الدرس في شرح تطهير الإعتقاد 10، ألقاها
العبادة هي غاية الخضوع والتذلل مع المحبة والتعظيم لله تعالى وتشمل الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. العبادة ليست قاصرة على الخضوع بل تجمع بين الخضوع والتعظيم.
التوحيد هو أساس العبادة ويجب اعتقاد معنى لا إله إلا الله والعمل بمقتضاها مع استيفاء شروطها مثل العلم واليقين. شروط لا إله إلا الله ضرورية لتحقيق التوحيد.
لا إله إلا الله تدل على إفراد العبادة لله وحده ونبذ عبادة ما سواه، وكان المشركون يفهمون هذا المعنى. بعض المسلمين يخالفون هذا الفهم الصحيح.
المقطع الأخير يعبر عن التسليم بقضاء الله والاعتراف بعظمته ويتضمن تسبيحا لله والاستغفار منه. يُظهر تقوى المتحدث وتفويض أمره إلى الله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام الصنعاني -رحمه الله تعالى- في كتابه "تطهير الاعتقاد" في الأصل الخامس: "أن العبادة أقصى غايات الخضوع وتذلل". ومعنى هذا أن حقيقة العبادة هي غاية الخضوع وتذلل. وقد مر معنا في أول الدرس أو في أوائل الدروس الكلام عن العبادة، وأنها تعرف باعتبارين: باعتبار العامل، وباعتبارها من حيث هي. فالعبادة باعتبار العامل هي غاية الخضوع والتذلل والمحبة والتعظيم والإجلال، كما قال الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "عبادة الرحمن غاية حبه... هذا الأول مع ذل عابده، هما قطبان هذا الثاني". فهي غاية المحبة مع غاية الذل. هذه هي حقيقة العبادة. وباعتبار العبادة من حيث هي، كما تقدم معنا، ما عرفه بها شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- بقوله: "أنه اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة". فهذا هو كذلك معنى العبادة باعتبارها من حيث هي. فقوله -رحمه الله تعالى-: "أن العبادة أقصى غايات الخضوع والتذلل"، أي هذا باعتبار العابد. أي: باعتبار عبادة العابد. فالعابد كلما كان في هذا المعنى، فإنه يسمى عابدًا، إذا قام في قلب العبد وصدر من قلب العبد هذه المعاني: غاية الخضوع، غاية التذلل، غاية التعظيم، غاية المحبة والإجلال. فهذه عبادة، وذلك الإنسان يقال فيه بأنه عابد، لأنه تعبد، عابد لأنه تعبد، تعبد بالعبادة بغاية الخضوع مع غاية المحبة والتعظيم والإجلال. قال -رحمه الله تعالى-: "ولم تستعمل إلا في الخضوع لله"، أي: العبادة لم تستعمل إلا في الخضوع لله تعالى، لأنه مولي أعظم النعم، فكان حقيقًا بأقصى غاية الخضوع. كما في الكشاف للزمخشري. فقوله -رحمه الله تعالى-: "أن العبادة أقصى غايات الخضوع التذلل" إلى آخر ما ذكر، معنى هذا الكلام أن العبادة حقيقتها -أي الصادر من العابد- أن تكون بهذه المعاني، أن يصدر من قلب العابد هذه المعاني: غاية التذلل، غاية الخضوع، مع ما تقدم ذكره من غاية المحبة والتعظيم. والإمام الصنعاني -رحمه الله تعالى- نقل هذا التعريف هاهنا من كلام الزمخشري في الكشاف، وكتاب الزمخشري الكشاف مليء بالتخليط العقدي؛ لأنه معتزلي ومحترف وهو لغوي، فيدخل الاعتزال من جهة اللغة. فلا ينبغي للطالب المبتديء -بل ولو كان كذلك ممن قد قطع شوطًا في طلب العلم- أن يلتفت إلى هذا الكتاب؛ لما فيه من الدسائس المعتزلية. ولو أنه -رحمه الله تعالى- وقف على كلام ابن القيم لكان أتم وأشمل في تعريف العبادة، وأن العبادة ليست قاصرة على مجرد الخضوع والتذلل، بل تجمع أمرين: الأمر الأول غاية الخضوع والتذلل، والأمر الثاني غاية المحبة والتعظيم. فلابد للعابد أن يقوم في قلبه هذان المعنيان: المحبة والتذلل الخضوع. هذا هو التعبد الصادر من العابد. وكذلك لو عرف بتعريف شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- فإنه كذلك يعتبر أحسن تعريف للعبادة. قال -رحمه الله تعالى-: "ثم إن رأس العبادة وأساسها التوحيد"، ثم إن رأس العبادة وأساسها التوحيد لله تعالى الذي تفيده كلمته التي إليها دعت جميع الرسل، وهو قول: "لا إله إلا الله". والمراد اعتقاد معناها، لا مجرد قولها باللسان. وقوله -رحمه الله تعالى-: "والمقصود اعتقاد معناها"، أي: اعتقاد معناها حقًا وحقيقة، والعمل بمقتضاها. والعمل بمقتضى ذلك العلم وذلك الاعتقاد؛ لأن "لا إله إلا الله" لا ينفع أن ينطق الإنسان بلسانه "لا إله إلا الله" وقلبه خاويًا عن معرفتها وعن دلالاتها وعن شروطها وأركانها ومقتضياتها. لا تنفع "لا إله إلا الله"؛ لا بد أن يقولها وهو عالم بمعناها، أن يقولها وهو مستيقن لما دلت عليه، وأن يكون كذلك محبًا لها، معظمًا لها، مجلًا لها، إلى غير ذلك من المعاني التي ذكرها العلماء -رحمهم الله تعالى- في شروط "لا إله إلا الله". فشروط "لا إله إلا الله" المعروفة التي ذكرها العلماء -رحمهم الله تعالى-، فلا بد من الإتيان بها. لا بد من الإتيان بهذه الشروط؛ إذ لو لم تتحقق تلك الشروط لم تتحقق "لا إله إلا الله"، ولا يستفاد كذلك من النطق بها والقلب خاوي مما دلت عليه "لا إله إلا الله" من المعاني. فينتبه لهذا. لذا يقول الشيخ -رحمه الله تعالى- هاهنا: "ثم إن رأس العبادة وأساسها التوحيد"، التوحيد لله تعالى، إفراد الله جل وعلا بالعبادة؛ لأن التوحيد وإفراد الله جل وعلا بالعبادة، قال: "التي إليها دعت جميع الرسل، وهو قول: لا إله إلا الله". والمراد اعتقاد معناها، أي: والعمل بمقتضاها. اعتقاد معناها: أي العلم بمعناها، واعتقادها -أي الجزم بما دلت عليه "لا إله إلا الله" من المعاني- فيستيقنها، وكذلك يصدقها، وكذلك يخلص فيها -أي بالنطق فيها- لله رب العالمين جل وعلا. قال: "ومعناها إفراد الله تعالى بالعبادة والإلهية"، إفراد الله تعالى بالعبادة بأن لا يصرف العبد شيئًا من العبادات لغير الله جل وعلا، بأن لا تصرف العبادة لغير الله جل وعلا، ولو كانت تلك العبادة في نظر ذلك الإنسان صغيرة. فصرف العبادة لغير الله جل وعلا شرك بالله جل وعلا، وهو من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله جل وعلا. فلو أن إنسانًا ذبح لغير الله جل وعلا لولي لضريح متقربًا إليه، فإن هذا شرك أكبر وردة عن دين الإسلام. وإن قال هذا الذابح: "هذا شيء يسير، هذا شيء أنا أصلي مع المصلين، أنا أصوم مع الصائمين، أنا أحج مع الحجيج" إلى غير ذلك، ويأتي بهذه الفعلة، فإنه يكون مشركًا بالله رب العالمين جل وعلا، ويحبط الله جل وعلا عمله، ولا ينفعه منهم صرفًا ولا عدلًا. قال الله جل وعلا: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقال الله جل وعلا في حق نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. فالحاصل أن العبادة حق لله رب العالمين جل وعلا، فلا يجوز صرفها لغيره، كائنًا من