الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 9، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع الدليل على أن لفظ الإسلام عند إطلاقه مفرداً يشمل الدين كله إيماناً وإحساناً، مستدلاً بالآية الكريمة وأحاديث النبوة. ثم ينتقل إلى تعريف الإسلام بالأركان الخمسة عند التفصيل مستشهداً بحديث جبريل المشهور.
توضح المقالة أن الشهادتين هما أول أركان الإسلام الخمسة ومفتاح دخول الدين وخروج الدنيا ومفتاح الجنة. كما تبين أن الشهادتين تمثلان أعلى شعب الإيمان بضع وستين شعبة وأن لفظ الإيمان في حديث الشعاب يطلق على الدين كله.
يشرح المقطع أن شهادة التوحيد تتطلب ثلاثة أركان هي النطق باللسان والعلم بالمعنى واليقين القلبي الجازم مستدلاً بالآيات والأحاديث. ويبين أن من فقد أحدها لا يعد مؤمناً حقيقياً مع توضيح منهج أهل السنة في الجمع بين النصوص.
يوضح المقطع أن النبي ﷺ أمر بقتال الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله. فإذا شهدوا بذلك حرم على المسلمين قتالهم مع الإشارة إلى تفصيل شروط هذه الشهادة لاحقاً.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فما مثل من يحرم نفسه مجالس العلم في هذا المركز إلا كمثل رجل بجانبه بئر عذب لا يستفيد من هذا البئر، لا يشرب ولا يغتسل منه ولا يتطهر منه، فهذا حرمان، والله المستعان. وقد يقول قائل: بعضهم يخرج من شغله وأعمال هي أهم من جلوسه، فالكلام ليس على هذا، الكلام على من يخرج ثم يجلس في الشارع وعلى الدكة وبالقيل والقال، فهذا إعراض واضح. وقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾. فوالله حرمان عظيم يوم أن نرى البعض يترك مجالس العلم وينصرف من غير ضرورة ولا حاجة ولا عمل هو أهم من جلوسه في مجالس الذكر، فهذا من باب النصيحة لأمثال هؤلاء أن يتداركوا أنفسهم، وأن كذلك يقفوا مع أنفسهم وقفة منصف ووقفة ناصح لأنفسهم، والله المستعان. يقول المؤلف رحمه الله تعالى: السؤال الرابع عشر: ما الدليل على شموله الدين كله عند الإطلاق؟ ما الدليل على شموله الدين كله عند الإطلاق؟ وهذا السؤال تبع للسؤال الذي قبله، لما قال: كم مراتب دين الإسلام؟ قال: هي ثلاث مراتب: الإسلام والإيمان والإحسان، وكل واحد منها إذا أطلق شمل الدين كله، فكأن سائلاً يسأل: ما هو الدليل على أنه عند الإطلاق، إطلاق هذه المراتب الثلاث، بمعنى ذكرها وحدها أنها تشمل الدين كله؟ ما هو الدليل على ذلك من القرآن ومن السنة؟ وعلم أهل السنة مبني على الدليل. فأجاب رحمه الله: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، فقوله: إن الدين، ما هذا الدين؟ لم يقل: عند الله الإسلام والإيمان والإحسان، قال: الدين عند الله الإسلام، إذن ماذا يشمل الإسلام؟ هذا يشمل الإيمان والإحسان، فلما أطلق هنا شمل الدين كله، هذا دليل واضح بما ذكره المؤلف رحمه الله. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ»، الحديث في مسلم من حديث أبي هريرة، والشاهد منه: بدأ الإسلام، والإسلام أول ما بدأ بدأ بجميع مراتبه، لا بمرتبة الإسلام بمعناه الخاص وهو الأعمال الظاهرة، بل كانت المرحلة المكية مرتكزة على الجانب الإيماني العقدي، ومن معاني مرتبة الإيمان، فإذا قوله عليه الصلاة والسلام: «بَدَأَ الْإِسْلَامُ»، أطلق هنا فيشمل الإسلام والإيمان والإحسان، وهكذا في آخر الزمان، ما يثبت على هذا الإسلام بمعناه الشامل إلا الغرباء الذين تمسكوا بهذا