الدرس في التعليق على الشمائل المحمدية للإمام الترمذي 13، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
تستهل المحاضرة بتعريف كتاب «شمائل النبي صلى الله عليه وسلم» للإمام الترمذي مبينة تسميته واختصاره ومنهج المؤلف في ترتيبه على ستة وخمسين باباً. ويوضح أن الترتيب البديع بدأ بالشمائل الخلقية ثم الحاجيات فالأخلاق والآداب وختم برؤية النبي في المنام.
يبيّن المقطع صفات شيب النبي عليه الصلاة والسلام موضحاً أنه كان قليلاً جداً في ثلاثة مواضع هي الصدغان والعنفقة ومفرق الرأس ولم يتجاوز عشرين شعرة. كما يذكر حديث "شيبتني هود وأخواتها" واختلاف العلماء في تصحيحه مع التحذير من الرؤى المكذوبة.
يوضح المقطع أن شيب النبي كان يسيراً وسببه اهتمامه بالآخرة لا الدنيا وأن الحمرة في شيبه كانت من أثر الدهن لا الخضاب. ويستدل بأحاديث أبي رمثة وجابر بن سمرة التي تصف مكان شيبه في مفرق الرأس وقلة مقداره.
يشرح المقطع أن دهن النبي لشعره ولحيته كان يخفي الشيب بينما تركه دون دهن يجعل الشعر الأبيض ظاهراً. ويختتم المقطع باب وصف شعر النبي مشيراً إلى الانتقال لباب خضابه في الدروس القادمة.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم ومن والاه. أما بعد: فمواصلة أيها الأحبة في الله مع هذه المجالس العلمية التي نتذاكر فيها كتابا نافعا عظيما. هذا الكتاب سماه مصنفه رحمه الله تعالى بـ «شمائل النبي صلى الله عليه وسلم». الإمام الترمذي رحمه الله تعالى سمى كتابه هذا بـ «شمائل النبي صلى الله عليه وسلم»، كما هو موجود في نسخ الكتاب الخطية الكثيرة، وهذا هو الاسم المعروف عند العلماء المتقدمين لهذا الكتاب. وقد يختصره البعض فيقول: «الشمائل»، فيحذف المضاف إليه «شمائل النبي صلى الله عليه وسلم»، ويأتي بدلا عنها بالتعريف فيقول: «الشمائل»، ويعني بها شمائل النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا الاختصار معمول به عند أهل العلم، فيقولون مثلا: «العمدة»، ويعنون به ماذا؟ يا أبا طاهر. يقولون: «العمدة»، أي «عمدة الأحكام». ويقولون: «الفتح»، ويعنون به ماذا؟ «الفتح»، أي كتاب ماذا؟ أي كتاب يا أبا خالد؟ لا، الأصل: «فتح الباري». ويقولون: «الميزان»، ويعنون به «ميزان الاعتدال». و«التقريب»، يعنون به «تقريب التهذيب». وهكذا العلماء لربما اختصروا بعض أسماء الكتب، كما هو الحاصل هاهنا في كتاب الشمائل للترمذي رحمه الله تعالى. وبعض المتأخرين لربما أضاف فقال: «الشمائل المحمدية»، «الشمائل المحمدية». وكتاب الشمائل، أي «شمائل النبي صلى الله عليه وسلم»، للإمام أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي رحمه الله رحمه الله تعالى، يعتبر من أحسن وأجمع من ألف في هذا الباب، أي في باب الشمائل، أي شمائل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأتى كتابه رحمه الله تعالى مرتبا، وهكذا أتى منسقا، فسلك فيه الترمذي رحمه الله تعالى منهجا بديعا، وهكذا أحسن رحمه الله تعالى في ترتيبه، حتى كان الكتاب وحيدا في بابه، وهكذا فريدا في ترتيبه واستيعابه. حتى ذكر العلامة المناوي رحمه الله تعالى أنه لم يأت له أحد بمماثل ولا بمشابه. والترمذي رحمه الله تعالى رتب كتابه الشمائل ترتيبا دقيقا، فقسمه رحمه الله تعالى إلى ستة وخمسين بابا، وجعل هذا