كان ذلك الغير، ولو كان ذلك الغير نبيًا مرسلًا، ولو كان محمدًا صلى الله عليه وسلم؛ فإنه لا يجوز أن تصرف إليه شيء من العبادات. فلا يدعى، ولا يستغاث به، ولا يسأل الحاجات، ولا دفع الكربات. وإنما يسأل ويدعى ويستغاث به ويتقرب إليه بجميع أنواع العبادات الله رب العالمين وحده لا شريك له، هو الذي يستحق العبادة وحده. وما سواه فإنه لا يستحقها، ولو كان ملكًا من الملائكة أو نبيًا من المرسلين أو صالحًا من الصالحين. قال -رحمه الله تعالى-: "ومعناها إفراد الله تعالى بالعبادة والإلهية"، أي: بأن لا يتأله إلا الله جل وعلا، وأن لا يتعبَّد إلا لله رب العالمين جل وعلا. قال: "وَالنَّفِي وَالْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ مَعْبُودٍ دُونَهُ". وَالنَّفِي وَالْبَرَاءَةِ: أن تُنْفَى الْعِبَادَةُ وَالْآلِهَةُ من دون الله جل وعلا. فكلُّ مألوهٍ عُبِدَ مع الله، فَعِبَادَتُهُ بَاطِلَةٌ، لا تجوز، يجب البراءة منها. والبراءة كذلك من المشركين، كما تقدم في قول إبراهيم عليه السلام ومن معه: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾. قال -رحمه الله تعالى-: "وقد علم الكفار هذا المعنى"، أي: معنى "لا إله إلا الله" وما دلت عليه "لا إله إلا الله"، وأنها دلت على إفراد العبادة لله وحده لا شريك له، ونبذ عبادة كل ما سواه. قال: "وقد علم الكفار هذا المعنى؛ لأنهم أهل اللسان العربي، فهم يعلمون أن إله بمعنى مألوه، وأن مألوه بمعنى معبود". قال: "فقالوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ". المشركون الذين بُعِث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما تقدم- يُقِرُّون بأن الله جل وعلا هو الخالق، هو الرازق، هو المدبر، هو المحيي، هو المميت، إلى غير ذلك من المعاني. كما تقدم معنا أدلة ذلك من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما في حديث ابن عباس: "أن تلبية المشركين في الجاهلية كانوا إذا لبَّوا قالوا: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ". فهم يُقِرُّون بأنهم أشركوا مع الله جل وعلا، ولكن يقولون بأن هذا الشريك ليس له مُلْك، ليس منفردًا بالخلق، وإنما المالك هو الله، والخالق هو الله. ومع هذا أشركوا في العبادة. لذا لما أمرهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بأن يقولوا: "لا إله إلا الله"، ماذا زعموا؟ ماذا قالوا؟ قالوا: بأن محمدًا يسب آلهتنا، ويُسفِّه أحلامنا، ويُفرِّق جماعتنا. من أين هذا؟ هل قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأمور؟ لكن فهموها من معنى "لا إله إلا الله"؛ لأنهم عرب، فعلموا أن معنى "لا إله إلا الله": أنه لا معبود يستحق العبادة إلا الله رب العالمين جل وعلا، وأن ما سوى الله من الآلهة من المعبودات، فعبادتها باطلة، ومن عبدها فإن عبادتهم لها باطلة، وتدل على سفه عقولهم؛ إذ يعبدون ما لا ينفعهم ولا يضرهم. ففهموا من "لا إله إلا الله" هذه المعاني كلها. وللأسف، كثيرٌ من الناس ممن ينتسبون إلى أهل الإسلام أو ممن ينتسبون إلى الإسلام، لا يعرفون من "لا إله إلا الله" ما عرفه أولئك المشركون. لذا وقع منهم ما وقع من المخالفات الناقضة لـ"لا إله إلا الله". إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.