الخطبة بعنوان فضل ذكر الله، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 5 رمضان1437هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض الخطيب فضائل ذكر الله تعالى كأعظم العبادات وأيسرها، مستنداً إلى آيات قرآنية وأقوال ابن القيم وابن تيمية التي تصفه بأنه حياة للقلوب وقوت للروح. ويبين أن الذكر يطرد الشيطان ويزيل الهموم، وأن القرآن الكريم هو أسمى أنواع الذكر.
يسلط الضوء على عظمة تلاوة القرآن وتدبره في شهر رمضان، مؤكداً أن الذكر والاستغفار من أعظم القربات التي تجلب الأجر والحياة للقلوب والبيوت. ويستدل بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تدعم ذلك.
يحث على الإكثار من الاستغفار اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم، ويوضح فضل مجالس العلم كحلق ذكر تحفها الملائكة وتغشاها الرحمة. كما يحذر من الأذكار البدعية الجماعية المحدثة غير الواردة في السنة.
يختتم المجلس بتكبيرات وشهادة التوحيد تليها عبارات شكر متكررة، مما يعبر عن انتهاء الدعاء أو الخطبة بالامتنان. ويظهر هذا الختام روح الخشوع والامتنان لله تعالى.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى أمرنا بعبادة عظيمة تعد من أجل وأفضل العبادات، بل ومن أيسرها وأخفها؛ لأنها متعلقة بحركة اللسان التي هي أخف حركات الجوارح. هذه العبادة عباد الله هي ذكر الله سبحانه وتعالى، فقد أمرنا ربنا عز وجل بهذه العبادة في مواطن كثيرة، وبين لنا أثرها وفضلها. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾. أيها المسلمون عباد الله، إنك سيتبين لك عظم هذه العبادة وفضلها وأجرها ومكانتها إذا علمت فضلها وإذا علمت فوائدها. ولذلك ذكر العلامة ابن القيم عليه رحمة الله في كتابه «الوابل الصيب من الكلم الطيب» ذكر فوائد كثيرة لذكر الله سبحانه وتعالى، أوصلها إلى بضعة وسبعين فائدة، وذكر قبل ذلك أن للذكر أكثر من مئة فائدة. أيها المسلمون عباد الله، لو لم يكن في فضل ذكر الله عز وجل إلا أنه حياة للقلوب فهو يورث القلب الحياة. قال ابن القيم عليه رحمة الله: «الذكر للقلب كالماء للسمك، الذكر للقلب كالماء للسمك، فكيف تكون السمكة إذا أخرجت من الماء؟ فهكذا القلب لا يحيا عباد الله إلا بذكر الله سبحانه وتعالى». الذكر عباد الله قوت الروح والقلب. قال ابن القيم عليه رحمة الله: قال شيخي أبو العباس بن تيمية عليه رحمة الله: «الذكر قوت للروح والقلب، فإذا فقده العبد كان بمنزلة الجسم إذا حيل بينه وبين قوته». أرأيت هذا الجسد إذا منعته من الطعام والشراب ماذا سيحصل له؟ إنه الموت والوهن. فهكذا القلب عباد الله لا يحيا إلا بذكر الله سبحانه وتعالى. وقال ابن القيم عليه رحمة الله: حضرت مرة شيخ الإسلام بن تيمية عليه رحمة الله وقد صلى الفجر ثم جلس في مصلاه يذكر الله سبحانه وتعالى حتى انتصاف النهار، قال: ثم التفت إلي وقال: «هذه غدوتي، هذه غدوتي، إذا لم أتغذى هذا الغدى ضعفت قوتي، ضعفت قوتي». هكذا يقول رحمه الله تعالى. الذكر عباد الله يشغلك عن كل باطل من الغيبة والنميمة والكذب والزور والفحش من القول، فإن لسانك إن لم تشغله بالحق والخير شغلك بالشر والباطل. الذكر عباد الله سبب لدفع عداوة الشيطان، فإنه من أعظم الأسلحة التي يصد بها عدوان الشيطان الرجيم. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾. وجاء عند الإمام أحمد والترمذي من حديث الحارث الأشعري رضي الله تعالى عنه أن يحيى بن زكريا أمره الله عز وجل بخمس كلمات أن يعمل بهن وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فجمع الناس في بيت المقدس حتى أن بعض الناس كانوا على الشرف أي على النوافذ لكثرتهم، فذكر لهم ما أمره ربه به، ومن تلك الخمس وهي الأخيرة قال لهم: «وآمركم أن تذكروا الله، وآمركم أن تذكروا الله، فإن مثل ذلك كمثل رجل جاءه العدو جاءه العدو سراعا حتى إذا أتى إلى حصن حصين فأحرز نفسه منهم، فكذلك العبد، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله، إلا بذكر الله». إنما نسمعه من حال كثير من الناس من تسلط شياطين الإنس والجن عليهم إنما هو بسبب غفلتهم وبسبب بعدهم عن ذكر الله سبحانه وتعالى. وهكذا من فوائد الذكر أنه سبب لذهاب الهموم والغموم والأحزان. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. ولذلك فإن من أعظم الذكر كتاب الله سبحانه وتعالى، فقد سماه ربنا عز وجل ذكرا، فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. فقراءة القرآن سبب لشفاء القلوب وتزكية النفوس وهداية القلوب. