منظومة السير إلى الله 17

الدرس في منظومة السير إلى الله 17، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

البداية بالصلاة على النبي وتوطئة للموضوع

يبدأ المقطع بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، مما يعبر عن التقدير والاحترام للنبي محمد ويهيئ للأهمية الدينية للموضوع الذي سيتم تناوله.

أهمية الرفقة الصالحة في السير إلى الله

يُشدد الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي على أهمية الرفقة الصالحة في السير إلى الله، ويوضح أن الرفقة الحقيقية تكون بالقلوب وليس فقط بالأبدان. مجرد الرفقة الجسدية مع الصالحين لا تكفي للفوز برفقتهم في الآخرة.

فضل مرافقة الصالحين والعلماء الربانيين

يثني المؤلف على مرافقة الصالحين والعلماء، ويعتبرهم سبيل السعادة في الدنيا والآخرة. يشدد على أهمية التمسك بمنهجهم للنجاة من الفتن والضلالات والثبات على الحق.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في منظومته «السير إلى الله والدار الآخرة»: «نعم الرفيق لطالب السبل التي تفضي إلى الخيرات والإحسان». قال: فهؤلاء هم الذين يسعد بهم رفيقهم إذا اقتدى بسلوك سيرهم، وهؤلاء الذين أمرنا الله أن نسأله أن يهدينا طريقهم، إذا أنعم عليهم بصدق إيمانهم وتحقيقهم، فنسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا، وأن يجنبنا طرق الغضب والضلال الموصلة إلى الخزي والوبال، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين. والله أسأل بأسمائه الحسنى وصفاته ونعمته، توسل أن لا يحرمنا خير ما عنده من الإحسان والغفران، بشر ما عندنا من التقصير بحقوقه والعصيان، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، سببا للفوز عنده في جنات النعيم. والحمد لله رب العالمين أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا، حمدا كثيرا مباركا فيه، كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله. وصل الله على محمد النبي الأمي المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما كثيرا. ختم الشيخ العلامة عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى هذه المنظومة بهذا البيت الذي أثنى فيه على من سار على منهج الصالحين، ومن سلك طريقهم التي ساروا عليها. فإن من سلك طريق هؤلاء وكان معهم رفيقا لهم، سواء كانت هذه الرفقة بالجسد أو الرفقة بالقلوب، فإن الصالحين السابقين فمنهم من سعد برفقتهم بأبدانهم وقلوبهم. وبحمد الله جل وعلا جعل هذه الرفقة لا تنقطع، فمن فاتته الرفقة بهؤلاء الصالحين بأبدانهم - الرفقة بالأنبياء بالأبدان أو الرفقة بأتباع الأنبياء من الصحابة والتابعين لهم بإحسان - فإنه لا تفوته الرفقة بهم بقلبه، بأن يكون سالكا على سيرهم وملتزما لمنهجهم، فهذا كأنه رافقهم. لأن الرفقة هي الرفقة بالقلوب، والرفقة بالإيمان وبالسير على الصراط المستقيم. وإلا فكم من رافق الأنبياء بأبدانهم ولم ينتفعوا بهذه الرفقة، وكانت وبالا عليهم؛ لأنهم رافقوا الأنبياء بأبدانهم ولم يرافقوهم بقلوبهم وبسيرهم الذي ساروا عليه، فلذلك لم ينتفعوا. ولذلك لما قال بعض التابعين للمقداد رضي الله تعالى عنه: «توب لهاتين العينين، توب لهاتين العينين التي رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم»، فكأنه يقول: نعمة تحصلتم عليها، رأيتم رسول الله عليه الصلاة والسلام بأعينكم، ونحن لم نره. فغضب المقداد رضي الله تعالى عنه. فقال: «إن الله جل وعلا قد أكب أقواما في النار، قد رافقوا النبي عليه الصلاة والسلام». وأراد أن يبين أن العبرة بالسير على المنهج الصحيح وعلى متابعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وليست هي مجرد الرفقة بالأبدان. لو كان الأمر بمجرد الرفقة بالأبدان، فهناك من رافق الأنبياء بأبدانهم، فماذا انتفعوا بهذه الرفقة؟ لن ينتفعوا بشيء من هذه الرفقة؛ لأنهم رافقوهم بأبدانهم ولم يرافقوهم بقلوبهم. ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام ذكر: «يأتي بعدي إخواني». قالوا: أولثنا إخوانك؟ قال: «أنتم أصحابي، أنتم أصحابي». فرق النبي عليه الصلاة والسلام بين من رافقه بالأبدان وبالقلوب، وبين من رافقه بالقلوب فقط. فمن رافق النبي عليه الصلاة والسلام ببدنه وقلبه، فذلك صاحب بالنبي صلى الله عليه وسلم. وأما من جاء بعد ولم يرافقه عليه الصلاة والسلام ببدنه، وإنما رافقه بقلبه، فهو أخوه عليه الصلاة والسلام. فإذن يثني المؤلف رحمه الله تعالى في ختام منظومته، ويرغب في السير على طريق هؤلاء، وأن السعادة في الدنيا والآخرة بمرافقة هؤلاء الصالحين، المرافقة بالقلوب؛ لأن المرافقة بالأبدان لا يمكن إلا مرافقة الصالحين الأحياء. وبحمد الله أنه جعل طائفة من الناس من الصالحين إلى يوم القيامة، وهذا فضل منه سبحانه وتعالى. فلن يعدم زمان من وجود صالحين، فما من زمان إلا وفيه وجود للصالحين، لكن هم على قلة، ويقلون، يقل الصالحون كلما ذهب زمن، قل الصالحون. وهكذا بذهاب حملة العلم، ذهب الصحابة فقل الصالحون، وهم رأس الصالحين، وهكذا أتى التابعون، وهكذا، فالصالحون يذهبون الأول فالأول، ولكن ليس معناه أنه لا وجود للصالحين في زمن من الأزمان. فلا تزال طائفة أخبر عنها النبي عليه الصلاة والسلام على الحق ظاهرا، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، كما في حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما في الحديث المتفق على صحته. فإذا احرص يا عبد الله أن ترافق الصالحين ممن ذهب، وممن هو موجود في وقتك من الصالحين، وعلى رأس هؤلاء الصالحين العلماء، علماء الأمة في كل زمان وفي كل مكان، هم الصالحون. فإذا سألنا: من هم الصالحون؟ نقول: الصالحون هم العلماء، العلماء، ليس الصالحون العباد، العباد من الصالحين وعندهم صلاح، لكن صلاحهم مقصور على أنفسهم، بخلاف صلاح العلماء، فإن صلاح العلماء يتعدى غيرهم. وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام ضرب مثلا للعلماء كمثل الكوكب مع البدر، فضل القمر على سائر الكواكب كفضل العالم على العباد. إذا أردت أن تعرف الفرق بين فضل العالم وفضل العابد، فهو كالفرق بين البدر الذي هو القمر في ليلة كماله وبين سائر الكواكب. فالبدر نوره يضيء على أرجاء المعمورة، خلاف الكوكب، الكوكب له إضاءة قليلة لا تتعدى نفسه. لكن القمر ليلة البدر، نفعه عظيم. وهذا مثل العابد، نفع لنفسه، وعنده صلاة وعنده صيام وعنده عبادات، لكن العالم عنده ما عند العابد وأكثر؛ لأنه عنده كذلك علم ينشره بين الأمة ويعلمه الناس، فينتفع منه كل أحد، حتى الحيوان، حتى الحيوان ينتفع من العالم، فيذكر العالم حديثا عن النبي عليه الصلاة والسلام فيه الأمر بالرفق بالحيوان في ذبحه والإحسان إليه، وكيف يعامل، وأن يؤدى حقه من الطعام والشراب والمسكن. فالحيوان ينتفع، وذلك لعظيم نفع العالم. ولذلك كان الاستغفار للعالم من الجميع، حتى الحيتان في الماء، وحتى النملة في جحرها تستغفر لمعلم الناس الخير؛ لماذا؟ هذا شكر منها لهذا العالم الذي وصلها نفعه فانتفعت بعلمه، فجعلها الله جل وعلا تستغفر لهذا العالم. فإذا السعادة في لزوم هذه الرفقة، وذلك قوله: «فهؤلاء هم الذين يسعد بهم رفيقهم». وذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام فيمن يجلس في حلق الذكر، لما قالوا: فيها فلان إنما جاء لحاجة. قال: «هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم، بل يسعد». مع أنه جاء لحاجة، فلما جلس مع العلماء لم يشق بهذا الجلوس، فكيف من جاء وجلس لأجل العلم، ورافق العلماء ورافق أهل العلم لأجل العلم؟ فلا شك أنه سيسعد أعظم وأعظم وأعظم. ولذلك ختم رحمه الله تعالى بسؤال الله جل وعلا أن يهدينا هذا الطريق؛ لأن الأمر ليس بالهين، التوفيق للسير على المنهج الصحيح، وخاصة في هذا الزمن الذي كثرت فيه الفتن، وكثرت فيه أدعياء الباطل، وكما يقال: اختلط فيه الحابل بالنابل، وصار فيه الحليم حيرانا. فصار التوفيق إلى سلوك الطريق المستقيم، إلى السير على منهج السلف الصالح، من النعم العظيمة إذا وفق الله جل وعلا العبد عليها. فعليك يا عبد الله أن تلزم غرز العلماء الربانيين، واحذر من الشذوذ، لا تذهب مع من شذ، بل ابق مع أهل العلم، قل: أنا مع العلماء، مع العلماء الراسخين، قولهم قولي، وأنا سائر بسيرهم، وأنا معهم ملتزم طريقهم، إذا قالوا كذا فأنا معهم، فتنجو بحمد الله من الفتن ومن الضلالات، وتكون على حجة قوية إذا أنكر عليك أحد، حتى قل: أنا قولي قول العلماء، هذا قول العالم الفلاني، وهذا قول العالم الفلاني، أنا معهم. فالنجاة في التزام طريق هؤلاء الصالحين الذين جعلهم الله جل وعلا أئمة يهدون الناس، فهم أعلام هدى ومصابيح دجى، استنار الناس بهم في ظلمات الفتن. وإذا أمر الله بالرجوع إليهم، وإذا جاءهم أمر من الأمن والخوف، أذاع به، ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم. ثم قال: «فنسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا، وأن يجنبنا طرق الغضب والضلال الموصلة إلى الخزي والوبال، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين». وهكذا ختم هذه المنظومة بتعليقه بسؤاله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وبنعمته وفضله، توسل بأن لا يحرمنا خير ما عنده، مع ما عندنا من التقصير، فما من أحد منا إلا وعنده شيء من التقصير والتفريط. فالإنسان يحرص على أن يسأل الله جل وعلا أن يتجاوز عنه هذا الخلل وهذا التقصير، وأن يجاهد نفسه على الابتعاد عنه، فيستمر في دعائه لربه جل وعلا، معترفا له بتقصيره وتفريطه في أداء حقوقه. والله جل وعلا يجيب عبده إذا سأله صدقا في سؤاله ربه سبحانه وتعالى. فنسأل الله جل وعلا أن يوفقنا للسير على المنهج القويم الذي سار عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين، ونسأله جل وعلا أن يجعلنا ممن لزم غرز العلماء وسار بسيرهم ورجع إليهم وصدر عن رأيهم وفتاويهم. نسأله جل وعلا أن يحيينا على الإسلام وأن يتوفانا على الإيمان، وأن يجمعنا يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا. وبهذا نكون قد ختمنا هذه المنظومة والتعليق عليها لسماحة الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله. وإن شاء الله تعالى في درسنا اللاحق نقرأ إن شاء الله إما الدالية لابن عبد القوي أو التائية للإلبيري رحمه الله تعالى عليهما. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.