الدرس في عقيدة أهل السنة والجماعة 9، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المؤلف عقيدة الإيمان بأن لله ملك السماوات والأرض، وأنه يخلق ما يشاء ويهب من يشاء إناثاً أو ذكوراً أو يجمع بينهما أو يجعل من يشاء عقيماً، مستدلاً بآيات سورة الشورى، ويبين أن هذا التوزيع راجع إلى علم الله الكامل وقدرته المطلقة فلا يجوز الاعتراض على قسمة الله، مع ضرب أمثلة بالأنبياء عليهم السلام لتوضيح أصناف العطية الإلهية.
يبيّن المقطع أن اختلاف أحوال الناس في الغنى والفقر والصحة والمرض والذرية هو ابتلاء وحكمة إلهية لا عجزاً عن الله، ثم ينتقل لشرح قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ مؤكداً تنزيه الله عن مشابهة المخلوقات، مستعرضاً أقوال أهل العلم في حرف الكاف وأنه جاء للتوكيد على نفي المماثلة مطلقاً.
يشرح المقطع معاني كلمة "مثل" في الآية الكريمة، ويقرر منهج أهل السنة والجماعة في إثبات صفة السمع والبصر لله تعالى على وجه يليق بجلاله دون تمثيل بصفات المخلوقين، مع الرد على فرق التمثيل والتعطيل، مبيناً أن الآية محكمة تجمع بين نفي المثلية وإثبات الكمال لله تعالى.
يختم المتحدث الدرس بالدعاء بالتوبة التي تمحو ما سلف من الذنوب، ويعلن عن استكمال الدروس في وقت لاحق، مختتماً بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: "ونؤمن بأن له ملك السماوات والأرض، يخلق ما يشاء، يهب لمن يشاء إناثا، ويهب لمن يشاء الذكور، أو يزوجهم ذكرانا وإناثا، ويجعل من يشاء عقيما، إنه عليم قدير". ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الموضع، فيما يتعلق بالإيمان بالله جل وعلا، الإيمان بأن لله جل وعلا ملك السماوات والأرض، أي أن من الإيمان بالله جل وعلا الإيمان بما جاء في كتاب الله جل وعلا، ومن ذلك ما ذكر في هذه الآيات، وأنه جل وعلا له ملك السماوات والأرض. فقوله رحمه الله: "ونؤمن بأن له ملك السماوات والأرض، يخلق ما يشاء"، يخلق ما يشاء، والآية في سورة الشورى، الآية التاسعة والأربعون والآية الخمسون من سورة الشورى، وهي قوله جل وعلا: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾. وهذا فيه بيان مشيئة الله جل وعلا الكاملة، وأنه سبحانه وتعالى يفعل لحكمه، وأن مشيئته جل وعلا نافذة، وأنه سبحانه وتعالى شاء من عباده من يكون عنده الأولاد، ومن يكون عنده البنات، ومن يكون عنده الأولاد والبنات، ومن لا يكون عنده أحد، لا أولاد ولا بنات، لا ذكور ولا إناث، وإنما يكون عقيما. فالله جل وعلا شاء ذلك سبحانه وتعالى. فالأولاد هبة من الله جل وعلا، وهكذا الإناث البنات هبة من الله جل وعلا، وهكذا الأولاد مع البنات هبة من الله جل وعلا. وهذا لكمال سلطانه جل وعلا، ولأن الملك ملكه سبحانه وتعالى، ولأن الرزق رزقه جل وعلا، فلا اعتراض على قسمة الله جل وعلا، لا اعتراض على قسمة الله جل وعلا، ولا على مشيئة الله جل وعلا. فلا يقول الذي لم يرزقه الله جل وعلا الأولاد: لماذا لم أرزق الأولاد؟ ويعترض. هذا يعارض رب العالمين جل وعلا في مشيئته. الله جل وعلا شاء هذا، أن يرزقك البنات فقط ولا يرزقك الأولاد، فلا اعتراض على مشيئة الله سبحانه وتعالى. الله جل وعلا هو الذي شاء ذلك، الله جل وعلا هو الذي شاء ذلك. وهكذا من أعطاه الله جل وعلا الأولاد فقط دون البنات، فلا اعتراض على مشيئة الله جل وعلا، لأن الله جل وعلا هو الذي شاء ذلك، وهبك البنات فقط أو الأولاد فقط. فالله جل وعلا يفعل ما يشاء، لله ملك السماوات والأرض. ما دام أيقنت أن الله جل وعلا له ملك السماوات وله ملك الأرض، فإذا هو يفعل في ملكه ما يشاء جل وعلا، يرزق من يشاء ويمنع من يشاء، ويعطي من يشاء، يهب لمن يشاء إناثا، ويهب لمن يشاء الذكور، أو يزوجهم ذكرانا وإناثا، وهكذا يجعل من يشاء عقيما. فهذه مشيئته جل وعلا. ذكر بعض أهل التفسير، عن البغوي رحمه الله، أنه قال في قوله جل وعلا: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾، قال: مثل لوط عليه الصلاة والسلام، لوط عليه الصلاة والسلام وهبه الله جل وعلا البنات فقط ولم يرزق أولاداً. وفي قوله جل وعلا: ﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾، قال: مثل الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فإنه لم يرزق بنات، وإنما وهبه الله جل وعلا الأولاد. ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾، قال: مثل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فالله جل وعلا رزقه من الأولاد ورزقه من البنات. ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾، قال: مثل عيسى عليه الصلاة والسلام، وهكذا ذكر يحيى، يحيى عليه الصلاة والسلام. فهذه الآيات فيها بيان أن لله جل وعلا المشيئة الكاملة والمطلقة، يفعل ما يشاء، يرزق من يشاء ويمنع من يشاء، يعطي من يشاء ويمنع من يشاء، يهب من يشاء الإناث، ويهب آخرين الذكور، ويهب آخرين الإناث والذكور، وآخرون يجعلهم الله جل وعلا عقيمين لا يولد لهم لا ذكر ولا أنثى. هذه مشيئة الله، لا اعتراض على ذلك، لأنه جل وعلا له ملك السماوات والأرض. قال المؤلف رحمه الله: "ونؤمن بأن له ملك السماوات والأرض، يخلق ما يشاء، يهب لمن يشاء إناثا، ويهب لمن يشاء الذكور، أو يزوجهم ذكرانا". ومعنى قوله جل وعلا: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾، أي: يعطيهم الزوجين. ليس معنى هنا الزواج، ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ ليس معنى الزواج، وإنما المعنى: يعطيهم الزوجين، أو يزوجهم ذكرانا وإناثا، أي يجعل لهم الزوجين: الذكر والأنثى، الزوجين: الذكر والأنثى، أي يعطيهم الذكور والإناث، يعطيهم الذكور والإناث، الذكور والإناث. ثم ختم الله جل وعلا هذه الآية بقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾، ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾. فبداية الآيات بيان ملك الله العظيم: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وختم هاتين الآيتين بالعلم والقدرة، بالعلم والقدرة. فإن الله جل وعلا هو الذي ملك السماوات والأرض، له ملك السماوات والأرض، ولذلك يفعل ما يشاء، وذكر أنواعا ممن وهبهم الله جل وعلا رزقا وآخرين منعهم، إلى آخر ذلك، ختم ذلك بالعلم والقدرة. يعني: هذا كله عن علم وعن قدرة، عن علم وعن قدرة، لا عن عجز ولا عن جهل. تعالى الله جل وعلا عن الجهل، وعن الضعف، وعن العجز. بل كل ذلك عن علم وعن قدرة، عن علم وعن قدرة. لا يتوهم أحد: لماذا جعل الله عز وجل بعض الناس عقيما؟ قال: لعجزه سبحانه وتعالى؟ لا، الله على كل شيء قدير. الله جل وعلا على كل شيء قدير، قادر أن يجعل الناس جميعا يولد لهم ولا يجعل فيهم عقيما أبدا. الله عز وجل على كل شيء قدير، لكن ابتلاء، حكمة، وامتحانا واختبارا، ولمشيئته جل وعلا التي اقتضت ذلك، أن يتفاوت الناس، يتفاوت الناس. فمن الناس من يكون غنيا، ومن الناس من يكون فقيرا. الغني الذي عنده المليارات يكون عقيما، وعنده المليارات، والفقير الذي ما عنده إلا قوت يومه ربما يكون عنده العشرة والخمسة عشر من الأولاد والبنات، وهو فقير. هذه مشيئة الله عز وجل. وهذا صاحب الملايين والمليارات ما عنده شيء، عقيب. هذا فقير وهذا غني، لكن الفقير يولد له، والغني عقيب، أو عنده أموال لكنه مريض، وذلك فقير لكنه صحيح. فهذه مشيئة الله سبحانه وتعالى وحكمته سبحانه وتعالى في خلقه، أن فضل بعضهم على بعض، وفاوت بين بعضهم البعض. وكما فضلهم فتفاضل بينهم في الدنيا، هكذا يكون تفاضل في الآخرة. فاضل بينهم في الهداية والضلالة، فهذا وفقه الله جل وعلا الهداية، وآخر حرم الهداية. وهكذا حتى الرسل، فضل الله جل وعلا بعضهم على بعض، تلك الرسل: ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، منهم من كلم الله، ورفع بعضهم درجات، وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس، الآيات. فهذه مشيئته سبحانه وتعالى وحكمته اقتضت ذلك جل وعلى، أن يتفاوت الناس في هذه الأمور. هذا أبيض وهذا أسود، وهذا طويل وهذا قصير، وهذا سمين وهذا ضعيف، وهكذا حتى بين الحيوانات. نعم. قال رحمه الله تعالى: "ونؤمن بأنه ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، له مقاليد السماوات والأرض، يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، إنه بكل شيء عليم". وهذه الآية في سورة الشورى، وهاتان الآيتان من سورة الشورى. قول المؤلف رحمه الله: "ونؤمن بأنه"، أي: ومن الإيمان بالله جل وعلا الإيمان بما جاء في هاتين الآيتين، لأن فيهما ذكر شيء مما يتعلق بالله جل وعلا، ومن ذلك أنه سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء. فلابد أن نؤمن بهذا إيمانا جازما. هذا يتعلق بالإيمان بالله، الذي هو الركن الأول من أركان الإيمان، الإيمان بالله. ومن الإيمان بالله الإيمان بما ذكر في هاتين الآيتين، من أنه جل وعلا ليس كمثله شيء. لابد أن يكون عند المسلم الإيمان الراسخ، لأن الله جل وعلا ليس كمثله شيء، لأنه جل وعلا هو الذي أخبر عن نفسه، وخبره جل وعلا صدق وحق، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾. فخبره حق جل وعلا وصدق. فأخبر جل وعلا عن نفسه بأنه ليس كمثله شيء، ومعنى "ليس كمثله شيء": أي ليس مثله شيء، ليس مثله شيء جل وعلا. والكاف في قوله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، لأهل العلم فيها أقوال. ومن هذه الأقوال: أن هذه الكاف زائدة، أن هذه الكاف زائدة، والمعنى: ليس مثله شيء، ليس مثله شيء. ومن هذه الأقوال: أن الكاف صلة، صلة زيدت للتوكيد، هي زائدة إعرابا وليست زائدة معنى، وإنما لها معنى. ومجيء هذه الحروف التي هي حروف الصلة، المراد منها توكيد، توكيد هذا الكلام، وتكرار هذا الكلام. كل معنى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، أي: ليس مثله شيء، ليس مثله شيء، ليس مثله شيء. فمجيء الكاف تفيد هذا في لغة العرب: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، أي: ليس مثله شيء، ليس مثله شيء، ليس مثله شيء. وهذا أيضا مثل ما جاء في قوله جل وعلا: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾، فما هنا صلة زيدت للتوكيد، والمعنى: فبرحمة من الله لنت لهم، فبرحمة من الله لنت لهم، فبرحمة من الله لنت لهم. وهذا مثل ما جاء في قوله جل وعلا: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾، ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾، وما هنا صلة زيدت للتوكيد، والمعنى: فبنقضهم ميثاقهم لعناهم، فبنقضهم ميثاقهم لعناهم، فبنقضهم ميثاقهم لعناهم. يعني أن هذا الكلام يؤكد، مراد منه المراد التوكيد، والمراد التكرار. أيضا جاء في بعض أشعار أهل اللغة، كما في قول القائل: "لو كان في قلبي كقدر قلامةٍ حبا لغيرك ما تذكي رسائلي". لو كان في قلبي كقدر قلامة، المعنى: قدر قلامة، يعني لو كان يقول في قلبه قدر قلامة، شيء قليل في قلبه، حبا لغير محبوبته، لما أتت محبوبته ماذا؟ الرسائل منه. والمعنى: أن مادام قد جاءت الرسائل إليك مني، فهذا يدل على أنك محبوبتي، ولا أحب أحدا غيرك، وليس في قلبي شيء من الحب لغيرك، ولو قدر قلامة، يعني شيء قليل جدا. وأتى بالكاف هنا ليؤكد هذا الكلام لها، كي تتأكد تأكيدا تاما أنه ليس في قلبه ماذا؟ شيء من الحب لغيرها. وهكذا ما جاء في قوله جل وعلا: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾، المعنى: أقسم بيوم القيامة، أقسم بيوم القيامة، أقسم بيوم القيامة. نعم، فلا هنا صلة زيدت للتوكيد. ومنهم من قال: أن "مثل" هنا، الكاف على ما هي عليه، والمثل بمعنى الوصف، بمعنى الوصف. ومعنى الآية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، أي: ليس كوصفه شيء. قد جاء في القرآن "المثل" بمعنى الوصف، كما في قوله جل وعلا: ﴿مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾، أي: وصف الجنة، أي: وصف الجنة. فيكون فتكون الكاف على ما هي عليه، والمثل بمعنى الوصف، يكون معنى الآية: ليس كوصفه شيء، ليس كوصفه شيء. وهو السميع البصير. ومنها: قال: المثل بمعنى الذات، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، أي: ليس كذاته شيء. قد جاء المثل بمعنى الذات، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا﴾، ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ﴾، بمثل ما آمنتم به، أي: بذات ما آمنتم به، يعني كان إيمانهم موافقا تماما بإيمانكم، كإيمان الذي آمنتم به في حق الله جل وعلا. وهذه الأقوال، يعني أقرب الأقوال أنها تكون بمعنى وصف، أو مثل، أو صلة زيدت للتكرار والتوكيد. وأما قول من قال إنها زائدة، فلا زائد في القرآن، ولكن المراد: زائدة في الإعراب، ولكن ليست زائدة في المعنى، بل لها معنى يفهمه العربي من لغته. العربي الذي يفهم لغة العرب يعلم ما معنى هذه الكاف إذا جاءت في مثل هذه النصوص، ويعلم هذه أيضا كذلك حروف الصلة إذا جاءت في بعض النصوص، ما المراد منها. ومن ذلك: أن المراد منها توكيد الكلام وتكرار الكلام. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، شيء نكر في سياق النفي تفيد العموم. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ جل وعلا، لا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في ذاته، ولا في أفعاله. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ سبحانه وتعالى، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وهذه آية محكمة من الآيات المحكمة في كتاب الله جل وعلا، لأن الله جل وعلا بيّن فيها أنه سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. ففيها نفي وإثبات: نفى المثلية جل وعلا عن نفسه، وأثبت لنفسه السمع والبصر. فهذه آية محكمة في باب الأسماء والصفات. وهذا هو الواجب. ولذلك أهل السنة والجماعة ساروا في هذا الباب على ما جاء من هذه النصوص، فهم يثبتون من غير