الدين، تمسكوا بهذا الدين بأعماله الظاهرة والباطنة. وقال صلى الله عليه وسلم: «أَفْضَلُ الْإِسْلَامِ إِيمَانٌ بِاللَّهِ»، فدل ذلك على أن الإسلام هنا بمفهومه الشامل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أدخل الإيمان فيه في هذا الحديث، أدخل النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان في الإسلام، فإذن شمل الإسلام الإيمان. وقال: وغير ذلك كثير، بمعنى أنه ذكر بعض الأمثلة، وإلا هناك أمثلة كثيرة وردت في الكتاب والسنة تبين أنه عند الإطلاق يشمل الإسلام الدين كله، وعند إطلاق الإيمان يشمل كذلك الدين كله، ولم يذكر الإيمان ها هنا لأنه سيأتي في هذا الكتاب أسئلة خاصة به، فالكلام الآن على الإسلام وعلى أركانه وعلى لا إله إلا الله ومعناها وشروطها ونحو ذلك مما يتعلق بأركان الإسلام، وإلا فقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾، وقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، الإيمان هنا يشمل الدين كله لأنه لم يقترن معه الإسلام ولا الإحسان، وهكذا عند الإطلاق أي مرتبة من هذه المراتب دون اقترانها بمرتبة أخرى فتشمل هذه المرتبة الدين كله. السؤال الخامس عشر: ما الدليل على تعريفه بالأركان الخمسة عند التفصيل؟ يعني عند الاجتماع بغيره، الإسلام قلنا يتوجه إلى الأعمال الظاهرة ومنها الأركان الخمسة. قال: قوله، أي الدليل، قوله صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل، قوله صلى الله عليه وسلم في حديث سؤال جبريل إياه عن الدين، حديث عمر المشهور: «بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» إلى آخره، فقال: «الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا»، فذكر في هذا الحديث مراتب الدين الثلاث: ومنها الإسلام ثم الإيمان ثم الإحسان. وقول صلى الله عليه وسلم: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ»، وهذا حديث ابن عمر في الصحيحين، فذكر منها: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً، فذكر هذه غير أنه قدم الحج على صوم رمضان، وكلاهما في الصحيحين. فإذا سئلت عن أركان الإسلام فهذه هي الخمسة. فها هنا الإسلام المراد به كل ما بعث به النبي صلى الله عليه وسلم وأركانه خمسة، فالأركان هو الذي يعتمد عليها الإسلام مثل البناء، هذا المسجد عبارة عن أركان يقوم عليها المسجد، وبين الأركان جدران، صح، وبين الأركان جدران، فالإسلام كهذا البناء يعتمد على هذه الخمسة الأركان، وبينها أعمال أخرى، وبينها أعمال أخرى، فمثلاً الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هذا من أعمال الإسلام، الذكر من أعمال الإسلام، تلاوة القرآن من أعمال الإسلام، الإحسان إلى الخلق من أعمال الإسلام، وهكذا. السؤال السادس عشر: هذه الأسئلة اختصرها المؤلف لأنها ظاهرة وواضحة فلا تحتاج إلى كثير استدلال، فاكتفى بما ذكر. قال: السؤال السادس عشر: ما محل الشهادتين من الدين؟ يعني ما منزلة الشهادتين، المراد بالشهادتين: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فما منزلتهما في هذا الدين؟ لا شك أن محلهما من الدين رفيع، فهما الدين كله ظاهره وباطنه وأوله وآخره، فالشهادتان أول ما يدخل بهما في الدين، أول من يقول: أنا أريد أن أسلم، ماذا يقال له؟ هل يقال له: قم صلِّ؟ أو: خلاص أنت الآن تريد تسلم، اذهب إلى الحج؟ لا، أولاً لابد أن ينطق بالشهادتين، وإن لم يستطع نطقها يلقن، يلقن هاتين الشهادتين، فهي أول ما يدخل بهما في الدين. ولذلك معاذ، لما النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً إلى أهل اليمن، ماذا قال له؟ «فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ»، هذا أول قبل الصلاة، وقال: «فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ»، وهكذا ذكر له الزكاة ونحو ذلك، فإذا هذا يدل على أن الشهادتين منزلتهما في الدين رفيعة، إذ بهما يدخلوا في الدين. بل وهما الشهادتان آخر ما يخرج به من الدنيا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ»، نعم، فالشهادتان منزلتهما عظيمة، فهي أول الواجبات وأول الأولويات كما مر معنا في حديث معاذ، وأهم المهمات، فهذه الشهادة هي مفتاح الإسلام ومفتاح دار السلام، أي الجنة، من لم يأتِ بمفتاح لا إله إلا الله يوم القيامة لا يدخل الجنة، لكل شيء مفتاح، ومفتاح لا إله إلا الله، ومفتاح الجنة لا إله إلا الله محمد رسول الله. نعم، ولأجل هذه الشهادة كما تقدم معنا في سؤال مضى، خلق الله عز وجل الخلق، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، قال ابن عباس: أي ليوحدون، وكلمة التوحيد هي لا إله إلا الله، وهكذا خلق الله الجنة والنار بأجل هذه الكلمة، وانقسم الناس إلى سعداء وإلى أشقياء بسبب هذه الكلمة، وفصل بين أهل الإيمان وأهل الكفر بسبب هذه الكلمة، فهي أعظم أركان الإسلام بل وأعلى شعب الإيمان، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً»، فأعلاها ماذا؟ قول لا إله إلا الله، أعلاها قول لا إله إلا الله، فأعلى شعب الإيمان لا إله إلا الله، والإيمان هنا أطلق فيشمل الدين كله، وهذا أيضاً من الأدلة على أن المرتبة من مراتب الدين إذا أطلقت شملت الدين كله، فالنبي صلى الله عليه وآله قال: أعلاها قول لا إله إلا الله، هذا عمل باطني، وأدناها ماذا؟ إماطة الأذى عن الطريق، هذا عمل قلبي أو ظاهر؟ هذا عمل ظاهر، إذن المراد بالإيمان هنا الدين كله، المراد بالإيمان هنا ماذا؟ الدين كله، المراد بالإيمان هنا الدين كله، ما هو دليل على ذلك؟ ذكر إماطة الأذى عن الطريق، فهذه من أعمال الإسلام، لكن لما لم يقترن لفظ الإسلام مع الإيمان شمل لفظ الإيمان الدين كله، فإذن هذه الشهادة من رفعتها وعلو منزلتها أنها أعلى شعب الإيمان. ويكفي في منزلتي ورفعة هذه الكلمة وهذه الشهادة أنها الشهادة التي شهد الله عز وجل بها لنفسه، فقال سبحانه وتعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، فهذه أعظم شهادة، من أعظم شاهد على أعظم مشهود عليه، انظر لعظم هذه الكلمة، هذه الآية دلت على أنها أعظم شهادة، أعظم شهادة من أعظم شاهد وهو الله سبحانه وتعالى على أعظم مشهود عليه وهو لا إله إلا الله، فانظروا إلى عظم هذه الشهادة. ومعنى أشهد، لنعلم حقيقة الإتيان بهذه الشهادة، كيف نحقق شهادة أن لا إله إلا الله؟ لنعلم أولاً أن الشهادة تشمل أو تتضمن ثلاثة أمور في كل شيء، الشهادة تضمن ثلاثة أمور: الأمر الأول: اليقين والتحقق، لا يمكن للإنسان أن يكون شاهداً وهو شاك أو متردد، لا بد أن يكون على يقين وأن يكون متحققاً من شهادته، هذا الأمر الأول. الأمر الثاني: العلم، أن يكون عنده علم بهذه الشهادة، فإذا كان جاهلاً، على ماذا يشهد؟ والثالث: أن ينطق بهذه الشهادة حتى يؤديها، حتى يؤديها. فإذن شهادة أن لا إله إلا الله تعني أولاً: النطق بها، النطق بها، ثانياً: الإخبار بما يعلم منها وهو العلم بمعناها، وثالثاً: التحقق واليقين بمعناها، فلا يكون العبد شاهداً أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله حتى يجمع هذه الثلاث، ولذلك ذكر أهل العلم أن الإنسان لو قال: أنا عندي هذه الشهادة، فقيل له: طيب قل أشهد أن لا إله إلا الله، قال: لا ما سأقولها، لكن أنا أعتقدها، قال أهل العلم: وهذا بالإجماع أنه لا يدخل في الإسلام من أبى أن ينطق بهذه الشهادة، لا يعد مسلماً، لا يعد مسلماً ولا يدخل في الإسلام. وكذلك من نطق بها ولكنه لم يتيقن ويتحقق من معناها الذي يقتضي العمل بها، فهذا لا يكون مؤمناً ولا يكون مسلماً بل هو منافق، وقد قال الله عز وجل في شأن المنافقين: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾، كذبهم الله لماذا؟ لأنهم يقولون هذه الشهادة بألسنتهم ولم يعتقدوا معناها ويتحققوا من معناها بقلوبهم، فقلوبهم مليئة بما يناقضها من الكفر بها ومن كذلك العداوة لأهلها ونحو ذلك، فكذبهم الله سبحانه وتعالى. فإذا الشهادة تشمل هذه الثلاثة: أن تنطق بها، وأن تعلم معناها، وأن تتيقن بما تدل عليه من هذا العلم ومن هذا المعنى، فبهذا يكون العبد شاهداً أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. اضرب مثلاً فيمن أتي به ليشهد في المحكمة، أتي بشخص، فلو يريدك أن تكون شاهداً في المحكمة، شهادة، جاء عند القاضي قال له: تشهد أن فلاناً سرق؟ سكت، شاهد، هل هذا يسمى شاهداً؟ هذا ما يسمى شاهداً. طيب نطق، قال: نعم هذا سارق، قال: أنت متأكد؟ قال: لا، رأيت كأن أحداً يشبهه، أنا لست متأكداً، هل تثبت هذه الشهادة؟ لا تثبت هذه الشهادة. طيب لو قال له القاضي: ما علمك بهذا؟ كيف عرفت أن هذا... تشهد أن هذا سرق؟ كيف علمت أن هذا سرق؟ قال: والله ما أدري كيف سرق، هذا يعتبر شاهداً؟ لا يعد شاهداً. وكذلك الشهادة فيما نحن فيه، فلا بد أن يجمع هذه الثلاث الخصال، فهذا معنى قوله: ما محل الشهادتين من الدين، لا يدخل العبد في الدين إلا بهما وباجتماع هذه المعاني الثلاث المذكورة وهي: النطق والعلم واليقين، أو يقال كذلك التحقق من معناه. ثم ذكر الدليل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾، فهذا إنما في اللغة العربية أداة حصر، فحصر الإيمان في هؤلاء، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾، ففيه نفي الريبة، وهي ضد اليقين والتحقق، اليقين والتحقق، إذن دلت هذه الآية على أن من زعم الإيمان ولم يتيقن من هذه الكلمة فليس بمؤمن. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا»، ما قال: حتى يقولوا، وما ورد من بعض الأحاديث: حتى يقولوا، حديث صحيحة، فتحمل على ما تقدم، لأن أهل السنة ينظرون إلى النصوص نظرة إنسان مبصر بعينين، لا ينظر إلى طرف من الأدلة ويتعامى عن الطرف الآخر، وهم ينظرون بعينين مبصرتين، بخلاف أهل الأهواء فإنهم ينظرون بعينين إحداهما ليست بمبصرة فيها عمى، فيأخذون جانباً ويتركون جانباً من الأدلة. فهذا الحديث جاء بالشهادة، وعرفنا: حتى يشهدوا، يقول هذه الكلمة، يتيقنوا معناها ويعلموا بمعناها، وسيأتي معنا أيضاً في شروط هذه الكلمة تقرير لهذه المعاني الثلاثة، تقرير لهذه المعاني الثلاثة. فها هنا في الحديث قال: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ»، فقال: حتى يشهدوا، فإذا شهدوا حرم على المسلمين أن يقاتلوا من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. طيب، نكتفي بهذا اليوم، وإلى هنا، والله تعالى.