الله الوارث، وهو داخل في عموم قول الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾. فمن التوسل المشروع التوسل بأسماء الله، أن تذكر الاسم المناسب للمطلوب لهذا الدعاء، فتقدمه بين يدي الدعاء. فزكريا هنا عليه السلام طلب الولد، حتى يكون هذا الولد ذكراً له ووارثاً له بعد موته، فناسب أن يأتي بهذا الاسم في هذا المقام: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾. إنما أنت الذي ليس لك وارث، فأنت الذي ترث الأرض ومن عليها، أما المخلوق فوجود الوارث صفة كمال له، وجود الولد صفة كمال له، الإنسان المخلوق، فناسب أن يأتي بهذا الاسم: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾. وكما أنك ترث الأرض ومن عليها، فارزقني بولد يرثني، ﴿وَيَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً﴾. وكذلك في الآية الثالثة: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾. فالقرى الظالمة أهلكها الله لأنهم عصوه وكذبوا رسله، فأهلكهم وأبادهم، فأصبحت قراهم خاوية على عروشها، لا يسكنها أحد ولا ينزل بها أحد، لأن الله عز وجل هو الوارث الذي يرث الأرض ومن عليها، وكل من عليها فانٍ، ومن أولئك الخلق هذه القرى الظالمة، هذه القرى الظالمة. فـ "كم" هنا ليست استفهامية، وإنما هي خبرية، بمعنى: قرى كثيرة ظلمت أنفسها فأهلكها الله. ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾، لم تشكر نعمة الله عليها، فطغت وبغت، فأهلكها الله عز وجل. قال المؤلف -حفظه الله-: وفي هذا، يعني في الإيمان باسم الله الوارث، وأنه الباقي بعد فناء الخلق، وإن كل ما على هذه الأرض فهو فانٍ وزائل وذاهب، إذا آمنت بهذا، ففي هذا تنبيه لمن ألهته الدنيا وشغلته عما خلق لأجله وأوجد لتحقيقه، أن الدنيا وما فيها من أولها إلى آخرها ستذهب عن أهلها ويذهبون عنها، وسيرث الله عز وجل الأرض ومن عليها، ويرجعهم إليه فيجازيهم بما عملوا فيها. فمن مقتضى إيمانك بهذا الاسم: ألا تتعلق بهذه الدنيا، وألا تشغلك عما من أجله خلقت، وهي عبادة الله. وهذا معنى قوله: "وشغلته عما خلق لأجله"، فالإنسان لم يخلق من أجل أن يعمر هذه الدنيا، ومن أجل أن يجمع من أموالها وثرواتها، فيشغله ذلك عما من أجله خلق، وهي عبادة الله. فالله، فالله عز وجل هو القائل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. فلم تخلق في هذه الدنيا من أجلها، وإنما من أجل العبادة، ولم تخلق لتعمرها، ولكن لتعبرها. "فجد لما خلقت من قائل" هذا البيت عندك يا رافت: "ولم تخلق لتعمرها ولكن لتعبرها، فجد لما خلقت". هذا مر معنا، أبو إسحاق الإلبيري، هذه القصيدة التي أخذناها وشرحناها في هذا المركز، وفي مثل هذا الوقت، يعني بين مغرب وعشاء. ثم ذكر المؤلف هنا موعظة وخطبة بليغة مؤثرة لعمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى-، إمام العدل والزهد والعلم. فقال: وكان آخر خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز، أن حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإنكم لم تخلقوا عبثاً، ولن تتركوا سدى. وهذا في القرآن: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾. في الآية الأخرى، سورة القيامة: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾. فقال هنا: فإنكم لم تخلقوا عبثاً، ولن تتركوا سدى، وإن لكم معاداً ينزل الله فيه للحكم بينكم والفصل بينكم. وهذا أيضاً دل عليه القرآن، دل عليه القرآن. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾. وهكذا: ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾. قال المفسرون: جاء لفصل القضاء، وغيرها من الآيات. قال: فخاب وخسر من خرج من رحمة الله، وحرم جنة عرضها السماوات والأرض. ألم تعلموا أنه لا يأمن غداً إلا من حذر هذا اليوم وخافه، وباع نافداً بباقٍ، يعني باع الدنيا لأنها نافدة، بالآخرة لأنها باقية. وباع نافداً بباقٍ، هذا خاب وخسر، وخسر. قال: ألم تعلم أنه لا يأمن غداً إلا من حذر هذا اليوم وخافه، وباع نافداً بباقٍ، يعني باع الدنيا من أجل الآخرة، فترك هذه الدنيا، ترك هذه الدنيا ولم يتعلق بها، واشترى الدار الآخرة، وقليلاً بكثير، لأن هذه الدنيا متاع، ﴿وَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا إِلَّا قَلِيلٌ﴾، وخوفاً بأمان، لأن هذه الدنيا دار الخوف، ودار كذلك الأحزان، فباع هذا الخوف بما يكون في الجنة من الأمن وذهاب الهم والحزن: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾. قال: ألا ترون أنكم من أصلاب الهالكين، يعني ممن هلك من البشر، أنتم من أصلابهم، فأصل البشر آدم، وهكذا من بعده من صلبه، ونحن من أصلاب من سبقنا، وكما قال الله عز وجل: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً﴾. قال: ألا ترون أنكم من أصلاب الهالكين، وسيكون من بعدكم الباقون، حتى تردون إلى خير الوارثين. ثم إنهم في كل يوم تشيعون غادياً، يعني راحلاً يموت، فتشيعون، ورائحاً إلى الله عز وجل، قد قضى نحبه وانقضى أجله، حتى تغيبوه في صدع من الأرض، يعني في لحده، شق من الأرض، في بطن صدع، في بطن صدع، غير ممهد ولا موطأ، ما فيه فراش وما فيه وساد أبداً، قد فارق الأحباب، وباشر التراب، وواجه الحساب، مرتهن بعمله، غني عما ترك، فقير إلى ما قدم. هذه موعظة بليغة. ثم قال: فاتقوا الله عباد الله، قبل انقضاء مواثيقه ونزول الموت بكم. ثم جعل طرف ردائه على وجهه، أي أخذ طرف الرداء الذي يوضع على الكتف، ووضعه على وجهه، فبكى وأبكى من حوله. رحمه الله رحمة واسعة. وأما من آثار هذا الاسم، ومقتضى الإيمان به، أنه يدفع العبد على الزهد في الدنيا، وكثرة الإنفاق والصدقة في سبيل الله. وهذا قد أشار الله عز وجل إليه في القرآن، في سورة الحديد. قال الله عز وجل: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، ورسوله. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. إذا أنتم تعلمون أن الله سيرث الأرض ومن عليها، وهذا المال سيذهب سدى، سيذهب بعد موتك، فإذا أنفق من هذا المال، وأبذل في التصدق به، فهذا الذي ينفعه، وهذا الذي ترثه في يوم القيامة. ولذلك جاء في صحيح مسلم، من حديث عبد الله بن الشخير -رضي الله تعالى عنه-، أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، يعني ألهاكم جمع هذه الدنيا، جمع هذه الدنيا والتكاثر فيها. ثم قال عليه الصلاة والسلام: "يقول ابن آدم: مالي، مالي. وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، وما لبست فأبليت، وما تصدقت فأمضيت؟". هذا هو مالك: إما شيء أكلت فذهب، خلاص أفنيت، أو شيء لبست، بلي وذهب، ما يبقى، أو شيء تصدقت به، فبقي لك، وصار ذخراً لك يوم القيامة، فأمضيت. فهذا هو حقيقة ما يجمعه الإنسان ويتكاثر به في هذه الدنيا، يذهب ويبلى، ولا يبقى إلا ذو الجلال والإكرام سبحانه وتعالى. طيب، نكتفي بهذا. وإذا هنا، والله تعالى، زال ترجمة نانسي، ترجمة نانسيلا.