الدرس في التعليق على المنظومة الهائية للحكمي 7، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح المقطع أن السعادة الحقيقية تنال بالتقوى والعمل الصالح، وأن أهل الجنة يفوزون بنعيم لا يخطر على قلب بشر جزاء لإحسانهم في الدنيا. يستدل المحاضر بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تؤكد أن الجنة تُورث بحسن الأعمال.
يستعرض المقطع أوصاف نعيم الجنة الواردة في القرآن الكريم كقُرَّة الأعين، والحور العين، والروضات، والظلال، وتحقيق المشتهيات، وشراب التسنيم للمقربين. ويشير إلى أن الإمام ابن القيم جمع وصفاً جامعاً مختصراً للجنة في كتابه «حادي الأرواح» يبين كمالها وطهارتها من كل عيب.
يقدم المقطع وصفاً مفصلاً لمكونات الجنة من تربة وسقف وأنهار وأشجار وثمار وطعام وشراب وآنية وأبواب وظل وخيام ولباس وفرش، مع ذكر هيئة أهلها من حيث السن والجمال والخدم والمطايا. ثم يخصّ بالذكر الحور العين فيصف جمالهن الفائق، وطهارتهن، ودوام شبابهن، وتأثير رؤيتهن في سرور أهل الجنة وإضاءة قصورهم.
يختتم العلامة ابن القيم كلامه بوصف حلاوة المعاشرة الزوجية ومشروعية الاستمتاع بالزوجة في إطار الشرع. ثم يختم بالدعاء بطلب الجنة والاستعاذة من النار، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. وبعد: قال العلامة الشيخ حافظ الحكم رحمه الله تعالى في قصيدته الهائية في الترغيب والترهيب: «فإن تك من أهل السعادة والتقى، فإن لها الحسن بحسن فعالها، تفوز بجنات النعيم وحورها، وتحبر في روضاتها وظلالها، وترزق مما تشتهي من نعيمها، وتشرب من تسنيمها وزلالها». قوله: «فإن تك من أهل السعادة والتقى»، أي: هذه النفس التي قدمت على الله عز وجل وهي من أهل السعادة والتقى. وهذا فيه دليل على أن السعادة إنما تكون بالتقى، إنما تكون بالإيمان والعمل الصالح، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾. فإذا قدمت تلك النفس وهي من أهل السعادة ومن أهل التقى، فإن لها الحسن، أي: الجنة، وسميت بالحسن لأن الله عز وجل يحسن إلى أهلها، وكما قال الله عز وجل: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. أي: من قدم على الله وهو محسن، فإن الله عز وجل يجازيه على الإحسان إحسانا، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ أي: الجنة، ﴿وَزِيَادَةٌ﴾، وسيأتي معنا ما المراد بالزيادة، وهو النظر إلى وجه الله عز وجل. وقوله: «بحسن فعالها»، أي: إنما تنالوا هذا الإكرام وهذا الإحسان بحسن فعالها في هذه الدنيا. فإن الله عز وجل إذا أدخل أهل الجنة إلى الجنة، قال سبحانه وتعالى لهم: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي: بسبب حسن أعمالكم في هذه الدنيا. وكما قال الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾، هنيئا بما أحسنتم من أعمال صالحة في الأيام المنصرمة الماضية في هذه الدنيا. فهذا معنى قوله: «فإن لها الحسن بحسن فعالها». ثم بين شيئا من نعيم الجنة ومما يكرم به أهل الجنة في الجنة، وكما هو معلوم من عنوان هذه القصيدة فإنها قصيدة في الترغيب والترهيب، فقد مضى معنا أن المؤلف رهب من الدنيا وزهد فيها، ورغب في الآخرة وحث عليها، وها هو الآن يردف بهذه المسألة الأخرى في الترغيب والترهيب. فالآن يرغبنا المؤلف في الجنة، فذكر لنا من ينال هذه الجنة، وإذا نالها فما له فيها، وما النعيم الذي يتنعم به فيها. فقال: «وبعدما سيذكر نعيم أهل الجنة سيرهب من النار والعياذ بالله فيما سيأتي معنا من أبيات إن شاء الله». قال: «تفوز بجنات النعيم وحورها، وتحبر في روضاتها وظلالها». أي: أن هذه النفس التقية المحسنة في هذه الدنيا تفوز بجنات النعيم، وسميت بجنات النعيم لأن أهلها ينعمون فيها بكل ما يشتهون، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: «قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». كل هذا لأهل الجنة في الجنة. وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، جزاء بما كانوا يعملون، بحسن فعالهم في هذه الدنيا نالوا هذه الجنة التي نعيمها لا يتصوره متصور، ولا يتخيله متخيل. فكل ما خطر على بالك ففي الجنة أعظم وأعظم مما خطر على بالك. ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾، أي: ما تقر به أعينهم، أي: ما تسر به أعينهم. هذا معنى قوله سبحانه وتعالى: ﴿مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾، أي: مما تقر به الأعين من حسن منظره ومن عظيم نعيمه، فإن العين إذا نظرت إليه تسر أيما إسرار، أو أيما سرور. فقوله: «تفوز بجنات النعيم»، أي: التي أعدها الله نزلا لعباده المتقين وأوليائه المقربين، وذلك هو الفوز العظيم. وقوله: «وحورها»، الحور هو من نعيم الجنة، ولكن أردفه هنا: أولا عمم، ثم خصص بعض نعيم هذه الجنة، فذكر أول ذلك الحور العين، وهن أزواج أهل الجنة، وسيأتي معنا من كلام ابن القيم شيئا من وصف هذه الحور، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم نعيم الجنة. ثم قال: «وتحبر في روضاتها وظلالها». «تحبر في روضاتها»: تحبر أي تنعم، هذه النفس التي هي من أهل السعادة والتقى، والتي أحسنت في هذه الدنيا بفعالها، تحبر في روضاتها، أي: تنعم في روضات الجنة، في روضاتها أي: روضات الجنة. وهذا مقتبس من قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾، أي: في روضة من رياض الجنة ينعمون، ينعمون. «وظلالها»: أي أن الجنة كذلك مما يتنعم فيها أهل الجنة الظلال. وقوله: «وترزق مما تشتهي من نعيمها»، أي: هذه النفس ترزق في الجنة مما تشتهي، كل شيء يشتهيه ساكن الجنة فإنه يناله ويحقق له، كما قال الله عز وجل: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾، كل ما تشتهيه النفس في الجنة يناله ذلك الساكن في الجنة. «وترزق مما تشتهي من نعيمها، وتشرب من تسنيمها وزلالها»، أي: تشرب من أعظم مشروب في الجنة، من أعظم مشروب في الجنة، وهذا مقتبس من قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾، أي: مزاج هذا الشراب، شراب أهل الجنة، من تسنيم. والتسنيم هو أعلى أشربة الجنة، أعلى وأفضل وأعظم أشربة الجنة، ولذلك خصه الله عز وجل للمقربين، فقال سبحانه وتعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾، ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾. فهنا ذكر شيئا من نعيم الجنة، ونعيم الجنة كثير جدا، جاء في كتاب الله، وجاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف هذا النعيم في آيات كثيرة، وفي أحاديث كثيرة من أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام. ولقد أحسن الإمام ابن القيم عليه رحمة الله، فقد وقفت له على كلام في وصف الجنة هو أجمع وهو أجمل ما ذكر، بل وأخصر ما ذكر في وصف الجنة مما جاء في القرآن وفي سنة خير الأنام عليه الصلاة والسلام. وهذا الكلام ذكره رحمه الله تعالى في كتابه «حادي الأرواح»، في كتابه «حادي الأرواح». فإن شاء الله نقرأه عليكم بنصه لما فيه من الاختصار والجمع وحسن العبارة. فقال رحمه الله تعالى: «وكيف يقدر قدر دار غرسها الله سبحانه وتعالى بيده، وجعلها مقرا لأحبائه، وملأها من رحمته وكرامته ورضوانه، ووصف نعيمها بالفوز العظيم، وملكها بالملك الكبير، وأودعها جميع الخير بحذافيره، وطهرها من كل عيب وآفة ونقص». هذا