الدرس في رمضان مدرسة للأخلاق 22، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يُعرّف الاعتدار بأنه السعي لمحو أثر الذنب أو الخطأ، وتبرز فضائله في نشر المحبة وصفاء القلوب وكسر الكبرياء ورد الحقوق. تثبت مشروعيته بأدلة من القرآن والسنة وسير الأنبياء والصحابة، كقول النبي ﷺ: "ما من أحد أحب إليه العذر من الله"، واعتذار النبي ﷺ لخالد بن الوليد وموسى للخضر.
يسرد المقطع مواقف الصحابة كاعتذار أبي بكر لسلمان وصهيب وبلال وعمر، واعتذار أنس بن النضر يوم أحد، مبيناً حرصهم على التحلل من المظالم في الدنيا. ويؤكد أن الاعتذار ينفع في الدنيا فقط، أما يوم القيامة فلا يقبل اعتذار الظالمين الذين لم يتوبوا، مستدلاً بآيات قرآنية تبين بطلان المعاذير يومئذ.
يبيّن أن اعتذار المنافقين والكاذبين مردود، ويحذر من تعمد الخطأ والاعتماد على الاعتذار كسلّم للتمادي مستشهداً بالحديث: «إياك وكل أمر يعتذر منه». ويوضح أن قبول الاعتذار مشروط بتحقيق الإصلاح وعدم المفسدة، مع وجوب المبادرة بالاعتذار عند الخطأ وقبوله من المعتذر الصادق.
يذكر حديث النبي ﷺ المحث على التحلل من المظالم قبل يوم لا ينفع فيه مال بل الحسنات والسيئات. ويختتم بالدعاء بأن يجعلنا الله من الذين يبادرون بالاعتذار عند الخطأ ويصفحون ويعفون.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فمن الأخلاق الفاضلة التي حثّ شرعنا عليها، وأثنى على المتصفين بها، خلق الاعتدار. فالاعتدار خلق من الأخلاق الفاضلة، يوقع الإنسان في الخطأ فيعتذر، فهذا خلق رفيع. والاعتدار هو أن يتحرّى الإنسان ما يمحو به أثر ذنبه أو خطأه. هذا هو الاعتدار: أن يتحرّى الإنسان ما يمحو به أثر ذنبه أو خطأه. إذا وقع في الذنب أو الخطأ، تحرّى الأسباب، وتحرّى الأفعال والأمور التي يُمحى بها آثار هذا الذنب أو الخطأ. ووجود الاعتدار في مجتمعات الناس لا بد منه، فالناس إذا وجد في مجتمعاتهم الاعتدار كان ذلك لحصول الخير الكثير. فالاعتدار سبب للمحبة بين الناس، وسبب لصفاء القلوب. إذا أخطأ بعض الناس على آخرين، أو شخص على آخر، فاعتذر، صفت القلوب. صفاء قلب ذلك الذي حصل في حقه الخطأ. لكن لم يحصل الاعتدار، بقيت هذه الأمور في القلوب وفي النفوس، وانتشرت الضغائن والأحقاد. فالاعتدار وجوده بين الناس سبب لصفاء نفوسهم وقلوبهم. وفي الاعتدار كسر لكبرياء النفس الأمّارة بالسوء. النفس الأمّارة بالسوء لا تريد منك أن تعتذر إذا أخطأت، لماذا؟ لأنه ثقيل عليها، وربما توحي إليك أن هذا من الذل ومن الصغار، أنك تعتذر لذلك الذي أخطأت في حقه. فأنت إذا جاهدت نفسك واعتذرت، كسرت هذا الكبرياء الذي توحي إليه وتدعو إليه هذه النفس الأمّارة بالسوء. وبالاعتدار ردّ الحقوق إلى أهلها. أنت عليك أن ترجع الحق إلى أهله إذا أخطأت، فتعتذر، وترد الحق إلى أهله، فيحصل الوئام والتوادد والتحابب إذا وجد بين الناس الاعتدار. وأما إذا لم يوجد الاعتدار بين الناس، هذا يخطئ ولا يعتذر، والآخر يخطئ ولا يعتذر، فصار الناس في شرور، وفي نزاعات، وفي ضغائن، والعياذ بالله، وأحقاد. ولذلك نجد شرعنا قد حثّ على هذا الخلق، مما يجعلنا على حسن هذا الخلق، أن الله عز وجل يحب العذر. ربنا سبحانه وتعالى يحب العذر، ويحب الاعتدار من عباده فيما بينهم. جاء في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه، قال: قال سعد بن معاذ، أو سعد بن عبادة - سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه -: «والله، إذا لقيت رجلاً مع امرأتي لضربته بهذا السيف غير مصفح عنه». فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: «أتعجبون من غيرة سعد؟ والله إني لأغير من سعد، والله أغير مني، ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن. وما من أحد أغير من الله، وما من أحد أحب إليه العذر من الله، وما من أحد أحب إليه المدح من الله، ولذلك وعد الجنة. ما من أحد أحب إليه العذر من الله، ولذلك أرسل المرسلين مبشرين ومنذرين. وما من أحد أحب إلى الله من المدح، فلذلك وعد الجنة». في هذا الحديث بيّن النبي عليه الصلاة والسلام أنه ما من أحد أحب إليه العذر من الله جل وعلا. فالله جل وعلا يحب العذر، ويحب الاعتذار من عباده. وما يدل على حسن هذا الخلق وعظم هذا الخلق، أنه من أخلاق الأنبياء. فالاعتذار من أخلاق الأنبياء، فما من نبي عمل عملاً أخطأ فيه إلا واعتذر إلى ربه سبحانه وتعالى، سارع بالتوبة وبالاعتذار إلى ربه جل وعلا. نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لما أرسل خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه في غزوة من الغزوات يدعو الناس إلى الإسلام والدخول في هذا الدين، كان الناس يقولون لخالد: «صبأنا، صبأنا»، وقصدهم: أسلمنا. وأرادوا منه أن يكف عن هذا القتال، وأنهم أسلموا، ولكن عبروا بهذا على ما تعاهدوه: «صبأنا» أو «صبونا». فخالد ظن أنهم لم يسلموا، وما علم مرادهم بهذه الكلمة، فصار قاتلهم رضي الله تعالى عنه. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «اللهم إني أعتذر إليك مما فعل خالد، اللهم إني أعتذر إليك مما فعل خالد» رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وهكذا كذلك موسى عليه الصلاة والسلام في سيرته التي جاء ذكرها في سورة الكهف مع الخضر عليهما السلام. قال له موسى: «هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشداً؟» قال: «إنك لن تستطيع معي صبراً، وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً؟» قال: «ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً». قال: «فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً». فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها، قال: «أخرقتها لتغرق أهلها؟ لقد جئت شيئاً إمّراً». قال: «ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً؟» قال: «لا تؤاخذني بما نسيت، ولا ترهقني من أمري عسراً». هذا اعتدار، اعتدار من موسى عليه الصلاة والسلام للخضر، لأنه اتفق على أنه لا يسأل الخضر عن شيء حتى الخضر عليه السلام بعد ذلك يحدثه بما حصل. «لا تؤاخذني بما نسيت، ولا ترهقني من أمري عسراً». فانطلقا حتى إذا لقيا غلاماً فقتله، قال: «أقتلت نفساً زكية بغير نفس؟ لقد جئت شيئاً نكراً». قال: «ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً؟» قال: «إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني، قد بلغت من لدني عذراً». يعني: قد بلغت العذر في هذا، اعتذرتني المرة الأولى والثانية. حتى قال بعد ذلك النبي عليه الصلاة والسلام: «يرحم الله موسى، لو صبر على صحبة الخضر لرأى العجب»، أو بهذا المعنى. فالشاهد أن نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام لما حصل منه مع الخضر خلاف الاتفاق، خلاف الاتفاق بينهما، اعتذر عليه الصلاة والسلام. ومما يدل على حسن هذا الخلق، أن الاعتذار كذلك من خلق الملائكة. فالله جل وعلا أرسل ملائكته لتنذر وتعذر، لتنذر وتعذر إلى ربها جل وعلا. قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفاً * وَالْعَاصِفَاتِ عَصْفاً * وَالنَّاشِرَاتِ نَشْراً * فَالْفَارِقَاتِ فَرْقاً * فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً * عُذْراً أَوْ نُذْراً ﴾. جاء في تفسيرها: الملائكة جاءت بالعذر والإنذار، تعذر إلى ربها سبحانه وتعالى: ﴿ عُذْراً أَوْ نُذْراً ﴾. وأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام قد حرصوا على الاعتذار إذا حصل منهم الخطأ. فهذا أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، لما سمع سلمان وصهيباً وبلالاً قالوا لأبي سفيان لما مر بينهم: «والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدوها ما أخذها». فقال: «تقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟» فذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأخبره بذلك. فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: «لعلّك أغضبتهم، فلئن أغضبتهم لقد أغضبت ربك». فذهب أبو بكر رضي الله تعالى عنه يعتذر، ذهب أبو بكر رضي الله تعالى عنه يعتذر من سلمان وصهيب وبلال، قال لهم: «يا إخوتي، هل أغضبتكم؟» قالوا: «لا، يغفر الله لك يا أخي»، أي: ويغفر الله لك يا أخي. الحديث في صحيح الإمام مسلم رحمه الله. وهنا ينتبه لهذه اللفظة، بعض الناس يأتون بها من غير توقف، مثلاً يقولون: «لا يغفر الله، لا يغفر الله لك». فمثلا يقول له شخص: «تريد كذا؟» يقولون: «لا يغفر الله لك». فمع المواصلة يكون الكلام: «لا يغفر الله لك»، وهذا به دعاء بعدم المغفرة من الله. لكن يخرج من هذا بأن يقول: «لا، يغفر الله لك»، فيتوقف حتى يفصل، أو يأتي بالواو فيقول: «لا، ويغفر الله لك يا أخي»، أو «يا أخي»، أو «يا فلان». فهكذا اعتذر أبو بكر رضي الله تعالى عنه من هؤلاء النفر من الصحابة. وهكذا كذلك لما حصل بينه وبين عمر، كما جاء عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، قال أبو الدرداء: حصل بين أبي بكر وعمر محاورة، فأغضب أبو بكر عمر. فذهب يعتذر أبو بكر، مشى خلف عمر ليعتذر عما حصل منه من إغضابه. قال: «فلم يلتفت عمر إلى ما قال أبو بكر، وأغلق بابه في وجه أبي بكر» رضي الله تعالى عنه. فذهب أبو بكر رضي الله تعالى عنه إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وجاء في بعض الألفاظ أنه قد رفع ثوبه، حتى قال عليه الصلاة والسلام: «أما صاحبكم فقد غامر، أما صاحبكم فقد غامر». فأخبر أبو بكر رضي الله تعالى عنه النبي عليه الصلاة والسلام بما حصل بينه وبين عمر. فقال أبو بكر... فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: «يغفر الله لك يا أبا بكر، يغفر الله لك يا أبا بكر، يغفر الله لك يا أبا بكر»، قالها ثلاثاً. فجاء عمر وحسّ بالندم والخطأ، وجاء ليعتذر لأبي بكر. انظروا كيف أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام إذا حصل منهم خلاف الصواب، وإذا حصل منهم الخطأ، فإنهم يسارعون إلى التصحيح وإلى الاعتدار. فعمر رضي الله تعالى عنه ذهب إلى بيت أبي بكر، وقرع باب بيت أبي بكر، قال: «أبو بكر موجود؟ أثم أبو بكر؟ أي أحد هنا أبو بكر؟» قالوا: «لا». فذهب إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام. نعم، هل أحد؟ عمر، أبو بكر، نعم. فذهب إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، أي: ذهب عمر إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام. فقال أبو الدرداء: فغضب النبي عليه الصلاة والسلام. فلما رأى أبو بكر رضي الله تعالى عنه غضب النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «يا رسول الله، والله إني كنت أظلم، والله إني كنت أظلم»، قالها مرتين، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: «هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟ فإني قلت: إني رسول الله إليكم جميعاً، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت». وقال أبو بكر: صدقت. الحديث، والشاهد منه: انظروا كيف اعتذر أبو بكر من عمر، ثم بعد ذلك عمر ذهب يعتذر لأبي بكر، رضي الله تعالى عن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أجمعين. وهكذا عائشة رضي الله تعالى عنها، كما جاء قصتها في الصحيحين فيما يتعلق بحادثة الإفك. قالت رضي الله تعالى عنها، وهي رواية للبخاري: «والله، لئن حلفت لا تصدقونني، ولئن اعتذرت لا تعذرونني». هذا حرص منها رضي الله تعالى عنها على الاعتدار، ولكن تقول: «ولو اعتذرت لا تعذرونني»، وذلك لعظم ما حصل في هذه المسألة. وهذا كذلك أنس بن النضر رضي الله تعالى عنه، كما جاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه. قال أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: غاب عمي، وهو أنس بن النضر، عن غزوة بدر، فقال: «لم أحضر أول قتال قاتل فيه رسول الله عليه الصلاة والسلام المشركين، لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرين الله ما أصنع». فقال أنس: فلما كانت غزوة أحد، وانكشف المسلمون، يعني حصل بهم ما حصل من الهزيمة، قام أنس بن النضر رضي الله تعالى عنه وقال: «اللهم إني أعتذر إليك مما فعل هؤلاء»، يعني أصحابه. انظروا الاعتدار: «يا رب العالمين من هذا الصنيع الذي حصل، اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء»، أي الصحابة، «وأبرأ إليك مما فعل هؤلاء»، أي يعني المشركين. قال: فتقدم، أو أنس بن النضر رضي الله تعالى عنه، فلقي سعد بن معاذ، فقال: «يا سعد بن معاذ، الجنة ورب النضر، إني أجد ريحها من جهة أحد». فقاتل رضي الله تعالى عنه حتى استشهد. قال أنس بن مالك: فكان به بضع وثمانون ضربة، ما بين طعنة برمح، وضربة بسيف، حتى أنه لم يعرفه أحد إلا أخته، عرفته ببنانه، يعني بأطراف أصابعه، رضي الله تعالى عنه. قال أنس بن مالك: بعد ذلك إن كنا لنظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أمثاله من المؤمنين: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾. فهؤلاء أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام كانوا يعتذرون. والعذر ينفع في الدنيا، الاعتدار والتحلل من المظالم وتصحيح الأخطاء، يكون في الدنيا. فيوم القيامة يأتي أناس يعتذرون، فلا ينفع اعتدارهم، لا ينفع اعتدارهم، ولا ينفعهم، ولا يقبله الله عز وجل منهم. من ذلك قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴾. الظالمون في هذه الدنيا الذين لم يعتذروا، ولم يتوبوا، ولم يصححوا باطلهم، يأتون يعتذرون يوم القيامة، فلا يقبل اعتذارهم عند الله سبحانه وتعالى. وكما قال جل وعلا: ﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾. يوم القيامة يأتي بالمعاذير والاعتدارات، فلا تنفعه. وهذا في الدنيا، ربما من الناس من يعتذر ولكنه كاذب في اعتداره، كاذب في اعتداره، وهو منافق، والعياذ بالله، كما حصل من المنافقين. جاءوا يعتذرون إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهم كاذبون، ويعتذرون إلى أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام وهم كاذبون: «يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم، قل: لا تعتذروا، لن نؤمن لكم، قد نبأنا الله من أخباركم». فالاعتذار من هؤلاء الكاذبين لا يقبل منهم، لا يقبله الله عز وجل منهم لكذبهم ولنفاقهم. وكما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ﴾. هذا يوم لا ينطقون، ولا يؤذن لهم فيعتذرون، يمنعون من الاعتدار، لماذا؟ لأنه فات سببه، وفات مكانه، كان الواجب الاعتدار في هذه الدنيا قبل الرحيل إلى الآخرة. وهكذا رد الله عز وجل اعتدار المشركين الذي كان عن سخرية فعلت منهم، والاستهزاء بآيات الله وبرسل الله عز وجل. كما قال جل وعلا: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾. الإنسان ينتبه، ينتبه أن لا يقع في مثل هذه الأمور العظام. وهنا ننبه أن الإنسان عليه أن يجتهد أن لا يقع فيما يكون سبباً بعد ذلك للاعتدار. بعض الناس ربما يهون الأمر على نفسه، يقول: سهل، أقع في الخطأ وأقع في كذا، ثم أعتذر، ويجعل باب الاعتدار سلماً له للوقوع في الخطأ على الناس، لا يعبث الله. فالإنسان يجتهد اجتهاداً بأن لا يقع فيما يكون سبباً لأن يعتذر بعد ذلك. وإذا وقع بعد مجاهدته - وهو سيقع لأنه ليس بمعصوم - لكنه يفتح الباب لنفسه بأن يقع في الخطأ في الناس بحجة أنه بعد ذلك سيعتذر، فهذا لا يصح. فقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه عند الحاكم والطبراني، وصححه العلامة الألباني، وقد ذكروه في «الصحيحة» وغيرها، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إياك وكل أمر يعتذر منه». إياك وكل أمر يعتذر منه. ومعنى الحديث: أن الإنسان ينتبه ويحذر أن يقع في أمر بعد ذلك يحتاج لأن يعتذر منه. فليس الأمر بأن يكون له ما شاء وما أراد من الوقوع في الخطأ في الناس وتجريحهم، تكلم عليهم، وتحزيبهم، وتبديعهم، واتهامهم بالسرقة، أو بالزنا، أو بكذا، أو بكذا، أو بكذا، ويقول: باب الاعتذار مفتوح، ولم يغلق بعد ذلك. لا، يا عباد الله، أمسك لسانك، وانتبه، لا تقع في الخطأ، ولا تقع في المخالفة. وإذا وقعت بعد مجاهدتك، فاعتذر، وسارع بالاعتذار. وعلى الذي يعتذر إليه قبول اعتذار أخيه. بعض الناس ربما يخطئ الإنسان في حقه، لكن إذا جاء يعتذر، لم يقبل ذلك الشخص الاعتذار منه، وهذا لا ينبغي، إلا إذا كان لمصلحة شرعية، أو أن هذا الذي يعتذر ليس في صالحه قبول اعتذاره، لأنه من الناس الذين إذا قبل اعتذارهم تجاوزوا، وهذا إذا قبل اعتذارهم أفسدوا. فالاعتذار مثل العفو، الذي لا بد معه حصول الإصلاح. ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾. وهذا الاعتذار، إذا كان الاعتذار يكون سبباً لحصول الخير والنفع، فنعم. أما قبول اعتذار أناس لا ينفعهم اعتذارهم، ولا يزيدهم إلا طغياناً ومكراً وفساداً، فهؤلاء يجوز أن لا يقبل منهم اعتذارهم، بل لا يقبل منهم اعتذارهم حتى يرتدعوا، ويعلموا أن الأمر ليس أنهم كلما فعلوا شيئاً جاءوا يعتذرون. وقد سمعتم في الحديث، في الحديث الذي ذكرناه، في غضب النبي عليه الصلاة والسلام حين لم يقبل عمر اعتذار أبي بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فالاعتذار كالدية يقدمه الإنسان لمن أخطأ في حقه. فالاعتذار دية، هذا الاعتذار بمثابة الدية التي يدفعها هذا الذي أخطأ. ولذلك قال الإمام الشافعي رحمه الله، لما قيل له: إن فلاناً قد أحدث بك ذنباً، وذنب الفتى عار، أيما عار. فقال الشافعي رحمه الله: «قد أحدث لنا عذراً، قد أحدث لنا عذراً». ودية الذنب عندنا الاعتذار، ودية الذنب عندنا الاعتذار. يعني كأنه قال: قد دفع الدية. لما قيل: فلان قد تكلم عليك، أو دمك، أو كذا، أو كذا، قال: دفع الدية، دفع الدية، يعني قد أحدث عذراً، أي جاء يعتذر. وهذا ممن يعني ينتفع بالاعتذار له، وقبول عذره. فهذه الدية بمثابة الدية منه. وهكذا كذلك قال الشافعي رحمه الله: «يا لهف قلبي على مال أجود به على المقلين من أهل المروءات، إذا اعتذرت، إذا اعتذرت إلى شخص ما، ليس عندي، إن ذلك لمن أحد المصيبات». يعني: يقول بعض الناس يأتون ويريدون منك شيئاً، مالاً، أو كذا، أو كذا، أو كذا، لا يكون عندك ذلك الشيء، فتعتذر إليه، صارت مصيبة عند طائفة من الناس. وهذا حاصل، بعض الناس مثلاً يريد منك شيئاً، تعتذر: «ما عندي، ما أستطيع»، أخذ عليك مصيبة، هذا كأنك فعلت مصيبة في حقه، لماذا؟ لأنك اعتذرت، ما يريدك أن تعتذر. سبحان الله، طيب، ما أستطيع، ما أستطيع أن أفعل لك كذا، أو يريدك أن تعتذر عن أمر لم تفعله، طيب، كيف أعتذر عن شيء لم أفعله؟ فإذا لم تعتذر، قال لك: «الله يا أخي، ما فعلت أصلاً»، فصارت مصيبة عليك. هكذا يقول الإمام الشافعي رحمه الله. وهكذا يقول بعض أهل العلم: إذا اعتذر الجاني، إذا اعتذر الجاني من ذنبه، محا الاعتدار، محا ذنبه ذلك الاعتدار، محا ذنبه ذلك الاعتدار. ومن لم يقبل الاعتدار صار جانياً. ومن لم يقبل الاعتدار صار جانياً. انظروا: الجاني في أول الأمر، لم يعتذر، محا هذا الاعتدار عنه هذا الذنب والخطأ، وذلك الذي وقع فيه من الخطأ، بعدما كان مجنياً عليه، لما لم يقبل الاعتدار صار جانياً. وكان الذي لم يقبل الاعتدار جانياً. وشاهد من هذا البيت: أن الإنسان إذا اعتذر، كأنه محا أثر ذنبه. وهكذا الذي جيء إليه ليقبل عذر هذا الذي وقع فيه من الخطأ، إذا لم يعتذر صار جانياً. يعني: وهذا مقيد بما تقدم، إذا ما لم يكن قبول عذر هذا الشخص فيه مفسدة. فإذا ننتبه لهذا الأمر، بارك الله فيكم. فعلينا إذا أخطأنا في حق إخواننا، وفي حق زوجاتنا، وفي حق أولادنا، في حق آبائنا وأمهاتنا، علينا أن نعتذر. والإنسان يروض نفسه ويجاهد نفسه، لا يكون الاعتذار على نفسه ثقيلاً، يعتذر ويصحح. فهذه الدار دار التحلل، كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «من كانت له مظلمة عند أخيه فليتحلل منها، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، وإنما هي الحسنات والسيئات». نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الذين يحرصون على الاعتذار عند الخطأ، والصفح والعفو، إنه لذلك القادر عليه. والحمد لله رب العالمين.