الكتاب على ستة وخمسين بابا، وجمع فيه نحو من أربعمائة وخمسة عشر حديثا. ولاحظوا إلى بداعة وحسن ترتيب الترمذي رحمه الله تعالى لهذا الكتاب، فقد بدأ بما يتعلق بشمائل النبي صلى الله عليه وسلم الخلقية: من الطول، وهكذا اللون، وهكذا الشعر، وهكذا الوجه، وهكذا المشي، وهكذا غيرها من الشمائل الخلقية. ثم أتبع ذلك بالكلام على حاجيات ومقتنيات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فذكر ما يتعلق بسيفه ودرعه: سيف النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا درعه عليه الصلاة والسلام، وهكذا أيضا ما يتعلق بكحل النبي صلى الله عليه وسلم، ذكر لباس النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا ما يتعلق بنعله وخفه وخاتمه، وهكذا أيضا عمامته صلى الله عليه وسلم، ذكر أيضا ما يتعلق بإزاره صلى الله عليه وسلم، ذكر مشيته وجلوسه، وهكذا اتكاؤه، ذكر صفة أكله، ذكر خبزه وإدامه وقدحه، وهكذا أيضا الفاكهة التي كان يأكلها صلى الله عليه وسلم، ذكر ما يتعلق بشربه وشرابه صلى الله عليه وسلم، ذكر ما يتعلق بعطره: بماذا كان يتطيب عليه الصلاة والسلام، ذكر ما يتعلق بكلامه: كيف كان كلامه، وكيف كان ضحكه، وكيف كان مزاحه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ذكر ما يتعلق بنومه واستيقاظه وعبادته صلى الله عليه وعلى آله وسلم. انظروا كيف رتب هذه الشمائل وهذه الأبواب. ثم انتقل بعد هذا وذاك للكلام حول الشمائل الخلقية: كيف كانت أخلاقه صلى الله عليه وسلم، وكيف كانت آدابه، وكيف كانت معاملته للآخرين. فتناول رحمه الله تعالى في هذه الأبواب خلقا حسنا وأدبا جما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم. ذكر تواضعه عليه الصلاة والسلام، تواضعه عليه الصلاة والسلام، باب عظيم، سواء كان في لبسه أو كان في فراشه أو كان في غيرها. أيضا تكلم عن حيائه، عن حياء النبي صلى الله عليه وسلم. أيضا تكلم حول حجامته صلى الله عليه وسلم. تطرق أيضا إلى أسمائه وعيشه وسنه. أيضا تطرق إلى آثاره عليه الصلاة والسلام وميراثه، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله. وختم رحمه الله تعالى الكتاب برؤيته صلى الله عليه وسلم في المنام، رؤيته صلى الله عليه وسلم في المنام، فذكر أحاديث وذكر آثارا، وفيها ضوابط هذه الرؤية ومدى صدقها إذا كانت وقعت لأهلها. وهذه الرؤية الصادقة التي يرى فيها المسلم النبي صلى الله عليه وسلم لا تكون إلا بالعلم بصفاته صلى الله عليه وسلم، فإن من رآه في المنام فقد رآه، فقد رآه عليه الصلاة والسلام، فإن الشيطان لا يتمثل بالنبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وكونه يختم بأبواب تتعلق برؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، هذا يدل على جمال في الترتيب والتنسيق. فكم يا إخوان ظل أقوام، وكم زلت أقدام، بسبب الرؤى التي ادعاها أصحابها، التي ادعوا فيها أنهم رأوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأنه أمرهم ونهاهم ووصاهم، والصفات التي يرى فيها الشخص النبي صلى الله عليه وسلم صفات مخالفة للشمائل الصحيحة للنبي صلى الله عليه وسلم: يرى شخصا قصيرا، أو يرى شخصا أسود، أو يرى شخصا حالقا للحية، أو عاملا للحية صغيرة، أخذ معظمها، أو غيرها من الصفات المخالفة للشمائل الخلقية. وهنا تقع البدع، وتقع الضلالات، وتقع عبادات وانحرافات ما أنزل الله بها من سلطان. أصحابها يدعون أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بها في تلكم الرؤى المنامية. مر معنا في الدرس الماضي الكلام حول باب ما جاء في شيب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا الباب كما سبق يتعلق ببيان الشمائل والصفات الخلقية. والشيب كما سبق هو عبارة عن تحول لون الشعر من لونه الأصلي إلى البياض، إلى البياض. الأحاديث الصحيحة دلت على أن الشيب الذي وجد في شعر النبي صلى الله عليه وسلم كان كثيرا أو قليلا؟ كيف كان الشيب الذي في شعر النبي صلى الله عليه وسلم يا أبا أسامة؟ أكان قليلا أم كثيرا؟ قليلا، أحسن. بل قليلا جدا، قليلا جدا، كما جاء في حديث أنس، وهكذا جابر بن سمرة، وما كان في معناهما أو في معناهما من الأحاديث النبوية الصحيحة. وأن شيبه عليه الصلاة والسلام كان في ثلاثة مواضع، أشار إليها أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه. فما هي هذه المواضع الثلاثة التي كان فيها شيب في النبي صلى الله عليه وسلم؟ الموضع الأول: الموضع الأول، ماذا يسمى ما بين العين إلى الأذن؟ هذا الموضع ماذا يسمى؟ نعم، صدق، والمثنى: صدغان. هذا صدغان، كان الشيب في صدغيه. الموضع الثاني: الموضع الثاني، يا أبا فواز. الموضع الثاني: العنفقة، وبعضهم يطلق عليها العنفقة. ما هي العنفقة؟ ما هي العنفقة يا عمر؟ الشعر الذي بين الذقن والشفة العليا والسفلى، السفلى، هذا يسمى عنفقة. كان شيبه عليه الصلاة والسلام في عنفقته. الموضع الثالث: الموضع الثالث، يا أبا خالد. نبذ في رأسه، وصيأتي معنا أنها في مفرق ومقدمة رأسه. نبذ، وما معنى نبذ؟ ما معنى نبذ يا حذيفة؟ نبذ، أحسن، يعني شيء قليل جدا. نبذ يعني شعيرات متفرقة قليلة جدا.كذا جاء في حديث أنس رضي الله تعالى عنه في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى. الصحابة، كما مر معنا في حديث أنس، أن عدد هذه الشعيرات البيض في رأسه عليه الصلاة والسلام ولحيته هي نحو من أربع عشرة شعرة بيضاء. وجاء في حديث أنس الآخر أنه ماذا؟ ليس فيه عشرون شعرة بيضاء حين توفي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولما سئل أنس: هل خضب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ نفى أن يكون خضب. والخضاب هو ما تصبغ به أو ما يصبغ به الشعر فيغير لونه من الأبيض إلى غيره، ويكون بالحناء أو بالكتم أو بغيرهما، ويجتنب السواد لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، نهى عن ذلك. مر معنا حديث أكرهه عن ابن عباس، قال: قال أبو بكر: يا رسول الله قد شبت، قد شبت، يعني ظهر عليك آثار الشيب، ظهر عليك آثار الشيب. ما هي آثار الشيب؟ للشيب آثار عديدة: منها بياض الشعر، بياض الشعر، واشتعل الرأس شيبا، واشتعل الرأس شيبا، ولم أكن بدعائك ربي شقيا. من القائل؟ آه، من القائل؟ زكريا، زكريا، أحسن. أيضا يعني من آثار وعلامات الشيب: ثقل في الحركة، ثقل في الحركة، وضعف في البدن، ضعف في البصر، وهكذا ثقل أيضا في السمع، وتجعد في الجلد، إلى غيرها من الآثار. قال: يا رسول الله قد شبت. قال: «شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت، وإذا الشمس كورت». وهذا الحديث كما سبق معنا، أعله بعض العلماء بالاضطراب. أكرهه تارة يرويه عن ابن عباس عن أبي بكر، وتارة يرويه عن أبي بكر مباشرة ولا يذكر ابن عباس. لكن كما سبق يشهد له الحديث الذي بعده: حديث أبي جحيفة السوائي، وما كان في معناهما من الأحاديث الأخرى. حديث أبي جحيفة قال: قالوا يا رسول الله نراك قد شبت. قال: «شيبتني هود وأخواتها». شيبتني هود وأخواتها. وهذا الحديث أيضا تكلم في إسناده العلماء، فهو من طريق، من طريق سفيان بن وكيع، وسفيان بن وكيع ضعيف، وهكذا أعله بعضهم بالاضطراب. الشيخ الألباني رحمه الله تعالى صحح هذا الحديث بشواهده، كما في مختصر الشمائل. وكان شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى على ضعفه. وقوله هاهنا: «قد شيبتني هود وأخواتها»، يعني أخواتها من سور القرآن التي فيها ذكر لأهوال يوم القيامة والشدائد التي تكون في ذلك اليوم العظيم. فهذه السور فيها وصف لأهوال ذلك اليوم العظيم الشديد. ولهذا جاء في مسند أحمد وعند الترمذي وغيرهما من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين، فليقرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾، ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾». وهذا الحديث صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في سلسلته الصحيحة وصحيح الجامع وغيرهما. ولاحظوا يا إخوان كيف أن سبب شيبه عليه الصلاة والسلام، وإن كان يسيرا وقليلا، فإنما هو بسبب اهتمامه بأمور الآخرة، وليس بسبب الاهتمام بأمور الدنيا، أو بسبب فوات شيء من مصالحها، أو تعلق القلب بها، أو رغب فيها أبدا يا إخوان. ولهذا كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا تجعل الدنيا أكبر همنا»، «ولا تجعل الدنيا أكبر همنا». أكد جاء في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه. وقوله: «ولا تجعل الدنيا أكبر همنا»، فيه إشارة يا إخوان إلى أن الإنسان لا بأس، لا بأس أن يهتم بأمور الدنيا، لا بأس أن يهتم بعمله ووظيفته، أن يهتم بزوجته وأولاده، أن يهتم بثيابه ومظهره، لكن لا يبالغ في ذلك حتى يصير هو أكبر همه، ولا مبلغ علمه. وإنما الهم الأكبر هو الآخرة، وما لأجله خلقه الله عز وجل من التوحيد والعبادة والاستعداد للقاء الله عز وجل. وقوله عليه الصلاة والسلام: «شيبتني هود وأخواتها»، وهكذا الحديث الذي سبقه يا إخوان، فيه تأثير القرآن على القلوب، على القلوب. ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. القرآن يا إخوان فيه طب، فيه علاج للقلوب، وهكذا شفاء للنفوس، فيه إصلاح وصلاح لأحوال العباد. فكلما كان العبد مهتما ومعتنيا بالقرآن، فإنه يجد أثرا ويجد صلة عظيمة بالله عز وجل، واهتماما باليوم الآخر، واستعدادا لذلك. وكلما كان الإنسان بعيدا عن القرآن غافلا، كلما كان إقباله على الدنيا، وإنهماكه على الدنيا، فتصبح هي أكبر همه له ومبلغ علمه في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾، غفلة في باب الآخرة، وأكثر حديثه ومعلوماته حول هذه الدنيا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة والخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعطى لم يرضَ»، كما جاء في البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه. ذكر كذلك أيضا في هذا الباب، ختم بحديثين. الحديث الأول: هو حديث أبي رمثة، أبي رمثة التيمي، تيم الرباب، تيم الرباب، أي وليس تيم قريش التي منها أبو بكر الصديق وطلحة بن عبيد الله وغيرهما. قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ومعي ابن لي. قال: فأريته، قال: فأريته، أي أريت النبي صلى الله عليه وسلم ابني. فقلت لما رأيته: هذا نبي الله صلى الله عليه وسلم. قال: وعليه ثوبان أخضران، وعليه ثوبان أخضران، وله شعر قد علاه الشيب، وشيبه أحمر، وشيبه أحمر. وقوله: «وعليه ثوبان» يعني مثل الإزار والرداء، كالإزار والرداء. وقوله: «أخضران» لا يلزم يا إخوان أن يكون أخضر خالصا، فقد يكون ماذا؟ أخضر مع سواد، كحالي البرود التي كانوا يأتون بها من بلاد اليمن، أخضر أسود، كالعمائم هذه يقال: عمائم حمراء، وهي أحمر وأبيض، أو أحمر وغيره من الألوان الأخرى التي تخالطها. قال: «وله شعر قد علاه الشيب». وهذا يا إخوان هو الشاهد: قد علاه الشيب. وهذا الشيب كما مر في الأحاديث السابقة أنه يسير وأنه قليل. قال: «وشيبه أحمر، وشيبه أحمر». هذه الحمرة يا إخوان، هل كانت بسبب الخضاب الذي كان يخضب به شعره، أو أنها من أثر الدهن الذي كان يدهن به شعره، الذي كان يدهن به شعره؟ قولان لأهل العلم. والأحاديث السابقة يا إخوان، التي منها نفي أنس بن مالك أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم خضب شعره وشيبه بشيء من الخضاب، كان حناء أو كتم أو غيرهما، يدل على أن هذه الحمرة إنما هي من أثر الدهن، الدهان الذي كان يدهن به عليه الصلاة والسلام شعره، كان يدهن به شعره، وليس من أثر الخضاب، لأنه لم يكن عليه الصلاة والسلام يخضب. سيأتي معنا أنه خضب، لكن الأحاديث التي وردت في هذا لا تصح ولا تقوى على مقاومة الأحاديث التي نفى الصحابة أن يكون قد خضب عليه الصلاة والسلام شعره. وختم رحمه الله تعالى هذا الباب بحديث حماد بن سلمة عن سماك بن حرب، قال: قيل لجابر بن سمرة: أكان في رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم شيب؟ ومر معنا أن المقصود بقوله: «أكان في رأس رسول الله»، أي في شعر رأسه شيب، يعني شعر أبيض. فقال، أي جابر بن سمرة: لم يكن في رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم شيب إلا شعرات في مفرق رأسه، إذا ادهن لم يراهن الدهن، إذا ادهن لم يراهن الدهن. وقوله: «إلا شعيرات في مفرق رأسه»، ما هو مفرق الرأس؟ ما هو مفرق الرأس يا أبا عبد الرحمن؟ ما هو مفرق الرأس؟ تقول: ضربته في مفرق رأسه. نعم، طرف الرأس من جهة المقدمة، ومنها يفرق شعر الرأس. قال: «في مفرق رأسه». وهذا معنى ما مر في حديث أنس: قال: «نبذ في رأسه»، يعني شعر قليل متفرق في رأسه، أي في مقدمة رأسه صلى الله عليه وسلم. قال: «إذا ادهن، إذا ادهن لم يراهن الدهن»، يعني أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا دهن شعر رأسه ولحيته، فإن هذا الدهان يخفي أثر ولون الشعر الأبيض، وإذا تركه بغير دهن، فإن البيض الذي كان في لحيته وفي رأسه يكون ظاهرا، يكون ظاهرا. وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الباب، ويأتي معنا في درس لاحق الكلام حول باب ما جاء في خضاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا ما بعده من الأبواب الأخرى. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.