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾. فقراءة القرآن من أعظم أسباب فرح القلوب وسرورها، ومن أعظم أسباب ذهاب الهموم والغموم والأحزان. ألا فلنكثر من قراءته لا سيما ونحن في هذا الشهر الفضيل شهر القرآن، شهر أنزل فيه هذا القرآن. ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ينزل إليه جبريل في رمضان فيدارسه القرآن، لتعلم أخي المسلم العلاقة الوطيدة بين رمضان والقرآن. ألا فلنكثر من قراءته ومن تدبره، فهذه هي الغاية وهذا هو المقصد الأعظم من تلاوته. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾. أيها المسلمون عباد الله، وإن من فضل الذكر أيضا أنه سبب للأجر العظيم، فهي عبادة عظيمة قد فضلت على كثير من العبادات الجليلة. اسمع إلى هذه الأحاديث التي تبين لك فضل الذكر وعظيم منزلته. فقد أخرج الترمذي في جامعه من حديث عبد الله بن بسر رضي الله تعالى عنه أن رجلا جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فأخبرني بشيء أتشبث به أي أستمسك به، فقال عليه الصلاة والسلام: «لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله، من ذكر الله». انظروا إلى هذه الوصية الجامعة المانعة، فإذا كثرت عليك فضائل الأعمال ومستحباتها فعليك بهذه العبادة العظيمة. وهكذا أخرج الترمذي في جامعه من حديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ألا أخبركم، ألا أخبركم بأفضل أعمالكم أو خير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأعظمها أجرا عند ربكم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟» قالوا: بلى، قال: «ذكر الله، ذكر الله». انظروا عباد الله إلى منزلة الذكر عند الله سبحانه وتعالى. فأسأل الله بمنه وكرمه أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته وحسن عبادته. والحمد لله، والحمد لله رب العالمين، الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون عباد الله، إن الذاكر لله سبحانه وتعالى قد سبق غيره إلا أن يأتي غيره بأفضل منه. فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من قال في اليوم مئة مرة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، كان كعدل عشر رقاب، وكتبت له مئة حسنة، ومحيت عنه مئة سيئة، وكانت حرزا له من الشيطان في يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بمثل عمله إلا رجل أتى بأكثر من ذلك». انظروا عباد الله، إنه ذكر يسير ربما لا يستغرق منك أكثر من عشر دقائق، فانظر إلى فضله وانظر إلى أجره. وهكذا عباد الله إن الذاكرين الله سبحانه وتعالى قد سبقوا غيرهم، ففي صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، ومن حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سبق المفردون». قال: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: «الذاكرون الله كثيرا والذاكرات». والمفردون هم الذين انقطعوا عن الناس واشتغلوا بذكر الله سبحانه وتعالى. أيها المسلمون عباد الله، إن الذكر حياة للقلوب وللبيوت. فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت، مثل الحي والميت». وجاءت رواية في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن البيت الذي يذكر الله فيه والذي لا يذكر الله فيه كمثل الحي والميت». ألا فعمروا قلوبكم بذكر الله وبيوتكم بذكر الله، واجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، واجعلوا من قراءتكم في بيوتكم، وعمروها بذكر الله، واحذروا من غمزات الشياطين ونفثاته، ومما يصد عن ذكر الله كالأفلام والمسلسلات وهكذا الموسيقى وغير ذلك، فإن بيتك يكون ميتا بنص حديث النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا عباد الله من فضائل الذكر ومن أنواع الذكر فإن الاستغفار له فوائد عظيمة في الدنيا والآخرة. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾. ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾. فأكثروا من الاستغفار، فهذا نبيكم عليه الصلاة والسلام كان يعد له في المجلس الواحد أكثر من مائة استغفار عليه الصلاة والسلام. وقد قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في حديث عبد الله بن بسر عند الإمام أحمد: «طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارا كثيرا، طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارا كثيرا». ألا فلنكثر عباد الله من الاستغفار بأي صيغة من صيغه: «رب اغفر لي وارحمني وتب علي إنك أنت التواب الرحيم»، «أستغفر الله وأتوب إليه»، أو تأتي بدعاء سيد الاستغفار: «اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت». أكثر من هذا الاستغفار فقد وصفه النبي عليه الصلاة والسلام بأنه سيد الاستغفار. بهذا تعمر الأوقات أيها المسلمون عباد الله بذكر الله سبحانه وتعالى. وهكذا من أنواع الذكر عباد الله الحرص على مجالس العلم فإنها من مجالس الذكر، كما جاء عند الترمذي من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا». قيل: وما رياض الجنة يا رسول الله؟ قال: «حلق الذكر». قال الإمام النووي رحمه الله كما في كتابه «الأذكار»: «حلقة ذكر أي حلقة علم، ليس المراد بحلقة ذكر أن يجتمع الناس على البدعة وعلى الأذكار الجماعية التي لم ينزل الله بها من سلطان، وإنما المراد بحلق الذكر حلق العلم». ومما يؤيد ذلك ويوضحه ما أخرجه الإمام مسلم في البخاري ومسلم في صحيحيهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن لله ملائكة يطوفون الطرق يلتمسون حلق الذكر، يلتمسون حلق الذكر، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله عز وجل قالوا: هلم إلى حاجتكم، هلم إلى حاجتكم». فهكذا يجلسون بأجنحتهم في هذه الحلقة إلى السماء الدنيا، إلى السماء الدنيا، فيسألهم الله عز وجل وهو أعلم منهم: ماذا يقول عبادي؟ قال: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك. فيقول الله عز وجل: وماذا يسألوني؟ قالوا: يسألونك الجنة، يسألونك الجنة. فيقول الله عز وجل: وهل رأوها؟ قالوا: لا والله يا رب ما رأوها. فيقول: كيف إذا رأوها؟ كانوا أكثر لها طلبا وأكثر عليها حرصا وأعظم إليها رغبة. فيقول الله عز وجل: ومما يستعيذونني؟ قالوا: يستعيذونك من النار. قال: وهل رأوها؟ قالوا: لا فيقولون لا ما رأوها. فيقول: كيف لو رأوها؟ فيقولون: لكانوا أشد منها بعدا وأكثر لها هربا. فيقول الله سبحانه وتعالى: «أشهدكم أني قد غفرت لهم». فيقول ملك من الملائكة: يا رب إن فيهم رجلا ليس منهم وإنما جاء لحاجة. فيقول الله عز وجل: «هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم». انظروا إلى فضل ذكر الله وإلى فضل مجالس الذكر، غفران الذنوب والملائكة تحف أصحابها، كما جاء في صحيح مسلم أيضا في رواية أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ما من قوم يجلسون يذكرون الله عز وجل إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده». فاحرصوا عباد الله على هذا الأمر من أمور الذكر ألا وهو حضور مجالس العلم، ففيها يذكر الله، يذكر شرعه، يذكر كتابه، يذكر نبيه عليه الصلاة والسلام. فأكثروا من مثل هذه المجالس. وهكذا من ذكر الله سبحانه وتعالى التي ينبغي أن يكثر العبد منه التسبيح والتحميد فإنه غراس الجنة، كما جاء عند الترمذي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من قال سبحان الله وبحمده غرس له نخلة في الجنة». يا سبحان الله، يا له من أجر عظيم! ألا فلنحرم أنفسنا من هذه الأجور العظيمة. وهكذا نشغل أنفسنا بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «أحب الكلام إلى الله سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر». نعم، فهذا أحب الكلام إلى الله سبحانه وتعالى، فأكثروا من ذلك عباد الله، ونوعوا من الأذكار الشرعية الموافقة للسنة. واحذروا عباد الله مما اعتاده كثير من الناس وفي بيوت الله عز وجل من الأذكار البدعية التي ما أنزل الله بها من سلطان، بل هي إحداث في دين الله عز وجل، سواء كانت الأذكار التي تقال قبل الصلاة أو بعد الصلاة أو التي تقال بالأصوات الجماعية. فقد ذكر العلامة بن باز عليه رحمة الله أنه لم يرد في السنة أن ذكرا من الأذكار يقال بصوت جماعي، فكل دعاء يقال بصوت جماعي فقد حكم عليه العلماء بالبدعة. فأحذر أن تذكر الله عز وجل على غير السنة فتحرم أجر هذه العبادة وتكون مردودة عليك، كما قال عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد، فهو رد». ألا فاحرصوا على إصابة السنة في أذكاركم وفي دعائكم وفي جميع عباداتكم. وفقني الله وإياكم لما يحب ويرضى. اللهم اجعلنا من الشاكرين الذاكرين، اللهم اغفر لنا وارحمنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله. شكرا لكم، شكرا لكم، شكرا لكم، شكرا لكم.