تمثيل، يثبتون لأن الله جل وعلا أثبت لنفسه السمع والبصر، ولا يمثلون صفات الخالق بصفات خلقه جل وعلا، لأنهم علموا أن الله جل وعلا نفى المثلية عن نفسه في قوله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وفي هذه الآية المحكمة رد على شتى فرق التمثيل والتعطيل. ففي قوله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فيها رد على أهل التمثيل الذين مثلوا صفات الخالق بصفات المخلوقين. وفيها رد على شتى فرق التعطيل الذين عطلوا الخالق جل وعلا عن صفاته، فقالوا: لا سمع له ولا بصر، أو كذلك عطلوها في معانيها، وجعلوا لها معاني لا دليل عليها، لا دليل عليها من كتاب الله، ومن سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، كحال الأشاعرة والماتريدية وغيرهم ممن عطل معاني الصفات. فالآية فيها رد على هاتين الطائفتين الضالتين. وأهل السنة والجماعة أخذوا بما جاء في هذه الآية المحكمة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وفي الآية إثبات اسمين من أسماء الله جل وعلا، وصفتين من صفات الله جل وعلا. أما الاسمان فهما: السميع والبصير. وأما الصفتان فهما: صفة السمع، وصفة البصر. وذكر الله جل وعلا في هذه الآية صفة السمع وصفة البصر، وذكر بعض العلم. فائدة في هذا قال: وذلك لأن غالب المخلوقات تشترك في هاتين الصفتين. غالب المخلوقات الحية تشترك في هاتين الصفتين: صفة السمع، وصفة البصر. فالإنسان له سمع، والبعير له سمع، والبعوضة لها سمع، والذر لها سمع، وهكذا. يعني غالب المخلوقات لها هاتان الصفتان: صفة السمع والبصر. والله جل وعلا أثبت لنفسه جل وعلا هاتين الصفتين، ونفى أن يكون خلقه مماثلين، وأن تكون صفات خلقه مماثلة لصفاته جل وعلا. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. والسمع له معاني: السمع بمعنى الإجابة، فالله جل وعلا هو السميع، أي: المجيب، الذي يجيب عباده. والسمع بمعنى: الذي يسمع عباده. ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾، فالله جل وعلا وسع سمعه الأصوات. قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: "قد سمع الله جل وعلا قول هذه المجادلة التي جاءت تجادل عن زوجها، وهي في الحجرة، وقد خفي علي بعض كلامها، أو بعض حديثها، والله جل وعلا قد سمع كلام هذه التي جاءت تجادل عن زوجها". والله جل وعلا البصير، وله صفة البصر، بمعنى أنه جل وعلا يبصر كل شيء. فسمعه أحاط جل وعلا بالمسموعات، وبصره جل وعلا أحاط بالمبصرات. فيرى كل شيء، لا يخفى عليه شيء جل وعلا. يرى كل شيء، يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الملساء في الليلة الظلماء، يبصر ذلك الله جل وعلا. وكما قال ابن القيم رحمه الله تعالى في هذه الأبيات، أبيات عظيمة، قال: "يا من يرى مد البعوض جناحها ** في ظلمة الليل البهيم الأليلي ويرى نياط عروقها في نحرها ** والمخ في تلك العظام النحلي أمن علي بتوبة تمح بها ** ما كان مني في الزمان الأول". فالله جل وعلا يرى مد البعوض جناحها، يوم البعوض حين تمد جناحها، يرى الله جل وعلا ذلك في ظلمة الليل البهيم الأليلي، ويرى نياط عروقها في نحرها، نياط عروق البعوض في نحرها يراه الله جل وعلا، والمخ في تلك العظام النحلي، في عظام البعوضة النحيلة، والمخ في تلك العظام النحلي. أمن علي بتوبة تمح بها ما كان مني في الزمان الأول. نكمل إن شاء الله في درس لاحق. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.