الوصف أولا وصف على سبيل الإجمال، ثم فصل رحمه الله تعالى فقال: «وإن سألت عن أرضها وتربتها فهي المسك والزعفران، وإن سألت عن سقفها فهو عرش الرحمن، وإن سألت عن بلاطها فهو المسك الأذفر، وإن سألت عن حصبائها فهو اللؤلؤ والجوهر، وإن سألت عن بنائها فلبنة من فضة ولبنة من ذهب، لا من الحطب والخشب، وإن سألت عن أشجارها فما فيها شجرة إلا وساقها من ذهب، وإن سألت عن ثمرها فأمثال القلال ألين من الزبد وأحلى من العسل، وإن سألت عن ورقها فأحسن ما يكون من رقائق الحلل، وإن سألت عن أنهارها فأنهارها من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى، وإن سألت عن طعامهم ففاكهة مما يتخيرون، ولحم طير مما يشتهون، وإن سألت عن شرابهم فالتسنيم والزنجبيل والكافور، وإن سألت عن آنيتهم فآنية الذهب والفضة في صفاء القوارير، وإن سألت عن سعة أبوابها فبين المصرعين، أو بين المصرعين مسيرة أربعين من الأعوام، وليأتين عليها يوم وهو كظيم من الزحام، وإن سألت عن تصفيق الرياح لأشجارها فإنها تستفز بالطرب من يسمعها، وإن سألت عن ظلها ففيها شجرة واحدة يسير الراكب المجد السريع في ظلها مئة عام لا يقطعها، وإن سألت عن خيامها وقبابها فالخيمة من درة مجوفة طولها ستون ميل من تلك الخيام، وإن سألت عن لباس أهلها فهو الحرير والذهب، وإن سألت عن فرشها فبطائنها من إستبرق مفروشة في أعلى الرتب، وإن سألت عن أسنانهم فأبناء ثلاثة وثلاثين على صورة آدم عليه السلام أبي البشر، وإن سألت عن وجوه أهلها وحسنهم فعلى صورة البشر القمر، وإن سألت عن سماعهم فغناء أزواجهم من الحور العين، وإن سألت عن غلمانهم فولدان مخلدون كأنهم لؤلؤ مكنون، وإن سألت عن مطاياهم التي يتزاورون عليها فنجائب أنشأها الله مما يشاء تسير بهم حيث شاء من الجنان». ثم استطرد رحمه الله تعالى في ذكر وصف الحور العين، فقال رحمه الله تعالى: «وإن سألت عن عرائسهم وأزواجهم فهن الكواعب الأتراب التي جرى في أعضائهن ماء الشباب، فلا الورد والتفاح ما لبسته الخدود، ولا الرمان ما تضمنته النهود، ولا اللؤلؤ المنظوم ما حوته الثغور، ولا الرقة واللطافة ما دارت عليه الخصور. وتجري الشمس في محاسن وجهها إذا برزت، ويضيء البرق من بين ثناياها إذا ابتسمت. إذا قابلت حبها فقل ما تشاء في تقابل النيرين، وإذا حادثته فما ظنك بمحادثة الحبين. وإن ضمها إليه فما ظنك بتعانق الغصنين. يرى وجهه في صحن خدها كما يرى في المرآة التي جلاها لمعانها، ويرى مخ ساقها من وراء اللحم ولا يستره جلدها ولا عظمها ولا حللها. لو اطلعت على الدنيا لملأت ما بين الأرض والسماء ريحا، ولطمست ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم. ونصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها، لا تزداد على طول الأحقاب إلا حسنا وجمالا، ولا يزداد لها طول المدى إلا محبة ووصالا. مبرأة من الحمل والولادة والحيض والنفاس، مطهرة من المخاطي والبصاق والبول والغائط وسائر الأدناس. لا يفنى شبابها ولا تبلى ثيابها، كلما نظرت إليها ملأت قلبه سرورا، وإذا برزت ملأت القصر والغرفة نورا، وإذا انتقلت من قصر إلى قصر قلت هذه الشمس متنقلة في بروج فلكها. وإذا حاضنت زوجها فيا حسن تلك المحاضنة، وإن خاصرته فيا لذة تلك المعانقة والمخاصرة، وإن غنت فيا لذة الأبصار والأسماع، وإن قبلت فلا شيء أشهى إليه من ذلك التقبيل». انتهى كلام العلامة ابن القيم عليه رحمة الله. اللهم إن نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل. وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، والحمد لله رب العالمين. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر